(40) نماذج رائعة للهمة العالية- نور الدين محمود 3

محمد بن إبراهيم الحمد

من للكريم ومن لنعش عثاره *** من لليتيم ومن لجبر كسيره
لهفي على تلك الأنامل إنها *** مُذْ غُيِّبت غاضَ الندى ببحوره

  • التصنيفات: التاريخ الإسلامي - تربية النفس -

ثانياً: جهاده، وفتوحاته، وإصلاحاته:

لقد أخذ بقلبه، وغدا بلبه حب الجهاد، ولقد كانت نفسه تتوق الى الشهادة في سبيل الله -كما مر-، قال الموفق عبداللطيف: "كان نورالدين لم ينشف له لِبَدٌ من الجهاد"[1]. ويشهد لذلك ويصدقه أنه قضى جل عمره في الجهاد في سبيل الله، وفي فتح الحصون، والمدن، والقلاع. ولقد اتسع ملكه، وكثرت فتوحاته مع أنه لم يكن تحت يده قتل والده إلا ملك حلب. قال ابن الأثير: "وكان قد اتسع ملكه جداً، وخطب له بالحرمين الشريفين، وباليمن"[2]، وقال ابن الجوزي: "جاهد، وانتزع من الكفار نيفاً وخمسين حصناً"[3]، وقال ابن كثير: "أقام الحدود، وفتح الحصون، وكسر الفرنج مراراً عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة، التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين"[4]، وقال الذهبي: ":وبنى دار العدل، وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء، والأيتام، والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخراج العين بأحد دفنها السيل، وفتح درب الحجاز، وعمر الخوانق، والرط، والجسور، والخانات بدمشق وغيرها.

وكذا فعل إذ ملك حزان، وسنجار، والرها، والرقة، ومنبج، وشيزر، وحمص، وحماة، وصرخد، وبعلبك، وتدمر.
ووقف كتباً كثيرة مثمنة، وكسر الفرنج، والأرمن على حارم، وكانوا ثلاثين ألفاً، فقلَّ من نجا"[5]، قال: "وبنى المدارس بحلب، وحمص، وبعلبك، والجوامع والمساجد"[6].

 

ثالثاً: نور الدين في الأدب: 

لقد كان لنور الدين مكانة وأثر في أدب الحروب الصليبية؛ فلقد اصطبغ أدب تلك الفترة بالصبغة الجهادية، فجاء شعراً حياً، مصوراً مآسي الأمة، خالياً من الملق والرياء.

ولقد وجد الأدباء في شخصية نور الدين مادة عظيمة، ورافداً كبيراً لأدبهم، فانطلقت ألسنتهم بالثناء عليه، وتصوير بطولته، ووصف معاركه وانتصاراته، فأحيوا بذلك مآثره، وخلدوا ذكره. كل ذلك مع أنه كان لا يأبه بالمديح، ولم يجازي الشعراء على ذلك، قال الذهبي: "كان تقياً لا يرى ذل الأموال إلا في نفع، وما للشعراء عنده من نَفَاق[7]، يقول أسامة بن منقذ مبيناً حال نور الدين مه الشعراء[8]:

سلطاننا زاهدٌ والناسُ قد زهدوا *** له فكل على الخيرات منكمشُ
أيامُه مثل شهر الصوم طاهرة *** من المعاصي وفيها الجوع والعطش


وفيما يلي نماذج مما قيل في نور الدين من شعر، قال ابن القيسراني يصف شجاعة نور الدين وزهده[9]:

يغشى الوغى أفرش فرسانها *** وفي التقى أزهد زهادها

وقال في وصف عِفَّته، وتجافيه عن الدنيا[10]:

ثنى يدَه عن الدنيا عفافٌ *** ومال بها عن الأموال زهد

وقال مهنئاً له بالظفر في إحدى المعارك[13]:

هذي العزائمُ لا ما تَدَّعي القضبُ *** وذي المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهِمَمُ اللاتي متى خطبت *** تَعَثَّرتْ خلفها الأشعار والخطب
صافحت يابن عماد الدين ذروتَها *** براحة للمساعي دونها تعب
مازال جدُّك يبني كلَّ شاهقةٍ *** حتى بنى قُبَّةً أوتادها الشهبُ
أغْرَتْ سيوفُك بالأفرنج راجفةً *** فؤادُ رومية الكبرى لها يَجِبُ[11]
ضربت كبشهم[12] منها بقاصمة *** أودى بها الصلب وانحطت بها الصُّلب
طهَّرت أرض الأعادي في دمائهم *** طهارةً كلُّ سيف عندها جنب


وقال بعض الشعراء فيه عندما حاصر قلعة حازم[14]:

ألبست دينَ محمدٍ يا نورَه *** عِزَّاً له فوق السُّها آساد
مازلت تشمله بميَّاد القنا *** حتى تثقف عودُه الميادُ
لم يَبْقَ مذ أرهفت عزمك دونه *** عدد يراع به ولا استعداد
إن المنابر لو تطيق تكلماً *** حمدتك عن خطبائها الأعواد

وقال العماد الأصفهاني في مدح نور الدين وذكر محامده ومآثره[15]:

