ولاية المتغلب(2): الطاعة بالطاعة، ومن هو الحاكم المطاع؟ ؟!

أبو محمد بن عبد الله

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»(متفق عليه). يأمر بطاعة أميره، فمَن أميرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وصفه، وما فِعْله في نفسه وفي رعيته، وفي خلافته في أمته؟ هل كلُّ من قام على رؤوس الأمة وتحكَّم في رقابها واستعبدها بالسيف واستضعفها بالجند، وحكمها بزبالات الأذهان من القوانين.. هل يصح أن يكون وليًّا مطاعًا؟!

  • التصنيفات: السياسة الشرعية -

وقفنا في حلقتنا السابقة على السؤال: فأين هذا من المتغلب؟ ومن هو المتغلب أصلا؟!
ونزيد على ذلك تساؤلات: هل يصح التغلُّب أصلاً؟  وإذا قيل به؛ فهل يكون حالة ضرورة أم حالة سوية عادية؟!
وإذا قُبِلَ؛ فهل يُقبَلُ مطلقًا، أم أنَّ له شروطًا للطاعة؟ وعندئذٍ فما شروطُ قَبولِهِ وطاعته؟

توطئة في أصل الطاعة وشرطها:

أصل الطاعة في هذا الوجود هي طاعة الله تعالى، وكل طاعة في طاعته فهي طاعة مأمور بها أو مأذون فيها.. وكل طاعة في معصيته فهي معصية منهي عنها.

وبعد ذلك فالأصل أنه لا تجب طاعةُ بشر ولا الإئتمار بأمره، ولا الانتهاء بنهيه، إلا بدليل ... لا موجب على بشر إطاعة بشر إلا الله سبحانه وتعالى، فمن أوجب الله علينا طاعته أطعناه طاعة لله سبحانه، فإن عصيناه عصينا الله عز وجل. وقد أوجب الله علينا طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وما أرسله إلينا إلا لنطيعه في كل ما جاء به، كما قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}[النساء:64].

ومن هنا وجبت علينا طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح توحيد التعبد إلا بالأولى، ولا يصح توحيد الاتِّباع إلا بالثانية، وخلاصتها في قولنا :"لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وكما يقول ابن القيم:" ... فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول؛ فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره"[مدارج السالكين:(2 /387-388)].

ولا يصح سؤالُنا: من هو الله المطاع من بين الآلهة، وما وصفه وفعله؟.. لأنه واحد لا يتعدد. كما لا يصح سؤالُنا: من هو الرسول المطاع من بين الرسل، أو من بين البشر؟ لأنه واحد لا يتعدد في نبوته، لا يختلف عليه  مُسلِمان. ودليل طاعته ثابت من أول مرة يؤمن به المؤمن، ويبقى قائمًا إلى يوم القيامة، لا يحتاج المسلم إلى تحقيق مناطه كل مرة.. لأنه صلى الله عليه وسلم، لا تطرأ عليه الصفات بعد العصمة والممات، ولم تتغير عليه الأحوال.. الموجبة لطاعته المطلقة. أما غيره من البشر، فلا تجب طاعته إلا بدليل عينيًّا أو وصفيًّا.. وإن وجبت مرة بدليل، فلا بد من تعاهُد مناط إيجاب الطاعة، فقد يطرأ على الشخص ما يوجب طاعة مرة، وما يُحرِّمها مرة أخرى...

فمثلا يجب على المرأة طاعة زوجها، لا لشخصه بالذات، ولكن لوصف (أو منصب) الزوجية، ولا تجب عليها طاعته إذا زال هذا الوصف بخلع أو طلاق. وهو هو الشخص نفسه.

وتجب ولاية الأب على ابنته، أو الولي الذكر على مولِّيتِهِ، فيُنكِحَها... وتسقط هذه الولاية بردَّته أو سفهه، فلا يملك من أمرها شيئا، لزوال الشرط، وتنتقل ولايته إلى غيره ممن هو أبعد منه رحمًا وقرابةً، مسلمًا رشيدًا.

وتجب إطاعة أمير الجماعة في السفر-مدة السفر- لملابسة السفر، لا لشخصه بالذات، وتأثم بمخالفته في غير المعصية، وينتهي الوجوب عند أول خطوة في الحضَر بعد السفر؛ لزوال الوصف والسبب.

وتجب طاعة أمير الأمة وحاكمِها في الدولة، بشرطه أو لوصفه، لا بشخصه بالذات، فإن فقد الشرط أو خلا عن الوصف لم تجب طاعته، وتجب موالاته لذات الشرط والوصف، فإن فقد ذلك حرمت موالاته وسقطت ولايته. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»(متفق عليه). يأمر بطاعة أميره، فمَن أميرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وصفه، وما فِعْله في نفسه وفي رعيته، وفي خلافته في أمته؟ هل كلُّ من قام على رؤوس الأمة وتحكَّم في رقابها واستعبدها بالسيف واستضعفها بالجند يصح أن يكون وليًّا مطاعًا؟!

الأمير المطاع:

الطاعة بالطاعة، أي طاعتنا لهم بطاعتهم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا ولن.

وبعد تلك التوطئة نقول: إنَّ الحاكم والأمير المطاع، الذي أوجب اللهُ علينا طاعتَهُ، وأوجبها علينا رسولُه صلى الله عليه وسلم هو فقط المسلم الذي يحكم بشرع الله سبحانه، ويسوس دنيا الناس بدين رب الناس، وإلا فلا سمع ولا طاعة أصلًا وفصلًا، أما إن حكم المسلمُ بشريعة الله في عباد الله، لكنه أخطأها في فرعيات، أطعناه في معروفها، وعصيناه في منكَرِها، وأدلة ذلك تأتيك تباعًا فتدبَّرها تجد سبيلك فيها قد أوضحه الله سبحانه ورسوله صلى الله علسه وسلم.

مِنْـــكُم!!

الدليل الأول: أن الآية اشترطت في ولاة الأمر المطاعين أن يكونوا من المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[النساء، 59]، وتلاحظ أن الآية ذكرت طاعة الله غير مقرونة ولا مقيدة، لأنه –سبحانه- صاحب الأمر كله، وذكرت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم غير مقرونة ولا مقيدة؛ لأنه المبلغ عن ربه سبحانه والحاكم بأمره، وحاشاه أن يأمر بغير طاعة الله. أما طاعة أولي الأمر فلم تُذكر مفردة، وإنما فُهِمت من العطف فقط، ولم يُفْرَدوا بالطاعة؛ فدل على أن ولاة الأمر المطاعين هم الطائعون لله ورسوله في شؤون ولايتهم، وعلى رأسها سياسة الدنيا بالدين، أي بتحكيم الشريعة في حياة الناس، وإلا لم تَجُز لهم طاعة ولم تصح لهم ولاية، لا في منكر ولا معروف!. وإنما إن عُجِز عن إزالتهم فيُصبر عليهم كما صبر النبي صلى اله عليه وسلم وصحابته الكرام على حكام مكة من قريش، فلم ينابذوهم مِن ضعف، ولم يُقِرُّوا لهم بطاعة ولا ولاية، لا في طاعة ولا معصية.. إلى أن أذن الله بساعة الفرج، بعد بذل الوسع في إيجاد المخرج. قال الشنقيطي في الأضواء "{أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ}[النساء: 59] ، فكرر الفعل بالنسبة لله وللرسول ولم يكرره بالنسبة لأُولِي الأمْر، لأن طاعتهم لا تكون استقلالاً بل تبعًا لطاعة الله وطاعة رسوله، كما في الحديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»"[8/328].

لطيفة: لا طاعة لمن عصى الله

بل في الحديث الآخر: «لا طاعةَ لمَنْ عصَى اللهَ» (الألباني؛ السلسلة الصحيحة،  برقم:[590])، فمن كان أصله ودَيدَنه وهجِّيراه معصية الله، خارجًا عن طاعته وشريعته، فلا طاعة له أبدًا، لأنه عصى الله أصلا ومطلقًا، وصار اسم العاصي أغلب عليه وأصدق فيه من اسم الطائع، وهذا حال غالب حكام العرب والمسلمين. وفي الحديث الآخر:«لا طاعة لمن لم يطع الله»(الألباني، صحيح الجامع، رقم:[7521])، فشخصٌ دينه وديدنه وسحابة يومه أنه لم يطع الله في وظيفته، التي هي سياسة الدنيا بالدين، فهذا لا طاعة له أصلا، لأنه لم يطع الله، وصار اسم العاصي أصدق عليه من اسم الطائع..

والقصد: أن هناك فرقًا بين مَن أصله الطاعة، ولكنه يخالف قليلا، ومن أصله المعصية، وقد يوافق الحق قليلا، وربما بغير قصد الحق والطاعة، وإنما لِما تحقق له من مصلحة، كما جاء في وصف المنافقين الذين يوافقون الحق لما لهم فيه من حقٍّ، لا لأنه الحق: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور:49]. قال الطاهر بن عاشور في تفسير الآية: "لمّا أمر الله الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذٌ للعدل)[التحرير والتنوير: 3/451]، يعني أن طاعة أولي الأمر إنما وجبت لِمَا يقومون به من تعليم علم النبي صلى الله عليه وسلم كعلماء، ولما يقومون به من تنفيذ العدل الذي جاءت به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم كحكام وأمراء، فإذا خرجوا عن علمه وشريعته فلا سمع لهم ولا طاعة، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وقال الشنقيطي في أضواء البيان: "والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر: ما يشمل الأمراء والعلماء. لأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون، ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه"[7/551]. فتبليغ العلماء للشريعة وتنفيذ الأمراء لها، هو علة وجوب طاعتهم، أمَّا حين يرمون بالشريعة وراءهم ظهريًّا فقد زالت علة الوجوب، فسقطت طاعتهم. وفق قاعدة دوران الحكم مع علته.

فهل يصلح أحدٌ من حكام البلاد الإسلامية لهذا المنصب؟ وهل تجب طاعتهم مع نبذهم للشريعة، ومنابذتهم لأهلها؟ هل هم ينفذون العدل النبوي الوارد في شريعته الربانية حتى تثبت له ولاية أو تجب لهم طاعة؟
وحيث إنَّ الجواب أولا : لا، فالجواب ثانيا: كـلا.

 اللهم إني بلَّغت، اللهم فاشهد

ويتبع إن شاء الله تعالى بمقال: (3): يقودكم بكتاب الله ويقيم فيكم الدين

يمكن مطالعة المقالة السابقة في السلسلة:

                                         ولاية المتغلب (1): من هو المتغلب وما ولايته؟!

تاريخ النشر: 27 ربيع الآخر 1436 (16‏/2‏/2015)