(29)- أسباب اكتساب الهمة العالية (12)

محمد بن إبراهيم الحمد

إذا عمل المرء ما في وسعه، واستنفذ جهده وطاقته - فليثق بأن ربه لن يخذله، ولن يُضيع عمله، وليحذر من اليأس والقنوط والتشاؤم؛ فإنها من أشد المثبطات، وأكبر المعوقات.

  • التصنيفات: تزكية النفس -

39- التفاؤل:

فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى اطراح الكسل، وإلى الإقبال على الجد والعمل.

فإذا عمل المرء ما في وسعه، واستنفذ جهده وطاقته - فليثق بأن ربه لن يخذله، ولن يُضيع عمله، وليحذر من اليأس والقنوط والتشاؤم؛ فإنها من أشد المثبطات، وأكبر المعوقات.

وهذا المذهب المهين -وهو اليأس والقنوط والتشاؤم- لا يعرفه الإسلام، ولا يرتضيه لأهله، بل يحذر منه أشد التحذير، ويبين أن النجاح مأمول، وأن مع العُسر يُسرًا.

ثم إن المتفائل واسع النظرة، فسيح الصدر، عالي الهمة، موفور النشاط.

بخلاف المتشائم؛ فهو فاتر الهمة، ثقيل الظل، مُتبلِّد كسول، لا تحدوه غاية، ولا يدفعه هدف، بل يعيش في عالم الأحلام والأوهام والخيال، ويشعر دائما بالخيبة والخذلان، ويسيء ظنه بالآخرين، ولا ينظر إليهم إلا بعين الشك والريبة؛ فهو مغلق النفس، ضيق الصدر، يتقد حسدًا، ويحترق غيرة وكمدًا؛ لعجزه عن الرقي في المكارم، ولقلة بحثه عن العوامل التي سبّبت له هذا المزاج الأسود، ولقلة سعيه في علاج ذلك المرض العُضال، الذي قعد به وحط من قدره، فعاش على هامش الحياة صغير الشأن، خامل الذكر[1].

40- القدرة على السرور والابتهاج بالحياة:

فهذا الأمر قريب من سابقه، أو هو إكمال له؛ فهو مما يبعث الروح، ويحيي الهمة، فالرجل المبتهج بالحياة يزيده ابتهاجه قوة إلى قوته، فيكون أقدر على الجد، وحسن الإنتاج، ومقابلة الصعاب من الرجل المنبض الصدر، الممتلئ بالهم والغم.

والتجربة شاهد على أن المستبشرين الباسمين للحياة خير الناس صحة، وأقدرهم على الجد والنشاط، وأقربهم إلى النجاح والفلاح، وكثرهم سعادة واستفادة مما في أيديهم ولو كان قليلًا.

فالابتسام للحياة يضيئها، ويعين على احتمال متاعبها؛ فالعمل الشاق العسير يخف حمله بالنفس المشرقة المتفائلة.

فمن النعم الكبرى على الإنسان أن يعتاد النظر إلى الجانب المشرق في الحياة لا المظلم منها، وأن يمنح القدرة على السرور يستمتع به إن كانت أسبابه، ويوجدها قدر المستطاع إن لم تكن.

ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط؛ ليسر مالًا، وبنين، وصحة ونحو ذلك؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف الخارجية، وفي الناس من يشقى في النعيم، وفيهم من ينعم في الشقاء، وفيهم من لا يستطيع التبسم بكل ماله، وفيهم من يتبسم دائمًا من أعماقه بأتفه ثمنٍ وبلا ثمن.

وهناك نفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء شقاءً ونكدًا، وهناك نفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء سعادةً وأُنسًا.

وهناك من يُنغِّص على نفسه وعلى من حوله من كلمة يسمعها، أو يؤولها تأويلًا سيئًا، أو من عملٍ تافه حدث له أو منه، أو من ربح خسره، أو من ربح كان ينتظره فلم يحدث، أو نحو ذلك، فتراه بعد ذلك وقد اسودت الدنيا في نظره، ثم هو يسودها على من حوله.

وهؤلاء عندهم قدرة على المبالغة في الشر، فيجعلون من الحبة قُبّة، ومن البذر شجرة، وليس عندهم قدرةً على الخير؛ فلا يفرحون بما أوتوا ولو كان كثيرًا، ولا ينعمون بما نالوا ولو كان عظيمًا.

فالمبتسمون للحياة ليسوا أسعد الناس حالًا لأنفسهم ومن حولهم فحسب؛ بل هم مع ذلك أقدر على العمل، وأكثر احتمالًا للمسؤولية، وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس.

ولهذا إذا أراد الأدباء أن يبالغوا في الثناء على الممدوح، ويبينوا عظم همته، واستسهاله للصعاب - وصفوه بأنه يبتسم في أحلك المواقف وأشدها خطرًا، قال أبو الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة:

تَمُرُّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً *** وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ[2]

فذو النفس الباسمة المُشرِقة يرى الصعاب، فيلذه التغلُّب عليها، ينظرها فيبسم، ويعالجها فيبسم، وينجح فيبسم، ويخفق فيبسم.

وذو النفس العابسة المتجهمة لا يرى صعابًا فيوجدها، وإذا رآها أكبرها، واستصغر همته بجانبها، فهرب منها، وطفق يسب الدهر، ويعاتب القدر، ويتعلّل بـ( لو.. وإذا.. وإن..).

هذا ومما يُعين على السرور والابتهاج بالحياة أسباب كثيرة، ومن أهمها وأبرزها ما يلي:

أ- الإقبال على الله عز وجل: فهو أصل السعادة وينبوعها الأعظم، وكل سرور بدون الإقبال على الله لا يُعد سرورًا في الحقيقة؛ فمن أراد السرور فليُقبِل على الله بكليته، حبًا، وذكرًا، وإنابة، وخوفًا، ورجاء، ونحو ذلك من سائر العبوديات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه -إلا الله سبحانه- ومن عبد غير الله -وإن أحبه، وحصل به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة- فهو مفسدة لصابه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم"[3].

وقال: "فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن بالدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها بلقائه. ولو حصل للعبد لذات، أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخصٍ إلى شخص، ويتنعّم بهذا في وقتٍ، وفي بعض الأحوال، وتارةً يكون ذلك الذي يتنعّم به والتذ غير مُنعمّ ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده. أما إلهه الحق فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه"[4].

ب- طهارة القلب وسلامة المقاصد: فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله، وفكره، وبواعثه؛ فإذا كان عمله حسنًا، وقلبه طاهرًا، ومقاصده سليمة - كان منظاره الذي ينظر به إلى الدنيا صافيًا نقيًا، فرأى الدنيا جميلة كما خلقت، فسعد بنفسه، وأسعد غيره، ولا تغبش منظاره، وأسود زجاجه، وساء ظنه بنفسه وبغيره، فرأى كل شيء أسود مغبشًا.

ج- البُعد عن مواطن الإثارة قدر المستطاع: فمن علم أن شيئًا معينًا يهيجه فلينأ عنه، وليبتعد عن الأوساط التي تُسبِّبه؛ فإذا تمّت راحته تم فرحه وسروره.

ومما يحسن في هذا الصدد أن يحمي المرء نفسه من مؤثرات الخوف، سواءً ما يثيره في نفسه، أو ما يثيره من حوله؛ فإن الخوف من الأمراض التي تُنغِّص الحياة، وتُذهب بالسعادة، فهو مرضٌ خطير قَلَّ أن يسلَم منه إنسان، وهو أشكال وألوان، وهو مما يوجه أعمال الإنسان طوع إشارته وحسب إيحائه، وهو في كثيرٍ من الأحيان يصد عن العمل، ويشل قوة التفكير، ويُسبِّب اليأس ويفقِد الأمل، هذا وسيأتي مزيد بيان عن الخوف فيما بعد.

د- قوة الاحتمال: ذلك أن من أكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكِس البصر، تتناجى الهموم في صدره، فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي وأكثر منها لو حدثت لمن هو أقوى منه احتمالًا لم يُلقِ لها بالًا، ولم تُحرِّك منه نفسًا، ونام ملء جفونه رضيّ البال، قرير العين.

هـ- التمرين: فالصانع يكتسب صناعته بالتمرين، والموظف يُتقِن عمله بالتمرين، والأخلاق الفاضلة أو الرذيلة حسب الاستعداد والتمرين.

و- سلامة الذوق: فمن أهم أسباب السرور والابتهاج بالحياة أن يكون للمرء ذوقٌ سليمٌ مُهذّب، يعرف كيف يستمتع بالحياة، ويحترم شعور الناس، ولا يُنغِّص عليهم، بل ويُدخِل السرور على أنفسهم؛ فالذوق السليم يستجلب القلوب، ويدخل السرور على نفس صاحبه ومن حوله.

بل إن رُقي الذوق قد يكون أكثر أثرًا في سعادة الأمم من رُقي العقل؛ ذلك أن الذوق إذا رقى أنِفَ من الأعمال الخسيسة، والأقوال النابية، والأفعال السخيفة.

والذوق السليم إذا رقى في الأمة رقى أخلاقها، وسَما بهِممها.

ز- محاربة اليأس: فليس بُعبّس الوجه والنفس كاليأس؛ فاعتقادك أن لا مستقبل لك، ولا أمل في حياتك، ولا خير يتنظرك - سُمٌ قاتل، وسِجنٌ مُظلِم، يصد النفس ويقمعها، ولا يزال بالإنسان حتى يهلكه.

وعلى العكس من ذلك فإن توقعه الخير، وأمله في الحياة يحمِله على أن يُوسِّع معارفه في الحياة، وعلى الجد فيما اختاره من صنوف العيش، وعلى استعمال ما وهبه الله خير استعمال.

فإذا أردت السرور فحارب اليأس، واقطع أسبابه، وعود نفسك الأمل، وتوقع الخير في المستقبل.

ح- طرد الهم ومحاربة الكآبة: فالاستسلام للحزن، والإغراق في التشاؤم، والاسترسال مع الهم، والخوف من توقُّع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام -مما يُضعِف الحياة، ويُقلِّل الإنتاج، ويزيد الآلام، ويضاعف البؤس والشقاء؛ فحارب الكآبة من نفسك، وادرأ الهم ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وابتسم للحياة، وابتهج بها من غير إسراف- تزدد حياتك قوة، وتشعر بالسرور والسعادة.

قال الشافعي رحمه الله[5]:
سهرت أعين ونامت عيون *** في أمورٍ تكون أو لا تكون
فادرأ الهم ما استطعت عن النفس *** فحملانك الهموم جنون
إن ربًا كفاك بالأمس ما كان *** سيكفيك في غدٍ ما يكون

 ط- سِعة الأُفق: لأن من أهم أسباب الحزن ضِيق الأُفق، وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس، والقمر، والنجوم، والسعادة، والرخاء كلها خُلِقت لشخص؛ فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم الفِكر فيها، وفي علاقة العالم بها.

وهذا -من غير ريب- يُوجِد البؤس والشقاء والحزن؛ فمُحالٌ أن يجري العالم على وفق ما تريده نفسه؛ لأن نفسه ليست هي المركز، وإنما هي نقطة صغيرة على المحيط العظيم.

فإن هو وسّع أُفقه، ونظر إلى العالم الفسيح من حوله، ونسي نفسه أحيانًا، ونسي نفسه كثيرًا في سبيل مصلحة عامة أو نحو ذلك -شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي ينوء بها كاهله- قد خفّت كثيرًا، وتحلّلت شيئًا فشيئًا.

وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغًا هو أشدهم ضِيقًا بنفسه؛ لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها، فإن هو استغرق في عمله، وفكّر في أمته كان له من ذلك لذة مزدوجة: لذة الفكر والعمل، ولذة نسيان الهموم.

قال الرافعي رحمه الله: "إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغُر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيِّق لا هي"[6].

ي- التضحية: فالتضحية أفُقٌ واسع، وظلالٌ وارف، تنعم فيه النفس بجمال السعة، وبعد المدى.

بخلاف الأنانية والأثرة؛ فهي أُفقٌ ضيّق، تألم فيه النفس بضيق المكان، وتنقبض من كثرة السدود والحدود؛ فالتضحية من أجمل ما وصل إليه الإنسان، ومنظرها أجمل منظر وأروعه، ولا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ، وأن يحسن المرء للآخرين وأن يحب لهم ما يحبه لنفسه.

ك- القناعة: لأن الشره سجين للمطالب، أسير للشهوات، فكلما نالت نفسه شهوة من شهوات الدنيا تاقت إلى غيرها، فإذا لم يتحقق له مراده تنغّصت حياته، وزادت آلامه وحسراته.

وعيبه ليس في ظروفه المحيطة به، ولكن في نفسه الجشعة، ولو مستها القناعة لقلت آلامها.

ل- وبالجملة: فأكثر ما مضى وما سيأتي ذكره من أسباب اكتساب الهمة العالية يُعد من أسباب السرور والسعادة، فابتهج بالحياة تصفو لك الحياة، وتفاءل تعِش في زمرة السعداء، وابتسم للصعوبة إذا اعترضتك، وابتسم إذا نجحت، وابتسم إذا أخففت[7].

على ألا يكون سرورك وابتهاجك بالحياة موصلًا للأشر والبطر؛ فإن ذلك مَنقصةً ومَذمَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]- (انظر: تكوين الشخصية؛ د. نوري الحافظ، ص: [114-116]).

[2]- (ديوان المتنبي بشرح العكبري: [2/387]).

[3]- (مجموع الفتاوى: [1/24]).

[4]- (مجموع الفتاوى: [1/ 24-25].

[5]- (ديوان الشافعي؛ جمع الزعبي، ص: [85]).

[6]- (وحي القلم: [1/50]).

[7]- (انظر: تفصيل الحديث عن هذا في فيض الخاطر: [2/ 197-205]، و[4/203]، و[6/ 126-129]، و[244]، و[10/ 206-209]، و[223]. وانظر: الوسائل المفيدة للحياة السعيدة: لابن سعدي).

 

المصدر: كتاب: الهمة العالية