احتساب عجوز !

المبادرون هم أناس يحبون الخير، ويثقون بأنفسهم، ويحبون خدمة جماعتهم، وهم إلى جانب ذلك مستعدون لتحمل نتائج مبادراتهم، وما قد تجره عليهم من مشكلات ومتاعب، على حين أن باقي الناس يرفعون شعار: (ليبدأ غيري) وشعار: (علينا أن ننتظر النتائج)!

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة -رضي الله عنه-، قال: "...فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حقاً، فقال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً) فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص" [2].

وفي رواية عند أحمد وابن خزيمة: "تقول عجوز لنا دهرية -أي مُسِنَّة-"[3].

عمرو بن سلمة: بكسر اللام ابن قيس الجرمي، يكنى أبا يزيد، قال أبو عمر: أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يؤم قومه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل: إنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أبيه، ولم يختلف في قدوم أبيه على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، نزل عمرو بن سلمة البصرة، ويقال: مختلف في صحبة عمرو، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وكذا أبوه، لكن وقع ذكر عمرو بن سلمة في حديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة[4].

اختاره قومه -وهو غلامٌ صغير ابن ست أو سبع سنين- إماماً لهم، مع أنه أصغرُهم سناً؛ وذلك لأنه أكثرهم قرآناً، والعجيب أن حفظه لم يكن عن طريق مقرئ لقنه وأهتم به، بل كان من أفواه الركبان، فحفظ قسطاً من كتاب الله - تعالى -، ففاق ما حفظه بنو قومه، رغم تلقيهم عن خير الخلق - صلى الله عليه وسلم -، والأغرب من ذلك أنه تصدّر لإمامة قومه في الصلاة رغم حداثة سنه إلى حد لا يُعاب عليه فيه انحسار ثوبه عن سوأته.

فأي حافظة تلك حافظة ذلك الصبي الذي حفظ مما يُذكر أنه نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وأي غلام نبيه ذلك الذي كان يحفظ ويعقل قبل سن السابعة؟ وأي أمة تلك التي سادت الدنيا ويتقدّمها ابن السابعة؟ بل أي أُمة تلك التي يتقدّمها صبي تبدو عورته إذا سجد؟ إنها أمة عظيمة!

كان هذا الصغير إذا سجد ارتفع الثوب حتى يقرب من السوءة -ينكشف-، فخرجت امرأة من الحي ذات يوم، وكان النساء يصلون خلف الرجال، وكذلك ربما يرونهم من الخيام، ومن النُزل التي ينزلون فيها.

فرأيته وهو ساجد وثوبه مرتفع، لكن ما ظهرت عورته، فقالت من المبالغة: "ألا تغطون؟ " "بتخفيف اللام، فالهمزة للإنكار، وفي نسخة بتشديدها على التحضيض "عنا" أي: عن قبلنا، أو عن جهتنا "است قارئكم" بهمزة وصل، أي دبره، وأغرب ابن حجر حيث قال: "وإن كان نظر العورة من أسفل البدن لا يضر؛ لأن ستر ذلك هو اللائق بتقدمه وإمامته"[5].

فقالت هذه المرأة: "ألا تغطون عنا است قارئكم؟ " وفي رواية: "واروا عنا عورة قارئكم" أي: بما أن هذا هو الإمام وهو القارئ فغطوا عورته، فلما قالت هذا كأن القوم فهموا أن المرأة تلمزهم، تقول: كيف يكون قارئكم وما تكسونه ثوباً؟!

فربما لم يكن عندهم علم بأن كشف العورة يبطل الصلاة، أو أن هذا الغلام ما كان له شيءٌ يستره، أو ما كانوا يأبهون كثيراً بتغطية عورات الغلمان، لكن لما اقترحت العجوز تغطية عورة الغلام "اشتروا" له ثوباً، وفي رواية: قميصاً عمانياً، وعمان منطقة تابعة لما كان يعرف بالبحرين "فقطعوا" بالتشديد ويخفف، أي: فصلوا لي قميصاً سابلاً "فما فرحت بشيء فرحي" أي: مثل "فرحي بذلك القميص" إما لأجل حصول التستر وعدم تكلف الضبط، وخوف الكشف، وإما فرح به كما هو عادة الصغار بالثوب الجديد [6].

وفي هذا الحديث: حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، وهي خلافية مشهورة، ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك؛ لأنها شهادة نفي؛ ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان منهياً عنه لنهى عنه في القرآن.

وقيل: لا تجوز إمامة الصبي لقول ابن مسعود: "لا يؤم الغلام الذي لا يجب عليه الحدود" وقول ابن عباس: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم" ولأنه متنفل فلا يجوز أن يقتدى به المفترض على ما عرف في موضعه، وأما أمامة عمرو فليس بمسموع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما قدموه باجتهاد منهم؛ لما كان يتلقى من الركبان، فكيف يستدل بفعل الصبي على الجواز، وقد قال هو بنفسه: وكانت عليّ بردة، والصواب الأول: أنها تصح[7].

وفي الحديث: قبح ظهور العورة، والاست: معروف وهو فتحة الدبر، فقبح ظهور العورة أمر شائع ومنتشر؛ ولذلك إذا كان الصبي مميزاً وجب ستر عورته، أما ابن سنتين فلا حكم لعورته، بمعنى لا يجب ستر عورة طفل عمره سنة، فلو رأى عورته أحد فلا إثم عليه، ولا ينطبق عليها حكم وجوب التغطية، أما المميز فيجب أن تستر عورته، على الأقل ستر السوءتين لا بد من ذلك[8].

وكذلك في الحديث: أن الاقتراح الوجيه جداً قد يأتي من امرأة عجوز، فالتي قالت: "غطوا عنا است قارئكم" إنما هي امرأة دهرية عجوز؛ للرواية السابقة التي عند أحمد وابن خزيمة: "تقول عجوز لنا دهرية -أي مُسِنَّة-"[9].

وفي هذا الحديث تُعلّمنا هذه العجوز:

- أن السلف تربوا على المبادرة الذاتية، ونبذ الاتكالية، والاعتماد على الآخرين، فهذه المرأة رغم كبر سنها، ووجود من هو أولى منها بذلك إلا أنها بادرة بالنهي عما شاهدته من منكر، فانظري -يا أمة الله- إلى عظمة هذه العجوز، ومبادرتها إلى الإنكار، مع أنها ربما تكون معذورة من الإنكار، فهي كبيرة في السن، وغير عالمة، ومعذورة بوجود غيرها، إلا أنها لم تقل: ليس لي دخل بهذا، أو ما علي من هذا.

- أن السلف تربوا على الشعور بالمسئولية، والقيام بما أوجبه الله عليهم، والتخلص مما يحول دون ذلك، وهذا نتيجة تربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم فقد رباهم على الاعتماد على أنفسهم، دون الاتكال على الآخرين، حتى إنه بايع بعضهم على ذلك، كما روى الإمام مسلم في حديث أبي مسلم الخولاني عن عوف بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعهم: (أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسر كلمة خفيفة: (ولا تسألوا الناس شيئاً) [10].

وروى النسائي عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من يضمن لي واحدة وله الجنة؟) قال يحيى: "ها هنا كلمة معناها: ألا يسأل الناس شيئاً"[11]. وهذه الأحاديث وغيرها وإن كانت في سؤال الناس أموالهم ونحو ذلك إلا أن الصحابة فهموا أنها في كل شيء، أو تركوا ذلك تورعاً حماية للعهد والبيعة، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل من دابته ويأخذه، ولا يسأل الناس أن يعطوه إياه، فلله درّهم، إنها قمة في الاعتماد على النفس، وقمة الإيجابية، وقمة الشعور بالمسؤولية، والمسارعة والمسابقة إلى إنكار المنكر، وفعل الخير.

- أن هذه العجوز لم يمنعها من الإنكار الشعور الذاتي غير المبرر بالعجز، أو المهانة والاستضعاف، بل سارعت وغبرت المنكر بكلمة بسيطة لم تكلفها شيئاً.

- كم نرى نحن من منكرات فنستحي، أو نخاف أن ننكر، ونسكت، هل هذه العجوز أحسن منا حالاً، كلا بل أنه المسارعة إلى فعل البر، وجزيل الثواب، إنه الإيمان، إنه القيام بالواجب، فقد تقدم العجوز، وتعجز الشابة!

إنه الشعور بالمسؤولية والقيام بها، مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الذي دفع هذه المرأة العجوز للقيام بواجبها كمسلمة، فهيا قومي -أختاه- فانفضي عنك غبار التواني والكسل.

- وفي هذا الحديث: انظري أختاه إلى بركة القيام بالواجب، وترك النظر إلى النتائج، فقد حصلت نتائج كبيرة من عمل صغير، استُجلبت الحسنات الكثيرة في مُقابل هذا العمل الصغير، بكلمة قالتها، وما أقواها من كلمة، بسببها انطلق الناس، واشتروا لهذا الطفل ثوباً، والبسوه إياه، فبسببها لبس ثوباً جديداً، فدخلت الفرحة -فرحاً شديداً- في قلبه، فلماذا التفريط إذن؟!

