العطاء مفتاح الحياة الزوجية السعيدة

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه برغم جديته وحزمه يقول: "ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي فإن كان في القوم كان رجلًا".

  • التصنيفات: قضايا الزواج والعلاقات الأسرية -

ليس أفضل لدوام الحياة الزوجية في سعادة وسرور من العطاء تلك الكلمة الواسعة التي تحمل في داخلها العديد من الأفعال والتصرفات والكثير من المعاني والمشاعر، إن الطاقة الهائلة التي تكمن في قلب أحد الزوجين تجاه الآخر تظهر وتتضح في صورة هذا العطاء الذي لا يمكن حصره، ولاشك أنه عامل مهم في بقاء الحياة الزوجية واستمرارها، على نحو يحمل السكينة والراحة والسعادة والسرور لكل من الزوجين.

النوايا الحسنة وحدها لا تكفي في العلاقات الزوجية، فكون الزوجة تحب زوجها أو الزوج يحب زوجته، ولا يترجمان ذلك إلى واقع عملي يتمثل في العطاء المتنوع، لا يمكن لمثل هذه المحبة الداخلية والنوايا الحسنة أن تقيم العلاقات الزوجية على حال جيدة، بل إن من أهم ما يسبب التوتر في العلاقة بين الأزواج المتحابين، وجود طرف في تلك العلاقة معطاء ومحب، بينما الطرف الآخر ليس على المستوى نفسه، وأفضل علاج هو أن يتعلم الزوجان كيف يتعادلا في الحب والعطاء ماديا ومعنويًا.

العطاء الحقيقي

هناك فرق كبير بين أن نقوم بالعطاء دون انتظار أي مقابل، وبين أن نقوم بالعطاء ونحن نتوقع أن نحصل على شيء بالمقابل، لذلك إذا قمنا بالعطاء الحقيقي فإننا لا نكون متوقعين أن نحصل على شيء بالمقابل، وبالتالي لن نصاب بخيبة أمل، إضافة إلى ذلك سنحصل على متعة ذاتية ونحن نقدم العطاء.

وفي كل شركة لابد أن يكون لك شريك له حقوق وعليه واجبات حتى تستقيم الأمور، وكذلك فعل الإسلام بالنسبة للبيت، فقد جعل لكل من الزوجين حقوقًا ورتب عليها واجبات، ولن تتحقق السعادة إذا أهمل أحد الطرفين أداء واجبه وراح يطالب الآخر بحقوقه عليه، وإنما ينبغي لكل منهما أن يبادر بتأدية ما عليه من واجبات، ورغبة في إسعاد شريكه وإدخال السرور في نفسه، وعلى الآخر مثل ذلك، ولقد تكفل الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين بتحديد تلك الحقوق والواجبات حتى لا يتظالم الشريكان فتتبخر السعادة، ووفق قاعدة متوازنة دقيقة من صنع العليم الحكيم تقرر الأمر على أساس العدل حيث يقول سبحانه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة من الآية:228].

ولا ننسى في خضم الحقوق والواجبات أن التسامح أفضل طريقة للتخلص من الشعور بالتعاسة أو المعاناة التي قد نواجهها في رحلة الحياة، لكن البعض يجد صعوبة في التسامح بل واستحالته، في الوقت الذي يؤكد فيه علماء النفس على أن الحياة يمكن أن تسير بلا عواصف أو زوابع إذا فتح كل طرف أذنيه ليسمع الطرف الآخر، ويحاول أن يجد إجابة لأسئلة شريك حياته، ولا يلقي بها وراء ظهره، لأن حسن الاستماع من الشروط الأساسية للتواصل الجيد بين الزوجين وهو دليل على الاهتمام والتقدير.

التضحية المتبادلة

التضحية المتبادلة بين الزوجين ركن مهم من أركان السعادة الزوجية، ذلك لأن الحياة الزوجية بمعناها الحقيقي حياة عطاء، حياة قوامها واجبات على كل طرف من الأطراف قبل أن تكون حقوقًا لكل من الزوجين، ومن ذلك كان لزامًا على كل من الزوجين أن يتنازل طوعًا عن كل ما كان ينعم به من حرية شخصية ومن استقلال قبل الزواج، وعلى كل منهما أن يضحي عن طيب خاطر، وأن يكون شعار الحياة الزوجية التضحية المشتركة، فلا يشعر أحد الزوجين بأنه يضحي في حين أن الآخر يضن بالتضحية، ومن لم يكن لديه القدرة على التضحية، فعليه أن ينتحي ناحية من الجبل وينعزل عن الناس، وأن لا يطرق باب الزواج.

الإعجاب الإعجاب

قد تحظى بإعجاب كل الناس، ولكن إذا افتقدت إعجاب رفيق حياتك فإنك ستفقد إعجابك بنفسك، فأنت لا يهمك إلا إعجاب هذا الرفيق، وهو فقط الذي يهمك أن تظهر له مواطن جمالك وقوتك وإبداعك وتفوقك، ونجاحك، وهو الذي يهمك أن تسمع منه كلمة مدح، وهي ليست ككلمات الآخرين، وإنما هي كلمة تعبر عن فهمه لك وعن سعادته لأنه معك وأنك تستحق الحب والتقدير، ولذلك يجب أن تسمو وترقى كلمات الإعجاب فلا تكون تقليدية تتناول الشكل والجمال الخارجي والأناقة والإمكانات المادية فقط، وإنما تمتد لتشمل الذكاء والفكر والنجاح والتفوق.

تعدد الأدوار

تتعدد أدوار الزوجة في حياة زوجها، فهي أم وصديقة وأخت وابنة وحبيبة، فكوني كل النساء في حياة زوجك، فهو يحتاج منك أحيانًا إلى عناية الأم واحتوائها ورعايتها وقدرتها على التوجيه، كما يحتاج إلى أن يعبر عن الطفل بداخله، والطفل في حاجة إلى أم وليس زوجة، وهذا محور مهم يجدد ذكريات الطفولة ويثير مشاعر كانت موجودة وتتعدد أدوار الزوج في حياة زوجته، فهو الأب والأخ والابن والحبيب، فلتكن أيضًا الأب الذي يحرك طفولة زوجته، والأب بتوفيق الله عز وجل- هو الحماية، القوة، الرأي السديد، الحزم، المسؤولية، فتأوي إليك وتنتصر بك.

فعلى كلا الطرفين إدراك أنهما يكملان بعضهما البعض، وأن كلا منهما مهم لحياة الآخر، وعليهما أن يحولا الخلافات بينهما إلى تعاون من شأنه تقوية الأواصر بينهما، كي يستطيعا مواجهة أعباء الحياة ومشكلاتها بشكل أفضل.

المرأة العاقلة

ستظل مشكلة العطاء تتكرر في كل زمان وفي أكثر من بيت، ولن يكون لها حل ولا علاج إلا بتزوج امرأة عاقلة تفكر بعواقب الحياة، فكوني هذه المرأة العاقلة، وكوني عونًا له في السراء والضراء، واستغلي الفرصة، وشاركي زوجك في فرحته بنجاحه الذي حققه في حياته العملية، فهذه هي اللحظة التي ينتظر فيها مشاركة حقيقية من شريكة حياته لتبث في نفسه روح التفاؤل والإقدام دائمًا، وحاولي أن تطلعي على الموضوعات التي تتصل بمجال عمله لكي تصبحي ذات نفع له عندما يطلب منك المشورة والرأي، وأحسني الاستماع إليه، وتناقشي معه في تنظيم ميزانية البيت ومحاولة اقتصاد المال لمواجهة الاحتمالات المستقبلية، وبهذا سيجعلك زوجك في منزلة الزوجة المثالية العاقلة.

الملاطفة من أسباب دوام المحبة

على كل من الزوج والزوجة الحرص على ملاطفة الآخر وملاعبته والمزاح معه، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه برغم جديته وحزمه يقول: "ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي فإن كان في القوم كان رجلًا".

وروت عائشة رضي الله عنها: أنها كانت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ ، وهي جاريةٌ قالت: لم أَحْمِلِ اللَّحمَ، ولم أَبْدُنْ، فقال لأصحابِه: «تَقَدَّموا»، فتَقَدَّموا، ثم قال: «تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ»، فسابقتُه، فسَبَقْتُه على رِجْلَيَّ، فلما كان بعدُ، خرجتُ معه في سفر، فقال لأصحابِه: «تَقَدَّموا»، ثم قال: «تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ»، ونَسِيتُ الذي كان، وقد حَمَلْتُ اللَّحمَ وبَدُنْتُ، فقلتُ: كيف أَسابِقُكَ يا رسولَ اللهِ وأنا على هذه الحالِ؟ فقال: «لَتَفْعَلِنَّ»، فسابقتُه، فسبقني، فجعل يضحكُ، وقال: «هذه بتِلْكِ السَّبْقةِ» (الألباني (آداب الزفاف ص [204]) خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح) بتصرف


.

د.خالد سعد النجار

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي