الرد على شبهة بنوة عيسى -عليه السلام- لله تعالى

ياسر منير

افتراءات النصارى على الله تعالى كثيرة.. وقد أفردنا هذا البحث للردّ على شبهة بنوة المسيح عليه السلام لله تعالى؛ لإظهار ما عليه هؤلاء من زَيْغِ...

  • التصنيفات: اليهودية والنصرانية - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الردود والتعقيبات -

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وبعد:

فافتراءات النصارى على الله تعالى كثيرة.. وقد أفردنا هذا البحث للردّ على شبهة بنوة المسيح عليه السلام لله تعالى؛ لإظهار ما عليه هؤلاء من زَيْغِ.

أولًا - المعنى اللغوي والاصطلاحي للشبهة:

يقول الجوهري في الصحاح:

"والشُبهةُ: الالتباسُ. والمُشتبِهاتُ من الأمور: المشكلات. والمتشابهات: المتماثلات"[1].

وجاء في تهذيبِ اللغةِ:

"ورَوَى أبو العباس عن ابن الأعرابيّ أنّه قال: شَبِّه الشيءُ: إذا أَشْكَل، وشَبَّه: إذا ساوَى بين شيءٍ وشيء..

قال: وسأَلْتُه عن قول الله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:25]..

فقال: ليس من الاشتباه المُشْكِل، إنَّما هو من التَّشابُه الذي هو بمعنى الاشتباه..

وقالَ الليثُ: المُشْبهات من الأمورِ: المُشْكِلات، وتقولُ: شَبَّهتَ عليّ يا فلانُ: إذا خَلَّط عليك، واشْتَبَه الأمر: إذا اخْتَلط، وتقول: أَشْبَه فلانٌ أباه، وأنتَ مثله في الشَّبه والشِّبْه، وفيه مَشابِه من فلان، ولم أَسمع فيه مَشْبَهة من فلان، وتقول: إنِّي لفي شُبْهَةٍ منه"[2].

أما ابن منظور فيقول: "والشِّبْهُ والشَّبَهُ النُّحاس يُصْبَغُ فيَصْفَرُّ وفي التهذيب ضَرْبٌ من النحاس يُلْقى عليه دواءٌ فيَصْفَرُّ، قال ابن سيده: سُمِّي به لأَنه إذا فُعِلَ ذلك به أَشْبَه الذهبَ بلونه"[3].

وحاصلُ هذه التعريفاتِ اللُّغويِّة أنَّ المعنى لكلمة [شُبْهة] هو الالتباس والخلط والتماثل، كما أنَّ الشبهة في المعنى الاصطلاحي لها عِدَّة معانٍ، فمنها -مثلًا- الحدُّ الفاصلُ بينَ الحلالِ والحرام كما جاء في الحديث الصحيح عن النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: "قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الحلالُ بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ وبينهما أمور مشتبهةٌ»"[4]، وهو الالتباسُ في الحكم التكليفيِّ[5]، هل هو من قبيلِ الحرامِ أم من الحلال؟! ولذلك نهانا عليه الصلاة والسلام من الاقترابِ للأمور المشتبهة خشية الوقوعِ في الحرام.

ومن معاني الشبهة الاصطلاحية ما يَرِدُ على القلبِ من الخواطرِ التي تحول بينه وبين معرفة الحقِّ، وتُسمّى بالشبهة العقدية..

وقد أحسنَ الإمام ابن القيِّم رحمه الله عندما تحدَّث عنها بقوله: "والشبهة واردٌ يَرِدُ على القلبِ يحولُ بينهُ وبينَ انكشافِ الحقِّ له فمتى باشرَ القلبُ حقيقةَ العلمِ لم تؤثِّر تلك الشُّبهة فيه بل يقوى عِلمهُ ويقينهُ بردِّها ومعرفةِ بطلانِها ومتى لم يباشر حقيقةَ العلمِ بالحقِّ قلبُه قدحت فيه الشكّ بأولِ وهلةٍ فان تداركها وإلا تتابعت على قلبِه أمثالُها حتى يصير شاكًّا مرتابًا"[6].

وهذا النوعُ هو ما وقع فيه النَّصارى في دينهم، حيثُ تواردت الشُّبُهات على قلوبهم فلم يهتدوا إلى ردِّها سبيلًا، حينًا جهلًا وحينًا عملًا مقصودًا، فضلّوا وأضلّوا وانحرفوا عن دينهم انحرافًا كبيرًا، ولو أنَّهم باقون على دينهم الصحيحِ الذي جاءهم به عيسى عليه السلام لَمَا رفضوا الإسلامَ ومتابعة نبيِّ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، لأنَّ الله أخبرنا في القرآن الكريم أنَّ عيسى عليه السلام قد بشَّر بني إسرائيل بأنَّ الله مرسلٌ رسولًا من بعده فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف:6].

لكنَّهم حرَّفوا كثيرًا ممّا كانَ في الإنجيل؛ فطمسوا ما لم يُوافِق أهواءهم وأضافوا من عند أنفسهم طقوسًا ومعتقداتٍ باطلةٍ في حقِّ ربِّ العالمينَ وفي حقِّ عيسى عليه السلام، فلبَّسوا وخلَّطوا على من جاء بعدهم حتى التبس عندهم الحق بالباطلِ، فظنَّوا الحقَّ الذي هو توحيد الله بالربوبيِّة والألوهيِّة باطِلًا فرفضوه واستبعدوه، وظنَّوا الباطل الذي فيه نسبة الولد والزوجة لله الفرد الصمد {سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء:43]، وفيه إعطاء عيسى عليه السلام فوق استحقاقه من حيث التأليه ونسبة الولديِّة حقًا فقرَّبوه وصوَّبوه!

ولذلك تراهم في تناقضاتٍ عجيبةٍ غريبة، وشبهاتٍ عديدةٍ مريبة، وهذا ديدنُ من أعرضَ عن الحقِّ واتَّبع هواه: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50].

ثانيًا - كيفيِّة الردِّ على الشُّبُهات:

إنَّ إزالة الشُّبهات من أصولِ الدين، لأنَّ الله جلَّ في عُلاه قد ردَّ على المشركينَ وأهلِ الكتابِ ودحضَ شبهاتهم وأقوالهم في القرآن الكريم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى:16]. فكلُّ من يريدُ إثارة الشبهات ويجادل بالباطلِ له حجةٌ وله علمٌ، ولكنَّ حجته داحضةٌ مردودة، ولذلك فإنَّه من الواجبات أن يقوم البعضُ ممن آتاه الله عِلمًا وحِكمةً بإزالة الشُّبهات وذلك بالردِّ عليها وتفنيدها، حتى لا يلتبس الحقُّ بالباطلِ فيضل النَّاس.

وللردِّ على الشبهاتِ شروطٌ وطرق وأساليب، شروطٌ تتعلَّقُ بشخصية الرادِّ وطرق وأساليب تتعلَّق بذات الردِّ عليها، ونُلخِصها بالآتي:

1- يجبُ أن يكون المتصدَّيِّ للردِّ على الشُّبهات ذا عِلمٍ واطِّلاعٍ وحكمة، قال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء:35].

2- يجبُ -أيضًا- أن يطّلعَ على الشُّبهات من مصدرها الأصلي الموثوق، وألا يكتفيَ بمجرد السماع، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6].

3- الفهم التَّام للشبهة قبل الردِّ، فمن الخطإ البيِّن العجلة في مثل هذه الأمور.

4- مراعاة حالِ صاحبِ الشُّبهةِ، فلا يستوي من التبس عليه الأمرُ وظنَّ الباطلَ حقًا مع من قصدَ التلبيسَ على النَّاسِ؛ فالأولُ مخدوعٌ مسكين، والآخرُ من جنسِ الشَّياطين، والتسويةُ في الردِّ بين الاثنينِ في الأسلوب والطريقة من جهل الجاهلين.

ثالثًا - أمَّا بالنسبة لنقض بنوة عيسى عليه السلام لله تعالى، فأقول:

تعتقد النصارى بأن المسيح عليه السلام هو ابن الله تعالى على الحقيقة، ولكن الناظر إلى كتبهم يجد الكثير من الأدلة والنصوص التي ما ذهبوا إليه، وتُثبِت بشرية المسيح عيسى عليه السلام، وتُبطِل معتقدهم ببنوة المسيح عليه السلام لله تعالى، منها:

أ- وصف الله تعالى بأنه أب لجميع خلقه، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: "وكلُّ مَنْ يحب فقد وُلِد من الله، ويعرف الله" (4: 7).

إلا أنّ هذه البنوة لم تكن بنوة حقيقية، بإجماع النصارى، وإنما يُسمِّي الله تعالى عباده المؤمنين أبناءً، لخلقه لهم، وتربيته إياهم.

يقول ابن تيمية: "فالمراد بذلك أنه الرب المُربِّي الرحيم، فإن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والابن هو المُرَبَّى المرحوم، فإن تربية الله لعبده أكمل من تربية الوالدة لولدها، فيكون المراد بالأب الرب، والمراد بالابن عنده المسيح الذي ربّاه"[7].

ب- لفظ ابن الله تعالى لم يكن خاص بالمسيح عليه السلام، ولم يقتصِر في الكتب المقدسـة -عند النصارى- عليه فقط، فقد دُعِي به كثير من أنبياء بني إسرائيل، فلم يقل أحد من أتباعهم أنهم أبناء لله تعالى، كما تعتقد نصارى اليوم في المسيح عليه السلام، كما أُطلِق ابن الله تعالى على كثيرين غيرهم.

وهذه نصوص من الكتاب المقدس -عند أهله- تُدلِّل وتؤكد أن لفظة ابن الله تعالى لم تكن خاصة بالمسيح عليه السلام طِبقًا للآتي:

- أُطلِقت على آدم عليه السلام: "ولمّا ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يُظَنّ ابن يوسف بن هالي... بن شيت بن آدم ابن الله" (لوقا 9: 23 – 38).

- أُطلِقت على بني إسرائيل: "أنتم أولاد للرب إلهكم" (سفر التثنية 14: 1).

- الأطهار أولاد الله تعالى، والأشرار أولاد إبليس: ذكر يوحنا في رسالته الأولى: "كل مَنْ هو مولود من الله لا يفعل خطيَّةً؛ لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ؛ لأنه مولود من الله. بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس..." (3: 9، 10).

- وأيضًا ورد في رسالة يوحنا الأولى: "وكلّ مَنْ يُحِبّ فقد وُلِدَ من الله" (4: 7).

وهذه الولادة ليست على الحقيقة؛ وإنما تعني محبة الله تعالى لهم لصلاحهم وطاعتهم لأمر الله تعالى، ولا تعني مطلقًا ولادة حقيقية. وأولاد إبليس لكونهم طالحين معرِضين عن الحق، ممتثلين لأمر الشيطان، فنسبهم المسيح عليه السلام للشيطان؛ تصغيرًا لهم واستحقارًا لأفعالهم[8].

ج- إنّ إطلاق لفظ ابن الله تعالى على المسيح عليه السلام مُعَارض بإطلاق لفظ ابن الإنسان الذي جاء مُتكرِّرًا في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس -عند أهله- منسوبًا للمسيح عليه السلام..

ومن النصوص التي ذُكِر فيها لفظ ابن الإنسان:

- "ولكن لكي تعلموا أنّ لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا" (متى 9: 6).

- وأيضًا: "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب" (متى 11: 19).

- وكذلك: "وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألَّم كثيرًا ويُرْذَلَ" (مرقس 9: 12)[3].

والمعلوم أن ابن الإنسان لا يكون إلا إنسانًا حامِلًا للطبائع والصفات البشرية[9].

د- من المُحَال أن يأتي ولد إلا من خلال التزواج، فيلزم أن تكون مريم قد صارت زوجة لله -تعالى الله عن ذلك-، بل نُكِحَت نِكاحًا حادِثًا، يناسب تلك الولادة المُحدثة، وهذا ما أنكره القرآن، فقال: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام من الآية:101].

"فأنَّى يكون لله ولد، ولم تكن له صاحبة، أي امرأة يعقب منه الولد؟! ثم كيف يكون للذي بيده الخلق والعلم كله أن يتخذ له صاحبة من خلقه تناسبه؟! وهو الذي لا مثيل له، فأنَّى يكون له ولد؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (أ. محمود شلبي؛ حياة المسيح، ص: [58]، د. ت. دار الجيل – بيروت).

ويُبَرْهن على صحة ما ذهب إليه بقوله: "وها هم الآن أنفسهم مقيمون على إطلاق ذلك، فإذا رأوا راهبًا أو قسيسًا قالوا له: يا أبانا، وليس هو أباهم حقيقة، ولكن مرادهم -بالإطلاق- ما أشرنا إليه، وهو أنهم يُنْزِلونه في الشفقة منزلة الأب، ويُنْزِلون أنفسهم في توقيره منزلة الأبناء" (أ. محمود شلبي: حياة المسيح، ص: [174]، د. ت. دار الجيل – بيروت).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]- (الجوهري، إسماعيل بن حمَّاد: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية؛ فصل: الشين، مادة "شبه": [7/86]، ط4، 1990م، دار العلم للملايين – بيروت).

[2]- (الأزهري: أبو منصور محمد بن أحمد؛ تهذيب اللغة؛ مادة "شبه": [6/59]، تحقيق: محمد عوض مرعب، ط1، 2001م. دار إحياء التراث العربي - بيروت).

[3]- (ابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري؛ لسان العرب، مادة "شبه": [13/509]، ط1، بيروت، دار صادر).

[4]- (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشبهات"، حديث رقم: [2051]، حسب ترقيم فتح الباري).

[5]- (الأحكام التكليفية عدَّها بعضهم خمسة: "الإباحة، والإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم"، انظر: كتب أصول الفقه للاستزادة).

[6]- (ابن القيم، مفتاح دار السعادة: [1/140]، بيروت: دار الكتب العلمية).

[7]- (انظر: الجواب الصحيح، ج3، ص: [194]).

[8]- (رحمت الله الهندي: إظهار الحق، ج3، ص: [753]).

[9]- (انظر -أيضًا-: [مرقس 2: 10] [يوحنّا 3: 13]).

[10]- (د. محمد أحمد الحاج: النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص: [251]).
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام