الحلقة (3)

من قضايا الوعظ: التذكير بالبعث والنشور ولقاء الله والوقوف بين يديه والقيام من القبور، فمؤمن آلِ ياسين قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كم تهز هذه العبارة!

  • التصنيفات: الدعوة إلى الله - الدعاة ووسائل الدعوة - أعمال القلوب -


35- (مؤمن آلِ ياسين): قصة نموذجية في الدعوة تقضي على كل أعذار المتقاعسين؛ فليس من عِلية القوم، ولا مالٌ، ولا قدمَ سبقٍ، وبانفرداه، وكل ما حوله ممنوع.

36- {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}؛ تنكير (مؤمن آلِ ياسين): مقصودٌ حيث قال: {وَجَاء رَجُلٌ} لفظ نكرة لأنه لم يكن معروفًا في زمنه، فالدعوة لا ترتبط بالأسماء وإنما بالأفعال.

37- منصب (مؤمن آلِ ياسين)؛ قال المُفسِّرون في منصبه: "قيل: إسكافيًا -حذاءً- أو قصابًا -صباغًا- أو نجارًا وقد خلّد الله ذكره، فالدعوة لا ترتبط بالمناصب".

38- الدعة مع وجود (الأعلم): أعجب ما في قصة (مؤمن آلِ ياسين) قيامه بالدعوة مع وجود (ثلاثة أنبياء) ليتربى سامع القصة على أن وجود الأعلم والأفضل لا يمنع من الدعوة.

39- {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ}: الداعية لا يمنعه بُعد المسافات عن دعوته، فمؤمن آلِ ياسين قال الله عنه: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} وهو لفظ مقصود لتنبيه الدعاة على المضي دون استصعاب المسافات.

40- {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} [يس من الآية:21]؛ الداعية متطوع في دعوته، فمؤمن آلِ ياسين مَدَحَ الرسل بقوله: {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} وهو أيضًا لم يطلب غير الأجر (الاحتساب ضرورة لنا).

41- قال مؤمن آل ياسين: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ من قضايا الوعظ: التذكير بالبعث والنشور ولقاء الله والوقوف بين يديه والقيام من القبور، فمؤمن آلِ ياسين قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كم تهز هذه العبارة!

42- مؤمن آل ياسين والتلميح: التلميح (أسلوب دعوي راقٍ):  فـ(مؤمن آلِ ياسين) قال معرضًا بقومه ناسبًا الأمر لنفسه: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً}، ومن هدي الأنبياء: (ما بال أقوام).

43- رحمة الداعية بقومه: قوم (مؤمن آل ياسين) كفار معاندون آذوه وأهانوه واحتقروه فقتلوه، ومع هذا قال: (يا ليت قومي يعلمون) إنها رحمة الداعية بقومه وعلى قومه.

44- فقه مؤمن آل ياسين الدعوي: الدعوة تقتضي النصح والشفقة والاحتساب والشجاعة والمبادرة واختيار اللفظ وتحديد الوقت وفقه الأولى، وكلها من صفات (مؤمن آلِ ياسين) فرحمه الله رحمةً واسعة.

45- {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا}:

أ- (المقتدر): من أسماء الله تكرّر في القرآن أربعًا، فالله قادر على نصرة المستضعفين مع قِلّة عددهم، وقادر على إهلاك الظالمين مع كثرتهم.

ب- (المقتدر): قادر على هداية الظالين مع قسوة قلوبهم، وعلى دلالة الحيارى مع شدة ظلمتهم، وقادر على شفاء المرضى مع تعذُّر حالتهم.

ج- (المقتدر): قادر على كل شيء، وقدير على كل أمر، وبكل شيء قدير ومهيمن ومالك وحاكم ومتصرِّف.

د- (المقتدر): ما من قدرةٍ في الأرض إلا وقدرة الله فوقها.

هـ- (المقتدر): فرج للمرضى، وبشارة لأهل العقم، وطمأنينة للضعفة، ونصر للمغلوبين، ورازق للمعدومين، وغافر للمذنبين، وتهديد للظالمين، ووعيد للمتجبرين، وقادر على تبديل الحال، ولا يستحيل في ملكه شيء، ولا يعجزه أمر.

و- (المقتدر): رزق زكريا الشيخ الكبير وامرأته عاقر، وفلق لموسى البحر، وأنجى يونس من ظلمات ثلاث، وأعطى الْحُكْم ليحيى صبيًا.

46- {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}؛ فُسِّرت: بأنها أَمرٌ بسلام المسلمين على بعضهم وجَعَلَ المسلمين كالنفس الواحدة، هذا في السلام فكيف بالنصرة؟

47- {رَ‌بِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّ‌يَّتِي}: من دعاء نبي الله إبراهيم من علاجات: تهاوننا وتثاقلنا وتكاسلنا وتأخيرنا وإماتتنا للصلوات ومنها صلاة الفجر.

48- {إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}: (الحفيظ) من أسماء الله، وله صور:

أ- يحفظ عبده من الأمراض والهوام والدواب والأذى والتلف والجنون والأسقام.

ب- يحفظ عبده من تسلُّط الشياطين ولعبهم، وتمرّد الجن وعبثهم، وأذية عالم الغيب وما لا يراه، فيُسخِّر الله له {مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ}.

ج- يحفظ (دين) عبده و(إيمانه) فكم من فتنةٍ رآها أو باشرها وخالطها فحفظ الله عليه دينه وقد كاد يهلك.

د- يحفظ على عبده (عقيدته وتوحيده) فكم من شبهةٍ سمعها أو قرأها وخالطت قلبه فأنجاه الله منها في حين (أضلّت خلقًا كثيرًا).

هـ- يحفظ عباده المؤمنين المستضعفين فيحفظهم مع قِلّة عددهم وضعف حيلتهم وتخلي الناصر عنهم.

و- يحفظ (دينه) من النسيان أو الضياع وقد تجمعت على حربه ملل الكفر وظاهرهم المنافقون، وفي بعض البقاع قتل أهله وسجن آخرون وما زال دينه محفوظًا.

ز- من صنع (الحفيظ) سبحانه: حفظ أبناء الإنسان بعد موته، فيحفظهم من تسلُّط الأعداء وإهمال الأقارب، مع انتشار الفتن وتتابع الأزمات.

ح- من حفظ (الحفيظ) سبحانه: حفظ البلد وأهلها وأمنها واستقرارها مع قِلّة إمكاناتهم.

ط- من صنع (الحفيظ) سبحانه حفظٌ خاص: لأوليائه وأحبابه وأصفيائه فيحفظ (قلوبهم) من وساوس الشياطين، ويحفظ خشوعهم وصلاتهم وإخلاصهم ودعاؤهم.

ي- من صنع (الحفيظ) سبحانه: حفظ العلم على صاحبه، فيحفظ على العالِم عِلمه وصاحب القرآن اتقانه، والداعية هِمّته، وطالب العلم جهده وجده.

ك- صور حفظ الله لا يمكن حصرها، ولهذا شملها الله بقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} فلا يخرج عن حفظه شيء.

49- {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا}: من القواعد التربوية المُتعلِّقة باسم الله (الحفيظ):
 

  • احفظ الله يحفظك (أعظم بشارة).
  • على قدر حفظك لله يكون حفظ الله لك (والله أكرم).


50- {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: صاحب الشهوات يطمع بكل عفيفة ولو كانت زوجة نبي! فحذّر الله زوجات أنبيائه قائلًا: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.

51- آية ولازمها: في آية [الأحزاب:32] ذكر الله الشيء ولازمه تأكيدًا للعفة: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} ولازمه: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}، {وَقَرْنَ} ولازمه: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ}.

 

عقيل بن سالم الشمري