عبودية التعلق بالدنيا

أبو محمد بن عبد الله

لا بد من قَدْرٍ من التلعق بامور الدنيا، لأنها عبودية  شرعية وضرورة بشرية، ولكن ذلك في إطار قوله تعالى، وفي ظل توجيهه:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: (77) ].

  • التصنيفات: الزهد والرقائق - التقوى وحب الله -

في الوقت الذي يجب على أحدنا أن يمشي على الأرض بجسده، فإنَّ نهاية خَطْوِهِ يجب أن يكون منتهاه الآخرة، وهذه معادلة ينبغي التوازن فيها، لتكون فعلاً كما يقال: "الدنيا مزرعة الآخرة"، فالتعلق بالله تعالى ربًّا وبرسوله محمدٍ عبدًا نبيًّا رسولًا، والتعلق بالآخرة مقامًا مستقرًّا، كل ذلك لا ينافي قدْرًا من التعلق بمباحات الدنيا، بل قد يجب بعض التعلُّق بها، لحفظ النوع وبقاء العَمَار، بل وللزرع فيها ليكون يوم الحصاد هناك ربيعًا..

فليس من التعلق المذموم حبُّ الولد والزوجة والمال والمسكن؛ إذا لم يصرف ذلك عن طاعة الله الواجبة، أو يوقع في مخالفة شرعه المحرمة. فإن هذا أمر جُبلت عليه النفس البشرية. وكيف ينكر أصله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»([1]) وسئل عليه الصلاة والسلام: « يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال مِن الرجال؟ قال: أبوها» ([2])‌.

وليس من التعلق المذموم حب الوطن والمسكن والمال والمركب وكل حلال من المكاسِب، إذْ لا يمكن تجريدُ الإنسان من بشريته، لأن ذلك أصل مركوز في فطرته كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب} [آل عمران: 14]، إذا كان حبه إياها لا يصرفه عن طاعة الله تعالى ولا أن يتعبدها هي ذاتها فيصير عبدًا للدينار والقطيفة والزوجة؛ فيفسق ويتعس كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:23]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض» ([3])  وفي رواية: «وعبد الزوجة» ([4]).

بل إن وجود هذه المحبة تتعلق به سعادة الإنسان أو شقاوته كما قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من السعادة وثلاثة من الشقاء، فمن السعادة المرأة الصالحة؛ تراها فتعجبك وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالِك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق، ومن الشقاء المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالِك، والدابة تكون قطوفا فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق»([5])، وفي رواية: «أربع من السعادة المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق» ([6]).

ولذلك جاء مدحُ المال والغِنى إذا كان معه التقوى والصلاح كما قال صلى الله عليه وسلم «لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم»([7])، وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» ([8]).

بل إن محبة العبد لهذه الأمور – بمقدارٍ- ضرورية لاستمرار الحياة البشرية، فمحبة الولد يدفع إلى تحصيل المال والزواج والمسكن، وتنتج بذلك الأسر التي توحد الله تعالى، بل عدَّ خبراء الاقتصاد الزواجَ من أسباب التنمية الاقتصادية حيث إنه يكون دافعًا للإنتاج لما يتطلبه من مصاريف مختلفة، وهو في شريعتنا عبادة يؤجر عليها المسلم والمسلمة إذا حسنت فيها النية والتُزِمَت فيها الشريعة.

من هذا وذاك يتبيَّن أنه لا بد من قدر من التعلق، أو لا بد من وجود أصل التعلق، ليكون في جانب الله سبحانه عبودية من العبد لربه سبحانه، ويكون محبة للرسول صلى الله عليه وسلم، يثمر اتِّباعه وتوقيره، ويكون دافعًا لبناء الحياة البشرية، ولكل ما يكون سببًا لاستمرار الحياة وبقاء النوع، يعمر الأرض وفق المنهج الربّاني، ويسعى للدار الآخرة سعيها، وفق شريعة الله-سبحانه- المبيَّنة في القرآن والسنة.

فلا بد من قَدْرٍ من التعلق بأمور الدنيا، بل هي عبودية  شرعية وضرورة بشرية، ولكن ذلك في إطار قوله تعالى، وفي ظل توجيهه:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: (77) ].

أما إن خرجت عن هذا الإطار فسوف تكون عبودية للدنيا وليست بالدنيا.

والله أعلم

-----------------------
[1]- البيهقي ، السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب الرغبة في النكاح(59)، حديث (7، 124)، (13454).
[2]- الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (279هـ-892م) الجامع الكبير، تحقيق د بشار عوَّاد معروف، ط1، بيروت- دار الغرب الإسلامي، (1417هـ-1996م)، 6 أجزاء،  كتاب المناقب، باب من فضل عائشة رضي الله عنها (135)، حديث (3835)، (6، 183).

[3]- البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الرقاق (71) باب ما يتقى من فتنة المال (10) حديث (6335)، (4، 179 ).

[4]- إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، (1162هـ- 1749م) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، بيروت -دار الكتب العلمية، طبعة 3، (1408 هـ - 1988 م) حديث (1529) (2، 3)، ولم أجد من صحح هذه الزيادة، إلا أن معناها صحيح وواقع، إنْ في الزوجة خاصة أو في المرأة عامة.

[5]- الحاكم عن سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- كما في المستدرك على الصحيحين كتاب النكاح 2/175 برقم 2684 وقال الشيخ الألباني: حسن كما في السلسلة الصحيحة، 3/39 برقم 1048.

[6]- ابن حان في صحيحه باب ذكر الإخبار عن الأشياء التي هي من سعادة المرء في الدنيا 9/340 برقم 4032  والمقدسي في الأحادث المختارة 3/241 برقم 1048 وقال : إسناده صحيح،  والهيثمي في موارد الظمآن، كتاب النكاح باب فيما يرغب فيه من النساء وما ينهى عنه، 1/302 برقم : 1229. وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة: 1/171 برقم 282.

7- ابن ماجة، سنن ابن ماجة، 2، 724، حديث رقم: 2141. وقال الشيخ الألباني، صحيح.

[8]- الألباني : صحيح الأدب المفرد، 1،122 برقم 299 .