فكل كلمة صادقة طريق لهمه حارقة، ونفس مجاهدة مثابرة، وبقدر الصدق والجد والاهتمام تبلغ الروحُ منازل الثواب الأكرم، والذكر الأدوم، والفضل الأحسن والأنعم.

- لا يكون المسلم إيجابياً إذا لم يملك روح المبادرة الفردية، وفي نظري أن المبادرة الفردية كثيراً ما تكون في منزلة سفينة النجاة في حالة انحطاط الأمم، تعني المبادرة الفردية تجاوز أفراد من الأمة لمستواها العام، ولسقف حيويتها واندفاعهم نحو تحقيق ما يتمنى الناس حصوله، لكنهم يفقدون العزم والإرادة للبدء به، وقد علمتنا التجربة أن معظم الناس يحبون الخير، ويقدرون فاعليه، وهم على استعداد للمشاركة في مشاريعه، لكن المشكلة الكبرى هي أن المستعدين منهم لخطو الخطوة الأولى، ووضع أول لبنة قلة قليلة، وهذه القلة هي ملح المجتمع وبركته.

المبادرون هم أناس يحبون الخير، ويثقون بأنفسهم، ويحبون خدمة جماعتهم، وهم إلى جانب ذلك مستعدون لتحمل نتائج مبادراتهم، وما قد تجره عليهم من مشكلات ومتاعب، على حين أن باقي الناس يرفعون شعار: (ليبدأ غيري) وشعار: (علينا أن ننتظر النتائج)!

ليسأل كل واحد منا نفسه: كم مبادرة خيرة في رصيده، وليحاول تبين موقعه في هذه المسألة.

إن هذا الشعور دفع المرأة المسلمة الأولى للإيمان بالله ابتداء، دون مشورة من أحد، أو استئذان من أحد، منطلقة من المسؤولية الفردية، فهذه الفتاة الصغيرة أم كلثوم بنت عدو الله عقبة بن أبي معيط تهاجر على قدميها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي بعد بكر لم تعرف الحياة، ووصيلة بنت وائل بن عمرو بن عبد العزى لم يمنعها إحجام قومها عن الإسلام؛ أن تكون أول من أسلم وهاجر من قومها، ولم يمنع تطاول قريش، وشططها من أن تكون الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رابع من أسلم، وأسماء بنت عميس -رضي الله عنهن- من أوائل من أسلمن من النساء قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، وكذلك أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- تختار هذا الطريق وهي فتاة في السابعة عشرة من عمرها، وأم سعيد بنت بزرج لما قُرئ عليها القرآن لم تتباطأ عن الإسلام، فكانت أول من أسلم من أهل اليمن [12].

إن إدراك الفتاة المسلمة المعاصرة لطبيعة المسؤولية الفردية أمام الله - تعالى -يدفعها إلى المبادرة الشخصية تجاه هذا الدين، في صورة استشعار ذاتي بضرورة استيعاب الخطاب التكليفي، ومن ثم المسارعة في تطبيقه، والعمل به.

فلا تتركي -أختاه- الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولا تتركي النصح والإرشاد، فلو كل خيرة صالحة تركت ذلك لكثر الفساد وعمت الفتن، ولكن بادري إلى هذا الفضل العظيم وهو الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصح بنات جنسك، فإن هذا طريق الفلاح والخيرية في هذه الأمة، وهو أولى ما تعيشين من أجله.

فكوني كهذه العجوز ليس في السن، ولكن في كبر همتها، وإقدامها على الخير، فهل وعيتِ ذلك؟!

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


[1]: باحث بوحدة البحوث والدراسات في مركز المحتسب للاستشارات

[2] - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب من شهد الفتح (4/1564-4051).

[3] - أخرجه أحمد (33/443- 20333) وابن خزيمة في صحيحه (3/6- 1512).

[4] - انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (26/164).

[5]- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4 / 236)

[6]- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/236).

[7]- انظر: [فتح الباري لابن حجر (8/23) ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/236)].

[8]- انظر: دروس للشيخ محمد المنجد (/ 14) بتصرف.

[9] - أخرجه أحمد (33/443- 20333) وابن خزيمة في صحيحه (3/6- 1512).

[10] - أخرجه مسلم في الزكاة، باب كراهة المسألة للناس (3/97- 2450).

[11] - أخرجه النسائي في كتاب الزكاة، فضل من لا يسأل الناس شيئا (5/96- 2590) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1837).

[12]- انظر: بحوث تربية الفتاة المسلمة (1/15) بتصرف.


صادق بن محمد الهادي