ولاؤنا لمن؟

عبد الوهاب بن ناصر الطريري

إنها القضيةُ التي علاها الغبش، وحجبت تحت أستارِ الضباب، وأبعدت حتى تباعدت عنها الأمة، وأقصيت حتى أقصينا عنها.

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية - الولاء والبراء -

الحمدُ لله حمدا طيبا كثيرا كما يجبُ ربُنا ويرضاه.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، لا رب غيرُه ولا معبودَ بحقٍ سواه.

وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسوله أفضلَ نبيا وأشرفَه وأزكاه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنتَه واقتدى بهداه.

أما بعدُ أيها الناس، اتقوا اللهَ حق التقوى.

أيها القومُ أعيروا سمعَكم إنني أقذفوا نارا لا كلاما

ما أنا الشاكي ولكن أمةُ أصبحت تشكو كما يشكوا اليتامى

تبصرُ الشرَ ولا تنُكره وعم المعروفِ جبنا تتعامى

وتداري كلَ دجالِ ولو بث في أبناءِها الرأيَ الحراما

وترجي من أعاديها الهدى وتواليهم قضاةً واحتكاما

كم صفيقَ الوجهِ صفقنا له وسفيهٍ قد جعلنَه إماما

وشريفَ القصدِ شهرنا بهِ وظلمناهُ اعتداءا واتهاما

إنها القضيةُ التي علاها الغبش، وحجبت تحت أستارِ الضباب، وأبعدت حتى تباعدت عنها الأمة، وأقصيت حتى أقصينا عنها.

أما القرآنُ فقد قررها على أنها قضيةُ جازمةُ حاسمة، قضيةُ لا تقبلُ التمييع، إنها قضيةُ لا يقبلُ اللهُ فيها إلا الجدَ الصارم، الجدَ الذي يليقُ بالمسلمِ في شؤونِ دينِه.

إنها القضيةُ التي أبدأ القرآنُ فيها وأعاد، وأظهرَ وقرر، حتى قال أحدُ أئمةِ الدعوةِ المباركة:

ليس في كتابِ الله - تعالى - حكمُ فيه من الأدلةِ أكثرَ ولا أبينَ من هذا الحكمِ بعد التوحيد.

إنها قضيةُ الولاء (ولاؤُنا لمن؟).

ولاؤُنا لمن نمنحَهُ، وعن من نصرفُه؟

أما القرآنُ فقد أجابَ وأبان: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

هكذا إنما وليكُم الله، هكذا على وجهِ الحصرِ والقصر الذي لا يدعُ مجالا للتأويلِ، ولا يتركُ فرصةً للتمييع.

إن المسألةَ في صميمِها مسألةُ عقيدةٍ وإسلام، حتى لا يكون الإسلامُ مجردَ عنوانٍ أو مجردَ رايةٍ أو شعار، أو مجردَ داعيةٍ أو إعلان، أو كلمةً تقال باللسان، أو نسبا ينتقلُ بالوراثة، أو صفا يلحقُ المواطنينَ في مكانٍ من لأرض. كلا.. وإنما ليكونَ دينا يستلزمُ الولاءَ الكاملَ للهِ - عز وجل -.

لا ولاء إلا لرايةٍ واحدة، ولا تناصرَ إلا بين العصبةِ المؤمنة، لأنَه تناصرُ يستمدُ من العقيدة.

إن الأمرَ مفاصلةٌ بين الصفِ المسلمِ وسائرِ الصفوف، فكلُ صفٍ لا يتخذُ الإسلامَ دينا فالشأنُ بينَه وبين المسلمينَ المفاصلة، وكلُ صفٍ يتخذُ الإسلامَ دينا ومنهجا، ويبتغي فيه حكما وحاكما فالشأن بينَه وبين المسلمين الولاءُ والمناصرة.

بين الصفِ المسلم آصرةُ وثيقةُ وصلةُ أكيدةُ، وبناءُ ولُحمة مؤسسةُ على العقيدة، لا تنفصمُ عُراها، ولا تهمُ قواها: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

تلكَ ولايةُ استلزمها القرآن، وأحكمَها القرآن، وأنزلَها وشرعَها الرحمن، ثم رعاها وحماها من كلِ ما يضادُها أو يوهنُها أو يمزقُها أو يفرقُها.

