(8-9)

أيمن الشعبان

التفاتة لطيفة لإفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؛ قالوا: "النظر إلى الأشياء بين الناس متفاوت، فلو نظرت أنا إلى شيء قد أنتفع بفائدة ما تختلف عن نظر غيري وهكذا، فلما تعددت الأنظار جاء البصر هنا بالجمع (الأبصار)"، القلب كذلك، عندما ننظر أو نسمع لشيء لا بد أن نتفكر نتدبر، وهذا يختلف من شخص لآخر فالأمر متنوع متعدد فتأمل، والسمع جاء مفرد لأنه للجميع واحد.

  • التصنيفات: القرآن وعلومه -

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:
قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ} [السجدة:8].
كم هي نعمة عظيمة، إذ نقلنا الله من الذلة والخسة والمهانة والقذارة، إلى الرفعة والكرامة!
أخبرنا الله بحقيقة أصلنا من العدم، ثم بداية خلقنا من نطفة لا قيمة لها، حتى نتيقن أن الله وحده العزيز الجبار ذي الجبروت، ولا يليق الكبرياء إلا به، فعلام تتكبر يا ابن آدم؟!

يقول ربنا في الحديث القدسي إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: «إنَّ العزَّ إزاري، والكبرياءَ ردائي، فمَن نازعَني فيهِما عذَّبْتُهُ» (صحيح الجامع برقم:1908)، يا ابن آدم: بعد أن عرفت حقيقتك ومادتك، هل ستُصر متكبرًا وتستمر في عُجُبك؟!
أما يكفيك ظلم وطغيان وتجبر وتعدي على الآخرين وأكل حقوقهم؟!

قَالَ الْأَحْنَفُ: "عَجِبْت لِمَنْ جَرَى فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ" (أدب الدنيا والدين).
لما كان موضوع السورة الخضوع، ومادتها اليقين، وأبهى صورها السجود لله سبحانه، فهو أقصر طريق لكبح جماح الكبر والترفع والتعالي، فما أروع سياق القرآن وقوة دلالالته، لذلك تأمل آيات سورة السجدة، فيها نفع عظيم وثمرة عملية كبيرة، تدفع صاحبها لاستشعار عظمة الله وأهمية الخضوع إليه بكثرة السجود، كما قال عليه الصلاة والسلام للصحابي: «أعني على نفسك بكثرة السجود» (صحيح مسلم).

بعد أن بين الله سبحانه بداية خلق الإنسان، ينقلنا إلى التفصيل ببعض النعم التي وهبها الله لنا، فقال سبحانه: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9]، لماذا اختص الله هذه الأعضاء من دون البقية، قالوا: "لأنه بهذه الأعضاء والحواس يحصل العلم والفهم، وهذا هو المقصود، فلا يمكن للإنسان أن يتعلم من غير سمع أو من غير بصر أو من غير تأمل وتدبر وتعقل في القلب".

جاء في سورة الملك قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك:23]، وفي سورة المؤمنون: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78]، تكرار هذا الأمر للاهتمام بتلك الحواس، وأنها إذا استثمرت بما أعطانا الله من علل لوجودها ستقودنا إلى مرضاة الله.

هنا التفات في الخطاب من الغائب إلى المخاطب، من باب التفنن في البيان وتنشيط الأذهان، وأهمية تلك النعم التي سيذكر بها الإنسان! في معظم الآيات يأتي السمع مفردًا، قيل لأنها مصدر وهو يشمل الجنس فيؤدي القليل والكثير.

وهنالك التفاتة لطيفة لإفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؛ قالوا: "النظر إلى الأشياء بين الناس متفاوت، فلو نظرت أنا إلى شيء قد أنتفع بفائدة ما تختلف عن نظر غيري وهكذا، فلما تعددت الأنظار جاء البصر هنا بالجمع (الأبصار)"، القلب كذلك، عندما ننظر أو نسمع لشيء لا بد أن نتفكر نتدبر، وهذا يختلف من شخص لآخر فالأمر متنوع متعدد فتأمل، والسمع جاء مفرد لأنه للجميع واحد.

ولماذا قدم السمع على البصر؟!
الجواب: أنك دائمًا من تسمعه يكون أقرب إليك ممن تبصره، لذلك السمع أهم ومقدم على البصر، والسمع هو شرط من شروط النبوة، لذلك ما بعث الله عز وجل نبيًا أصم، لأن الحجة عندها لا تقام! ولا يمكن لك أن تنتفع بالمعلومة إلا أن تسمعها قبل أن تراها.

ولو تأملنا إلى بديع صنع الله في هذه الحواس لوجدنا أمرًا مذهلاً؛ من الناحية التشريحية فإن مركز السمع يكون في الصدغ الأمامي من الدماغ، ومركز البصر يكون في قفى الدماغ، لذلك قدم السمع على البصر.

من الناحية الوظيفية: السمع يتنشط ويبدأ يتفعل عند الإنسان وهو في بطن أمه بعمر خمسة أشهر، بخلاف جميع الحيوانات، وحاسة البصر تبدأ عند الجنين العمل بعد الشهر الثالث من الولادة، وعند ستة شهور يبدأ التمييز، وتكتمل عند سن العشر سنين.

{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} ينبغي علينا شكر هذه النعم، وشكر السمع أن يكون هذا المسموع حقًا ولا نسمع باطلاً، كالغناء والغيبة والنميمة والباطل، ومن شكر السمع أن نستمع لأهل العلم الربانيين الحكماء الفضلاء ما عندهم من الخير، وكذلك من شكر السمع الإصغاء إلى الموعظة.

ومن شكر البصر أن لا تنظر إلى ما حرم الله، والنظر إلى مخلوقات الله والتأمل والتفكر في عظيم صنعه.
ومن شكر القلب كثرة خشية الله والإنابة والخوف ومحبة الله والمؤمنين والصالحين والخضوع له.
{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} الشاكرون لله قليل والكافرون كثير، وهذا في كل زمان ومكان.

ولم يأْتِ البصر مفرداً -في هذا السياق- إلا في موضع واحد هو قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء من الآية:36]، ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلا بُدَّ أنْ يكون واحداً (الشعراوي).

اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام