أخطاء في عش الحمامة

المرأة في بيتها كالحمامة في عشها، فالحمامة تبنيه بأعواد صغيرة تجمعها وتتلقطها من يمين وشمال وتضم بعضها إلى بعض، وتفرشه بالصوف أو الشعر أو شيء ناعم ليلين مسقط بيضها، فسبحان الملهم العظيم، والمرأة تبنيه بأخلاقها وآدابها وحنانها وعطفها وحبها وحرصها ومسؤوليتها وشفقتها وتدبيرها وتقديرها ومراعاتها فهذه منها كالصوف في عش الحمام؛ فكلاهما سبب الهناء والراحة والسرور.

  • التصنيفات: التصنيف العام -

المرأة في بيتها كالحمامة في عشها، فالحمامة تبنيه بأعواد صغيرة تجمعها وتتلقطها من يمين وشمال وتضم بعضها إلى بعض، وتفرشه بالصوف أو الشعر أو شيء ناعم ليلين مسقط بيضها، فسبحان الملهم العظيم، والمرأة تبنيه بأخلاقها وآدابها وحنانها وعطفها وحبها وحرصها ومسؤوليتها وشفقتها وتدبيرها وتقديرها ومراعاتها فهذه منها كالصوف في عش الحمام؛ فكلاهما سبب الهناء والراحة والسرور.

وقد وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حسن الرعاية داخل بيتها وحسن التدبير وكمال الاستشعار للمسؤولية التامة على ما يكون في بيتها من الحرص والتوفير ولملمة البيت وتنميته، فقال: ((والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها))[1].

((في بيت زوجها راعية)): "بحسن تدبيرها في المعيشة والنصح له والشفقة عليه والأمانة في ماله وحفظ عياله وأضيافه ونفسها (وهي مسؤولة عن رعيتها) هل قامت بما يجب عليها ونصحت في التدبير أو لا؟ فإذا أدخل الرجل قُوْتَهُ بيته فالمرأة أمينة عليه، وإن اختزنه دونها خرج عن أمانتها الخاصة وصارت هي وغيرها فيه سواء"[2].

قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله -: المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، يجب عليها أن تنصح في البيت في الطبخ، في القهوة، في الشاي، في الفرش، لا تطبخ أكثر من اللازم، ولا تسوي الشاي أكثر مما يحتاج إليه، يجب عليها أن تكون امرأة مقتصدة؛ فإن الاقتصاد نصف المعيشة، غير مفرطة فيما ينبغي، مسئولة أيضاً عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشئونهم كإلباسهم الثياب وخلعهم الثياب غير النظيفة، وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه، وتغطيتهم في الشتاء، وهكذا مسئولة عن كل هذا، مسئولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه وهكذا مسئولة عن كل ما في البيت[3].

بهذه الكلمة الجامعة يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمور دقيقة وخفية على المرأة أن تستشعر أنها هي المسؤولة عنها أمام الله - تعالى -، في أخطاء كثيرة ترجع أسبابها إلى:

- الجهل، فما كل النساء على مرتبة كافية من العلم والتعليم.

- التأويل، فحتى المتعلمة الواعية العارفة بما قال الله ورسوله إلا أنها ترى أنه يسوغ لها الفعل الفلاني والقول الفلاني.

- التأثرات السلبية من المحيط الثقافي والاجتماعي وتناقل العادات والممارسات بعُجَرِها وبُجَرِها.

- الاعتياد والغفلة، وينتج هذا عن الأسرة والبيئة المحيطة بها التي نشأت فيها وقامت على مشاهدة هذه الممارسات الخاطئة، فما هي إلا من القوم. وثمت أسباب أخرى تختلف باختلاف النساء والمجتمعات.

ويهمنا في هذا الصدد ذكر بعضٍ من المخالفات في الجانب المادي التي رأيناها أو سمعناها أو عايشناه في مجتمعنا الفسيح، مجتمع القرن الحادي والعشرين، وما فيه من اختلاط الثقافات واختلاف المناهج الفكرية وتنوع الموارد السلوكية، وآثار تلك كلها على الفرد والمجتمع جميعا.

فمن الأخطاء الإسراف في صرف الممتلكات بدون حساب واستخدام بعض الوسائل بترف زائد وإسراف مقيت ومن ذلك:

- الإسراف في الأطعمة والأشربة سواء من حيث الإعداد بدون مقادير موزونة، أو من حيث تصريف الزائد عن الحاجة بعد الأكل حتى امتلأت القمامات والنفايات بأنواع من الأطعمة ومصدرها الأساسي حمامة البيت الكريمة.

- الإسراف في استعمال الكهرباء والتساهل في إنارة المصابيح الزائدة عن الحاجة وترك بعض الغرف منارة ولا أحد فيها، وكذا ممرات البيت وسلَّمه، فضلاً عن الأجهزة الأخرى كالتلفاز الذي يظل مفتوحاً حتى للنائمين، وكمجفف الشعر الذي وجدت من تستخدمه في تجفيف الملابس والفرش المبللة مثلا-. وهذه وإن كانت غير مكلفة كلفة كبيرة لكنها قطرات من مطر.

- الإسراف في المكالمات الهاتفية من الثابت والجوال أوقاتٍ طويلة ومحادثات كمالية وجمالية وصديقتها تسأل عن لبس اليوم وأخرى تسأل عن طبيخ الأمس، وهذه وتلك ومحادثات لا تنتهي يصح الاستغناء عنها، وهذه تقول: ما دام على حسابها فسأتكلم براحتي، وتكون الأخرى مضمرة نفس الشعور في المرات القادمة، وهكذا دواليك. ولا غرابة حينئذ أن تهرع الفواتير محققة أرقاما قياسية من قبل المستهلكات.

- الإسراف في الملبس والزينة والمساحيق والصبغات وما شابه ذلك، وتجميع ما يفضل عن الحاجة حتى إن الثوب الواحد لا يستخدم إلا في حفلة واحدة أو لقاء واحد.

والجديد هو المقصود إليه والتي تحث المرأة سيرها إليه، حتى إن بعض النساء ليخفين على أزواجهن بعض الفواتير؛ شعوراً بأنه لن يرضى عما يجري.

- التكثر من الصرفيات الفاضلة عن الحاجة في رفاهيات النفس والأولاد على وجه تتمنى عُشره الأسر الفقيرة بل والقارات التي تعاني هموم الفقر وآلام المجاعة.

- التكاثر بالسمعة الطيبة أنها كريمة تهدي لصدائقها وصواحبها الهدايا والعطور والثياب والطعام وبعض أدوات الزينة وأنها بذلك تعتد نفسها مسؤولة عن إسعاد الأخريات لا عن صون الممتلكات من مال زوجها..

- ونتيجة لهذا كله تقع البعض من النساء في إرهاق لنفسية الزوج وميزانيته بكثرة الطلبات والمقارنات بفلانة التي اشترت، وفلانة التي أهدى لها زوجها، وفلانة التي لا يُرد لا طلب، وفلانة التي تعرف كل سوق كما تعرف أركان بيتها، وهلم جراً.

- وينتج أيضاً التقصير في تدبير البيت والأولاد وأمور العيش، وتجهيزات وترتيبات المنزل، بما في ذلك إطعام الأولاد وتنظيفهم، حتى إن إحداهن يشخص بصرها أما التلفاز وقتا طويلاً، وولدها يصيح في طلب العشاء، وتقول له بصوت عالٍ: اسكت حتى يأتي الإعلان، ويصبر الولد فإذا جاء الإعلان انتبه لتوه: ها قد جاء الإعلان..

وسبحان الله أين هؤلاء من المرأة العاقلة هند بنت عتبة - رضي الله عنها - التي تتورع أن تصرف من مال زوجها في حاجة الطعام والشراب لها ولصبيتها الصغار، وتجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله عن حكم ذلكن معللة حاجتها وبخل زوجها، فلولا ذاك ربما ما سألت، قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ أي بخيل شحيح- فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا قال: لا إلا بالمعروف[4].

فهذه حقيقة من أعقل نساء الأمة وأكثرهن ورعاً وتقى، كيف بنساء اليوم لو سمعن بأن على المرأة أن تستأذن إن أرادت أن تتصدق من مال زوجها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في المرأة تصدَّق من بيت زوجها قال: لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه[5].

وهذه عائشة - رضي الله عنها - تذكر من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - شرطاً فوق الإذن، يفسر قوله - عليه الصلاة والسلام - لهند: (لا إلا بالمعروف)، فقد روت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا))[6].

قال ابن العربي: قد اختلف السلف في ذلك فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال... ويدل له ما أخرجه الترمذي[7] عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -: قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته عام حجة الوداع يقول: ((لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا))[8].

وهذا كله في شأن الصدقة من بيت زوجها وماله، -لا في فواتير التلفون والكهرباء والمحلات التجارية والكوافير والأدوات المنزلية ومحلات الزينة-، فسبحان الله أين نبحث عن هذا الورع اليوم لنهديه حمائمنا الكرائم، ونسائنا الفضليات؟!.

فخلاصة شروط تصدق المرأة من مال زوجها:

- الإذن الخاص من الزوج أو الإذن العام وما يفهم من العرف أنه أمر يتساهل فيه الزوج ويسمح به، ولو اطلع عليه ما أنكره ولا رده ولا زجر فيه.

- أن يكون ذلك بالمعروف دون إضرار ولا مفسدة في حق الزوج، وهذا لا خلاف فيه.

وما سوى ذلك من النفقات الأخرى فالمرأة حسيبة على نفسها تتقي الله - تعالى -وتخاف عقابه، وتهتم بزوجها وماله وبيته، فهو أبقى لها وخير.

وفي فتوى اللجنة الدائمة: لا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها شيئا إلا بإذنه، إلا إذا كان يقصر في الإنفاق عليها، فإنه يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي أولادها بالمعروف، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة لما شكت عليه تقصير زوجها أبي سفيان في الإنفاق عليها وعلى أولادها، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف))، وليس لذلك كفارة إذا كان الواقع هو ما ذكرنا، أما إن كان الأخذ بغير تقصير منه فعليها أن ترد ما أخذت إلى ماله ولو بغير علمه، إذا كانت تخشى إذا أعلمته أن يتكدر أو يغضب عليها [9].

نسأل الله - سبحانه وتعالى - التوفيق والسداد والهداية إلى طريق الرشاد، آمين

 

[1]- البخاري: (2278)، ومسلم: (1829).

[2] - فيض القدير: (5/38).

[3] - شرح رياض الصالحين: (337).

[4] - البخاري: (13/397) برقم: (5359)، ومسلم: (5/130) برقم: (4577).

[5] - سنن أبي داود: (2/57) برقم: (1690) وقال الشيخ الألباني: صحيح موقوف.

[6] - البخاري: (3/444) برقم: (1425).

[7] - سنن الترمذي: (3/57) برقم: (670) وحسنه الألباني.

[8] - سبل السلام: (3/264).

[9] - فتاوى اللجنة الدائمة: (21/167).


علي بن أحمد المطاع