ومن أعظمِ ما يوهنُ هذا الركنَ الركين، والأساسَ العظيم تبديدُ هذا الولاء ليكونَ للمؤمنينَ وغيرِهم، ليسَ قاصرا على المؤمنينَ وليس خاصا بهم، فجاءتِ الآياتُ صارمةً صارخةً واضحةً تبينُ أنه لا ولاءَ إلا بإيمان، لا ولاءَ إلا بعقيدة، فإن لم يكن إيمانُ فليسَ ثمةَ ولاءُ وإنما مفاصلة، إنما هو البرءُ والبراءة.

أصغِ السمعَ إلى هذه القوارعِ والنذر التي تجعلُ سياجا قويا على هذا المبدأِ الأساس وهو الولاءُ والموالاة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

هكذا تتقررُ هذه القضيةُ في القرآنِ بلا لبسٍ أو غبش، بوضوحٍ ونصاعةٍ وظهور، ولاءُ للمؤمنين، ومفاصلةُ لكلِ من فاصلَهم في دينِهم وعقيدتِهم.

ولذا فقهها الجيلُ الأول، تصورُها كمالَ التصورِ فرعَوها حقَ رعايتِها، أنظر إلى ذلك من خلالِ مشاهدَ يضيءُ بها التاريخُ ويظنُ بمثلِها التاريخ:

أي مشهدٍ أروعَ وأبها وأجملَ من مشهدِ الولاءِ واللحمةِ بين المهاجرينَ والأنصار يوم آوىَ الأنصارُ المهاجرينَ فإذا هم بينَهم منهم، توثقتِ الرابطةُ، استحكمتِ الصلةُ، وتجسدتِ صورُ الولاءِ في الدينِ في أنصعِ صورةٍ وأوضحِها وأجلاها، وكما تجسدت على صعيدِ الجماعةِ المؤمنة، تمثلت أيضا واضحةً جليةً في كلِ فردٍ من المسلمينَ، فإذا هو يعيشُ الولاءَ قضيتَهُ.

أنظر إلى عبادةَ بنُ الصامتِ - رضي الله عنه - يجيءُ إلى رسولِ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - قائلاً:

يا رسولَ الله إن ليَ مواليَ من يهودٍ كثيرُ سلاحُهم، قويةُ أنفسُهم، شديدةُ شوكتُهم، وإني أبرأُ إلى اللهِ ورسولِه من ولايةِ يهود وأتولىَ اللهَ ورسولَه والمؤمنين.

هكذا ينطقُ الإيمان، أما النفاقُ فبماذا نطق؟

أما الذي يتولى كلَ من عادى المؤمنين فبماذا نطق؟

لقد نطقَ فكان عبدَ اللهِ أبنَ أبي أبنَ سلول قطعَ اللهُ دابرَ سُلالتِه الفكريةِ فينا اليوم، نطقَ فقال:

إني رجلُ أخافُ الدوائرَ ولا أبرأُ من ولايةِ مواليَ، فأنزلَ اللهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ).

بل أنظر إلى صورةِ الولاءِ للهِ ولرسولِه وللمؤمنين في موقفِ كعبِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - يومَ هجرَه المسلمونَ فلم يكلمِه منهم أحدُ، فإذا الوجوهُ في وجههِ جامدةُ لا تنطقِ بكلمةٍ، ولا تنفرجُ عن بسمةٍ، حتى تغيرت عليه الأرضُ فما هي بالأرضِ التي يعرف، وتغيرَ عليه الناسُ فما هم بالناسِ الذين يعرف، وفي وسطِ هذه المعاناة، يأتيه العرضُ السخيُ من ملكِ غسانٍ في هيئةِ رسالةٍ ملكيةٍ تقول: إنه قد بلغنا أن صاحبَك فقد جفاك فألحق بنا نواسك. لم يقل أكفر بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، لم يقل أرجع عن دينِك، فقط الحق بنا نواسك، لم يساومه في دينِه أصالة، ولكن ساومَه في هذه الولاية، فكيف نظرَ كعبُ؟

لقد نظر إليه من هذا الأساس والركنَ الركين وهو الولاءَ الذي منحَه للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، فإذا هو يستقبلُ هذه الرسالةَ فيذهبُ بها مسارعا إلى التنور ليحرقَها، لم يجد مكانا يليقُ بها سوى التنور، ويأتي منزعجاً إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قائلاً بنفسٍ مفجوعةٍ ثكلى تخشى الهلكةَ: يا رسولَ الله بلغَ بي أن طمِعَ بي رجلُ كافر.

إنه الولاءُ للهِ ولرسوله وللمؤمنين. لم يقبل مساومةً في أشدِ الظروفِ شدةً وأحلكِ الساعةِ ظلمةً.

نعم إلا الولاء فلا يمنحُ إلا لله ولرسولِه وللمؤمنين.

بل بلغَ من نصاعةِ هذا المبدأِ ووضوحِه عند ذلك الجيل أن الصبيةَ والغِلمان كان واضحا لهم أتم وضوحٍ وأبينَه، ذلك وهم صبية وهم أطفال في حجورِ أمهاتِهم.

هذا الجلاسُ أبنُ سويد رجلُ من المنافقين ولكن كان ربيبُه في حجرِه صبيُ من صبيانِ المسلمين كان أبنا لامرأته، جلسَ إليه يوما فإذا هو يتحدثُ ويقول: لأن كان ما يقولُه محمدُ حق فنحنُ شرُ من الحُمرِ التي نركبُها.

هكذا قالَها المنافقُ حال نفاقِه، وظن أنهُ يقولُها بعيدا عن كلِ غيرةِ من إيمان، وإذا بذاكَ الربيبِ الصغيرِ يقولُ كلماتٍ عظيمةٍ مخاطبا الجُلاس وهو زوجُ أمِه قائلاً له: أما إنكَ لأحبُ الناسِ إلي، وأحسنُهم عندي بلاءَ، وأعزُهم عندي أن يصلَ إليه شيءُ يكرهُه، ولكنَك قلتَ مقالةً إن أنا ذكرتُها فضحتني، وإن أنا كتمتُها أهلكتني، ولإحداهُما أهونُ عليَ من الأخرى.

الفضيحةُ أهونُ عليَ من الهلَكة، وإذا به يحملُ كلمةَ زوجِ أمِه ووليَ نعمتِه إلى رسولِ الله - صلى اللهُ عليه وسلم - معلنا براءتَه منها ومن قائلِها يوم نقلَها.

فيستدعي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الجلاسَ، ويسألَه عن مقالِ عميرَ ابن سعد فيفزعُ إلى الكذِبِ والحلِف، فيأتي الوحيُ من السماء مصدقا الصبيَ مكذبا المنافقَ: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).

قال الجُلاسُ حينَها: أما إنه قال وصدق، وإن اللهَ قد عرضَ عليَ التوبةَ وإني أتوبُ الآن.

فأنظر بارك اللهُ فيك ورعاك إلى وضوحِ هذه القضيةِ ونصاعتِها حتى وعاها ورعاها الصبيانُ، فلم يقبلُ فيها مساومة أو مهادنة أو محاباة.

أما اليوم ويا لسوءِ ما سنراهُ اليوم، إننا سنرى هذا الأصلَ الأصيل وعليه ضبابُ كثيف، وفيه وهنُ شديدُ لدى كثيرٍ من المسلمين، لقد تدرج الأمرُ في قضيةِ الولاءِ، وموالاةِ المؤمنينَ من كونِها واجبة، إلى كونِها مستحبة، ثم صارت مباحة، ثم أصبحِ اليومَ تهمة بعد أن كانت واجبة أصبحت تهمة.

ولذا فنحنُ بحاجةٍ جدُ ماسةٍ إلى التأصيلِ في قضايا العقيدة، على تجليتِها وتوضيحِها حتى يعلمَ كلُ مسلمٍ أنه ليس حرا في توزيعِ ولاءاتِه، ليس حرا في بعثرةِ نصرتِه، وإنما هو أمامَ أمرٍ قد حسمُه اللهُ - جل وعلا -، حسمُه اللهُ يومَ كذّبَ دعوى إيمانِ من لم يوالي المؤمنين ومنحَ ولائُه للكافرين، قال -جل وعلا-: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).

نحنُ اليومَ نرى كيف تغتالُ موالاةُ المسلمينَ، وتستبدلُ بها عداوتُهم تحت ستارٍ من ضبابيةِ التهمِ التي يرجمونَ بها، يعادىَ المؤمنونَ اليومَ تحت ضبابيةِ الاتهامِ بالتطرفِ ولاتهامِ بالأصولية، نرى اليومَ التخبطَ في قضيةِ الولاءِ على مستوى الإعلامِ وعلى مستوى الأفرادِ.

أنظر إلى العلاقةِ بالأنظمة، وأنظر إلى العلاقةِ بالأحزاب، أنظر كيف يُتخبطُ بها؛

فالبعثُ صديقُ الأمسِ عدو اليومَ

والرافضةُ عدوُ الأمسِ صديقُ اليومَ.

والمؤمنونَ المستعلِنونَ بولائِهم للهِ ولرسوله ولشريعةِ الله يعادَونَ تحت الاتهامِ بالأصولية.

والمستعلِنون بلا مواربةٍِ بالعلمانية يوالونَ ولا ندري تحت أي ستار.

.........................

ما الذي يصنعُ ولاءَنا؟

هل هو الإعلامُ! أم المصلحةُ!

أم الجنسُ! أم القوميةُ!

أم الجغرافيا! أم الخرائطُ السياسيةُ!

كلا.. ليسَ شيءُ من ذلك، فليستِ الحواجزُ الجغرافيةُ، ولا الخرائطُ السياسيةُ تصنعُ ولاءَنا، ولا تقف حاجزا بيننا وبين أحكامِ دينِنا، كلا.. إن الإعلامَ والجغرافيا والسياسةَ لا تصنعُ ولاءَنا، ولكن تُحاكمُ هي إلى الولاءِ الحق.

إن الفجيعة َ أن يتخلخلَ هذا المبدأ على مستوى الأفرادِ فتسمعُ في المجالسِ حديثا عجبا يصطدمُ مع هذا المبدأ بل ويناقضُه، فما هو السبب؟

لقد نجحَ الإعلامُ في تغييبِ هذه المسّلمةِ العظمى من مسلماتِ الدين، تغيـيبِها عن حياةِ المسلمين، فإذا موالاةِ المسلمين من حيثُ هم مسلمون تغيبُ في حياةِ كثيرٍ من المسلمين.

لقد تم ذلك نتيجةَ غزوٍ ثقافيٍ ماكرٍ، غزوٍ خبيثٍ تلاعبَ بالمصطلحات، غيّر الأسماء، عبثَ باللافتات، فاختلطتِ الرؤيا عند من ليس لهم عمقُ عقدي.

أنظر إلى حالِ المسلمينَ يومَ لم يكونوا تحت تأثير نوعٍ من أنواعِ هذا الغزو الثقافيِ، أنظر إليهم عندما غزاهُم الفِرنجةُ، كيف كانت المعركةُ تدور؟

ما هي اللافتاتُ التي كانت ترُفع؟

أسأل التاريخَ واستنطِقه، قل له بين من كانتِ المعركةُ؟

سيقولُ بين الصليبيين والمسلمين.

هكذا ينسبُ الصليبيونَ إلى صليبِهم، والمسلمونَ إلى إسلامِهم، وتظلُ المعركةُ دائرةً مأتي سنة ولافتتُها واضحة، صليبيةُ وإسلام.

ولذا فإن المواجهةَ وإن طالت فإن منطلقاتِها ثابتة، ولكن جاءَ الغزو الثقافيُ فغيّر المصطلحات، وغيّر اللافتات، وغير الشعارات، فإذا الفِرنجةُ يعودونَ غازينَ، والصليبيونَ يعودونَ غزاةً أخرى، ولكن تحت اسمٍ آخر, ما هو؟

الاستعمار. إذا المسلمونَ يواجهونَ هذا الاستعمارَ وهو التدميرُ في الحقيقة.

فماذا عمِّرَ الفِرنجةُ عندنا يومَ جاءوا؟

لقد دمروا ولم يعمِروا، ومع ذلك لا يزالُ احتلالُهم إلى اليوم يسمى استعمارا، أما المسلمونَ فرفعت لهم لافتةً وهي أنهم شرقيونَ، وأصبحتِ الحربُ بين المستعمرينَ والشرقيين، وإلى اليوم لا تزالُ هذه المسمياتُ راسخةً في المصطلحاتِ الثقافية.

ما الشرق الأوسط؟

نحن شرقُ بالنسبةِ لمن؟ شرقُ عن من؟

ما الشرقُ الأدنى؟ ما الشرقُ الأقصى؟

لافتاتُ وضعت وأقصيت لافتةُُ الإسلام، كما أقصيت لافتةُ الصليبية ووضعَ بدلَها لافتةُ الاستعمار.

وكما حصلَ التلبيسُ هناك، حصل التلبيسُ اليوم، يومَ يعادى المسلمون لا على أنهم مسلمون، ولكن على أنهم متطرفونَ وأصوليون، وبذا تنفكُ القضيةُ عند الدهماءِ من المسلمين فيظنُ أنه ليس مستهدفا بالعداء، وإنما المستهدفُ فئةُ أخرى غيرُه هم الأصوليون.

من الأصوليون؟ إنهم أنا وأنت وكلُ من نادى بأن يكون الإسلامُ دينا حاكما فهو أصولي، ولذا وصفت صحيفةُ الشرقٌ الأوسط العاكفين على القبورِ والقباب، أصحاب الطرقِ الصوفيةَ في الجزائر الذين عُرفوا بأنهم يدُ للاستعمار يوم كانت فرنسا تمدُ ذراعها في الجزائر، وصفتهم بأنهم المسلمون المعتدلون.

المعتدلون هم الصوفيونَ الذين نبذوا الإسلامَ ظهريا، واستبدلوا به حفلاتِ رقصٍ، ووثنيةً تعبدُ من دون الله، وولاءً للمستعمِر، ولاءً للمحتل، هؤلاء هم المسلمون المعتدلون.

إذا فمن الأصوليون والمتطرفون؟

إنهم نحن يا من نريدُ أن يكونَ الإسلامُ حاكما لا محكوما.

أمةَ الإسلام:

متى يزالُ الغبشُ والضبابُ عن هذه القضية فتظهرُ واضحةً عند كلِ مسلمٍ بحيثُ يعي أنه لا يكونُ خذلانُ المؤمنِ وعدمُ نصرتِه إلا بنصرةِ الكافرِ وموالاتِه؟

متى تجلى هذه القضيةُ بحيثُ يعي كلُ مسلمٍ أنه يجبُ عليه معاداةُ الكافرِ وإن أحسنَ إليه، وموالاةُ المسلمِ وإن أساءَ إليه؟

متى تجلى هذه القضيةُ بحيثُ يعي كلُ مسلمٍ أن كلَ نصٍ في القرآنِ يأمرُ بموالاةِ المؤمنينَ فهو يحرمُ عداوتَهم، وكلُ نصٍ يحرمُ موالاةُ الكافرين فهو يأمرُ بعداوتِهم؟

متى تُجلى هذه القضيةُ حتى يعي كلُ مسلمٍ أن منطلقاتِ الولاَيةِ والموالاة ليست النفطَ ولا الخليجَ ولا أزمةَ الخليج، لا إقليمَ ولا جغرافيا، ولا خريطةً سياسية، وإنما منطلقُ الولاءِ والبراء، وأن الموالاةِ والمعاداة هو دينُ الله الذي جاء به محمدُ - صلى اللهُ عليه وسلم -: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)؟

هذه الولاَيةُ ليست لحزبٍ، ليست لجماعةٍ، ليست لجبهةٍ، ليست لدعوةٍ، ولكن لكلِ مسلمٍ في أي أرضٍ فوق الأرض، وتحتَ أي سماءٍ في السماء، هي للإسلامِ ما بقي الإسلام، وللمسلمينَ ما بقي مسلمون، في أدغالِ إندونيسيا أو مجاهلِ أفريقيا.

ولاَيةُ ميزتُها أنها للهِ - عز وجل - وأن إمامَها محمدُ - صلى الله عليه وسلم - ، وأنها تبقى ولا تفنى، وأن منتهاها الجنة: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).

أيها الأخُ المبارك: إن الولاَيةَ تستلزمُ أمورا منها:

أولا الهمُ العاطفي:

فكم تعيشُ قضايا المسلمينَ في وجدانِك؟

كم تساوي قضايا المسلمين من خارِطةِ مشاعِرك واهتماماتِك؟

هل تستمِعُ إلى ما يحدثُ اليومَ في الجزائرِ فيؤلمُك، ويكربُك، ويعتصرُ فؤادَك، حتى كأن كلَ قطرةِ دمٍ تنزفُ إنما هي من دمِك.

أم أنك تتعاملُ مع أخبارِها كما تتعاملُ مع أخبارِ الحربِ الأهليةِ في نيكاراجوا، عندما تسمعُ ما يحدثُ هذه الأيامُ من هجرةِ اللاجئين المسلمين من بورما! إلى أين؟ إلى كندا! إلى السويد! إلى جنيف!

كلا.. بل يهاجرون تحت ضغطِ الإبادةِ والقتل إلى البلدِ الفقير بل هو تحت مستوى الفقر إلى بنغلاديش. فما الذي يجعل هذا البلدِ الفقير ملاذا لهم ومأوى؟

إلا أنهم يفرون من حربِ إبادةٍ ومصيرٍ هو أشدُ بؤسا من ذلك المصيرِ الذي ينتظرُهم.

كيف يستقبلُ قلبُك هذه الأنباء؟ هل تحسُ أن بينَك وبين هؤلاءِ رباطا وثيقا من الأخوةِ فتحزن، وتغتم، وتبتئس لبؤسِهم، أم أنك تتعاملُ مع ذلك وكأنها أخبارُ في التاريخِ مضت وانقضت.

ثانيا الدعاء:

كم لإخوانِك المسلمينَ من نصيبٍ في دعائِك؟

هل تضعُ جبينَك ساجدا للهِ فتتذكرُ الجزائرَ ومحنتَها، وبورما ونكبتَها، وأفغانستانَ ولواها فتذكروهم وأنت تدعو ربَك فتدعو لهم كما تدعو لنفسِك. هل تعيشُ قضايا المسلمينَ في دعائِك؟

ثالثا الحب:

هل يؤمرُ الحبُ قلبَك لكل مسلمٍ تنظرُ إليه فتنظرُ إليه من خلالِ هذه الميزةَ التي تميّز بها وهي إسلامُه، فتحبُه لا لشيءٍ إلا لأنَه مسلم، فإذا ميزانُه في قلبِك أعلا وأغلى من كلِ إنسانٍ لا يؤمنُ بهذا الدين، فهل فتشتَ في قلبِك عن الحبِ للمسلمين الذي هو من مقتضياتِ موالاتِهم.

رابعا النصحُ لهم:

النصحُ لهم وإرادةُ الخيرِ للمسلمين، فلا تستبطنُ في نفسِك إلا حبَ الخيرِ لكل مسلمٍ في أي أرضٍ كان، نعم النصحُ للمسلمين هذه القضيةُ التي كان النبيُ - صلى الله عليه وسلم - يضعُها في كفِ كلِ مسلمٍ يمدُ يدَه مبايعا على الإسلام. يقول جريرُ ابن عبدِ الله البجلي بايعتُ رسولَ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - على الإسلام فأشترط علي النصحُ لكلِ مسلم.

خامسا نصرتُهم:

نصرتُهم بكلِ ما تستطيعُ نُصرتُهم به، يكلِ ما يمكنُ أن يناصروا به، ومن نصرتِهم الذبُ عن أعراضِهم.

يقولُ رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم -: ما من أمريءٍ يخذلُ امرأً مسلما في موضعٍ ينتَهكُ فيه عرضُه وتنتَقصُ فيه حرمتُه إلا خذلَه اللهُ في موضعٍ يحبُ فيه نُصرتَه، وما من أمريءٍ ينصرُ امرأً مسلما في موضعٍ تنتَهكُ فيه حرمتُه وينتقصُ فيه من عرضِه إلا نصرَه اللهُ في موطنٍ يحبُ فيه نُصرتَه.

هل استجبنا لنداءِ رسولِ الله - صلى اللهُ عليه وسلم - يومَ قال: المسلمُ أخُ المسلمِ لا يظلمُه ولا يسلمُه ولا يخذلُه.

هكذا تبرزُ هذه القضيةُ وتظهرُ وتتجلى، ويومَ تأسسُ هذا التأسيس فإن كلَ الصِلاتِ المزيفةِ التي طفحت وعلت ستتراجعُ إلى محلِها الطبيعي، وسوفَ ندفنُ إلى غيرِ رجعةٍ أواصرَ الولاءِ والنصرةِ التي طفت وأسسها وأكدَها الإعلامُ يوم جعلتَ الصحافةُ أتفهَ الصلاتِ موجبا للولاءِ والنُصرة.

وإن ننسى فلا ننسى يومَ وصفت إحدى الصحفُ دخولُ فريقٍ عربيٍ إلى أسبانيا في مباراةٍ رياضيةٍ بأنَه كدخولِ عبد الرحمنِ الداخل، وبأنَ أعضاء ذلكَ الفريقِ رجالُ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه.

وجدَ هذا يومَ أقصيتُ المسلماتُ العقديةُ، وأخفيَ عن وعيِ المسلمينَ علاما يكونُ الولاء، علاما تكونُ الموالاة، فبرزت أنماطُ وقضايا عليها الولاءُ وعليها البراء، السياسةُ، والجغرافيا، والخليجُ، والنفطُ وأزمةُ الخليج، بل حتى الرياضة.

فهل يستشعرُ كلُ منا مسئوليتَه في تجديدِ هذا المعنى وهو الولاءُ وموالاةُ المؤمنينَ، مسئوليتُنا عن تجليتِه وتبنِيه وحملِ قضيتِه.

أقول ما تسمعونَ وأستغفرُ الله لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه.

....................

الحمدُ لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانِه.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ تعظيما لشأنه.

وأشهد أن محمدا عبده ورسولُه الداعي إلى رضوانه.

 صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانِه وسلم تسليما كثيرا.

 أما بعد أيها الناسُ إني داعٍ فأمنوا:

 اللهم إنا نسألكَ بكلِ اسمٍ هو لك، أنزلتَه في كتابِك، أو علمتَه أحدا من خلقِك، أو استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندَك، نسألك بأسمائكَ الحسنى وصفاتِك العلى، نسألُك ربَنا وأنت ملاذُنا، نسألُك ربنا وأنت المستعانُ وبكَ المستغاث، وعليكَ التكلان، نسألك لأهلِنا في جزائرِ الإسلام، نسألُك لأبناءِ الشهداء أن تدفعَ عنهم كلَ محنةٍ، وترفعُ عنهم كل فتنةٍ، وأن تجمعَ كلمتَهم على الحق، اللهم احقن دماؤَهم.

 اللهم كن لكلِ من كان للإسلامِ نصيرا، اللهم كن لهم عونا، اللهم وأجعل عاقبةَ أمرِهم عزا للإسلامِ وظهورا للمسلمين، والحكمَ بشريعتِك، والتحاكمَ إلى كتابِك.

 اللهم من أرادَ بالإسلامِ والمسلمينَ والحكمَ بالإسلامِ في بلادِ المسلمين، من أرادَ بهم سواءً، اللهم فأردد كيدَه في نحرِه، اللهم أجعل تدبيرَه تدميرَه.

 اللهم وانزعُهم من قصورِهم وبروجِهم وحصونِهم وأجعلُهم طُعمةً للمسلمين.

 اللهم إنا نسألُك أن تدفعَ الفتنةَ عن هذا البلد، وأن ترفعَ المحنةَ عنه، وأن تحقنَ فيه الدماء، وأن تكونَ العاقبةُ فيه لحكمكَ يا رب العالمين.

 اللهم أقرَ أعيونَنا بعزِ الإسلامِ وظهورِ المسلمين حتى لا نرى رايةً هي أعلى من رايةِ لا إله إلا الله محمد رسولُ الله.

 اللهم أبرم لهذه الأمةِ أمرا رشدا يعزُ فيه أهلُ طاعتِك حتى لا يكونَ أحدُ أعزَ منهم، ويذلُ فيه أهلُ معصيتِك حتى لا يكونَ أحدُ أذل منهم.

 اللهم من فرحَ بقهرِ المسلمينَ وسجنِ المسلمينَ والتسلطِ على المسلمين، اللهم فأذقهُ مراراتَ الحسرة، اللهم وافجعهُ في نفسِه حتى يحبسَ في جلدِه، الهم واكبتهُ بعزِ الإسلام، وأقهرهُ بظهورِ المسلمين.

 اللهم إنا نسألُك أن تجعل عاقبةَ كلِ دعوةٍ للإسلامِ عزا مبينا، ونصرا قريبا، يا من بيدِه كلُ شيء، يا من يجيرُ ولا يجارُ عليه، يا من إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.

 اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم أهدي من وليتَه أمرنَا، اللهم أجعل ولايتَنا في من خافَك واتقاكَ واتبعَ رضاك يا ربَ العالمين.

 ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النار.

 وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.