آثاره حميدةٌ وإنما *** للمرء من آثاره حميدُها
إن الورى بحبِّه وبغضه *** يعرف مِن شقيِّها سعيدُها
جلا ظلامَ الظلمِ نورُ الدين عن *** أرض الشآم فله تحميدُها
إن الرعايا منه في رعايةٍ *** ونعمة مستوجبٌ مزيدُها
لِنَومِها يسهر بل لأمنها *** يخاف بل يخصبها بجودها

إلى أن يقول: 

يا دولة نورية من الورى *** وخصبها وَجُودها وجُودُها
فابق لنا يا ملكاً بقاؤه *** في كل عام للرعايا عيدها
في نعمة جديدة سعودها *** ودولة سعيدة جدودها

   وقال ابن منير الطربلسي نور الدين[17]:

 

رآك الصليبُ صليبَ القناة*** أمينَ العثارِ مَتينَ العمدْ
تهم فتسلبه ما اقتنى *** وتدأى فتثكله ما احتشد
زبنته أمسِ عن صرخد[16] *** فَفَضُّوا كأن نعاماً شرد

وقال ابن القيسراني فيه بعد هزيمة الفرنج بموقعة بغري، وبغري مكانٌ من أرض الشام، يقول في مطلع القصيدة[18]:

يا ليت أن الصدَّ مصدود *** أوْ لا فليت النوم مردودُ

  إلى أن قال:

وكيف لا يُثْنَى على عيشنا الـ *** محمودِ والسلطانُ محمودُ
وصارم الإسلام لا ينثني *** إلا وشِلوُ الكفرِ مقدودُ
مكارمُ لم تكُ موجودةً *** إلا ونور الدين موجود
وكم له من وقفة يومها *** عند الملوك الكفر مشهود
 

  وعندما توفي نور الدين رثاه الشعراء، وبينوا عظم المصيبة التي حلت بالإسلام والمسلمين بسبب فقده. وممن رثاه العماد الصفهاني، حيث رثاه بقصيدة طويلة قال فيها[20]: 

الدين في ظُلَمٍ لغيبة نوره *** والدهر  في غمٍّ لفقد أميره
مَنْ ينصر الإسلام في  غزواته *** فلقد أصيب بركنه وظهيره
مَنْ للفرنج ومن لأسر ملوكها *** من للهدى يبغي فِكَاكَ أسيره
من للبلاد ومن لنصر جيوشها *** من للجهاد ومن لحفظ أموره
من للفتوح محاولاً أبكارها *** برواحه في غُدْوِهِ وبكوره

ثم قال معدداً مناقب نور الدين: 

أنت الذي أحييت شرع محمد *** وقضيت بعد وفاته بنشوره
كم قد أمرت بفتح خندق  معقل *** حتى سكنت اللحد في محفوره
كم قيصرٍ للروم رمتَ  بقسره *** إرواء بيض الهند من تاموره([19])
أوتيت فتح حصونه وملكت عقـ *** ـر بلاده وسبيت أهل قصوره

ثم قال: 

من للكريم ومن لنعش عثاره *** من لليتيم ومن لجبر كسيره
لهفي على تلك الأنامل إنها *** مُذْ غُيِّبت غاضَ الندى ببحوره

إلى أن قال: 

يا حاملين سريره مهلاً فَمِنْ *** عجبٍ نهوضكم بحمل ثبيره
نزلت ملائكة السماء لدفنه *** مستجمعين على شفير حفيره
حياك مُعْتَلُّ الصَّبا بنسيمه *** وسقاك مُنْهَلُّ الحيا بدروره
وسكنت عِلِّيينَ في فردوسه *** حلف المسرة ظافراً بأجوره

رحم الله نور الدين، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى به عباده الصالحين الصادقين.
---------


[1] (سير أعلام النبلاء [20/534]).
[2] (الكامل [9/125]).
[3] (سير أعلام النبلاء [20/534]).
[4] (البداية والنهاية [12/299]).
[5] (سير أعلام النبلاء [20/532-533]).
[6] (سير أعلام النبلاء [20/532-533]).
[7] (سير أعلام النبلاء [20/535]).
[8] (سير أعلام النبلاء [20/535]).
[9] (الأدب العربي في الحروب الصليبية ص[64]، عن الروضتين [1/209]).
[10] (الأدب العربي ص[64]، عن الروضتين [1/48]).
[11] (يجب: من الوجيب وهو الاضطراب والخوف).
[12] (الكبش: هو رئيس القوم ومقدمهم).
[13] (الكامل لابن الأثير [9/25-26]).
[14] (الكامل [9/49]).
[15] (ديوان العماد الأصفهاني ص[144]، وانظر الأدب العربي ص[94-95]).
[16] (صرخد: بلاد ملاصق لبلد حوران من أعمال دمشق).
[17] (ديوان ابن منير ص[88]، وانظر الأدب العربي ص[99-100]).
[18] (الكامل [9/22]).
[19] (تاموره: يعني دمه).
[20] (ديوان العماد الأصفهاني ص[212-216] وانظر الأدب العربي ص[127-129]). 

المصدر: كتاب: الهمة العالية.