الوعول والتحوت

عبد اللطيف بن هاجس الغامدي

هذا أوان المدافعة، فالحجة الباهتة لا يدحضها إلا حجة ثابتة، والفكر الهادم لا يمحوه إلا فكر بنَّاء، والمرض الفتَّاك لا يعالجه إلا دواء ناجعٌ وبلسم نافع، ومن رضي بالمهادنة في زمن المجالدة، فليبك على حياته، فإنه في سجل الأموات مرقوم!

  • التصنيفات: أشراط الساعة -

هل انقلبت الدنيا، وتبدَّلت الموازين، وتغيَّرت المقاييس؟! أجيبوني أكاد أُذهل!!
لقد علا من كان في الأسفلِ، وأستأسد الهرُّ واستنوق الجمل، واحتلَّ الوضيع مكان الرفيع، وأُقصي الوفيُّ وأدني الخائن، وخُوِّن الأمين و ٱؤْتُمِنَ السارق، وصُدِّق الكاذب، وكُذِّب الصادق، وأصبح الأذناب فوق السحاب، وأُضجعَ للذبح البريء، ودوىَّ فوق رأسه فحيح الشقيُّ!

لقد غدا المفروض مرفوضاً، والمعطوب مطلوباً، والمأمون مرهوباً، والمبغوض محبوباً، وشانت صادقات المشاعر!

وخطب الشيطان فوق المنابر، وامتلأت بدم العمالة واسعات المحابر، واختلطت بجثامين العِظامِ عظامُ المقابر، وغدا الأوَّل آخر، والعزيز صاغر، والعفيف فاجر، والنقي ماكر، والتقيُّ فاجر، وأصبح الأجرب في ساحة السليم بجرمه يفاخر! أفما لهذا الليل آخر؟!

أرى كثرةَ المعروف يُورثُ أهلهُ وسَوَّدُ عصرُ السُّوءِ غير المُسوَّدِ.

لا تعجبوا من قسوتي في عبارتي، فقد فجعتني عيني بما أوجعتني، حتى شعرت أننا نعيش في آخر الزمان، ورأيت نفسي كالحليم الحيران!

وآلمني ما قرأت فوق صدور بعض صفحات الجرائد والمجلات، وأحزنني ما سمعت ممن انتهبوا وسائل الإعلام لينفثوا السمَّ الزعاف في عقول وقلوب الأنام، وأحرقني ما رأيت من علو من كانوا في دنو، وارتفاع من لا يليق بهم إلا القاع، وفي المقابل -ويا له من شعور قاتل- أحسست بالمرارة من لمز الصالحين، وغمز الصادقين، وتشويه سمعة الأتقياء الأنقياء، وممن -لا أُمَّ لهم؟!- ممن توشحوا بالفضيلة ليمارسوا تحت دثارها سوءات الرذيلة، ولبسوا أقنعة النصح والتوجيه ليمعنوا في الطعن والتمويه، فأصبح -بزيفهم- المُحق مُبطل، والعليم جاهل، والمصيب غافل، وقعدوا فوق أشلاء الصالحين يزايدون على المبادىء، ويُنظِّرون للمجتمع، ويفلسفون القيم، فكيف تنجو الفريسة إذا كان حاميها حراميها؟!

وانكفأ الصالحون على بعضهم ببغضهم، وشرب القاتل من دم الضحايا حتى الثمالة!

زمانٌ رأينا فيه كلَّ العجائبِ وأصبحتِ الأذناب فوقَ الذَّوائبِ

أكاد ألتهم الأصابع إذا أحسست بمواقع الصالحين صارت بلاقع، وأصبح الذي يسوقها للمراتع ذئب ضاري يرقص فوق المواجع!

فيا لله! كيف استُغلَّت الأحداث والوقائع من بعض الأوباش لتصفية الحسابات القديمة مع بعض الصالحين المصلحين والدعاة الصادقين، ليسوقوهم -بلا جرم منهم- ليضعوهم في أقفاص الاتهام، ولينعقوا فوق رؤوسهم بالطامات العظام، وفي الناس سمَّاعون لهم، قلوبهم كالإسفنج تمتصُّ كلَّ وسخ، ونفوسهم كالجعلان لا تحب إلا الأقذار، وطبائعهم كالذباب لا يقع إلا على الأنتان، وميولهم كالخنازير لا تقمُّ إلا النجاسات!

ومتى يبصر الأعمى طريقه إذا كان العدو إلى الرَّدى يسوقه؟!

فهل حان زمان الأصاغر، وغاب أوان الأكابر؟

يُقدَّمُ وغدٌ لا مروءةَ عندَهُ بتأخير حُرٍّ فاز بالعلم والأدب

والله!

ما أرانا إلا نعيش حُمرة الشفق التي تقودنا بالرغم منا للغاسق إذا وقب، لنُحشر في ظلمة الليل البهيم الأليل بلا دليل...

وهل أطل زمان الغربة والكربة الذي أخبر به نبيُّ الرحمة والملحمة صلى الله عليه وسلم ليرتفع فيه الرِّمم فوق القمم، ويعلو الوضعاء فوق مراتب الشرفاء؟!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ» (صحيح ابن ماجة: [3277]).

وعن عبد الله بن عمرو و أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ أشراطِ الساعَةِ الفحشُ ، والتفحشُ ، وقطيعةُ الرَّحِمِ ، وتخوينُ الأمينِ ، وائتمانُ الخائِنِ» (صحيح الجامع: [5894]).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن ترفع الأشرارُ ، وتوضع الأخيار ، ويُفتح القولُ ، ويُخزن العملُ» (جزء من حديث السلسة الصحيحة: [2821]).

وعن أبي أمية الجمحي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من أشراطِ الساعةِ أن يُلتمسَ العِلمُ عند الأصاغرِ» ( السلسلة الصحيحة: [695]).

فيا نفس موتي فقد جدَّ الأسى موتي، فهذا زمان التُّحوت!!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ ! لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَظْهَرَ الفُحْشُ والبُخْلُ ، ويُخَوَّنَ الأَمِينُ ، ويُؤْتَمَنَ الخَائِنُ ، ويَهْلِكَ الوُعُولُ ، وتَظْهَرَ التَّحُوتُ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ! وما الوُعُولُ وما التَّحُوتُ ؟ قال : الوُعُولُ : وجُوهُ الناسِ وأَشْرَافُهُمْ ، والتَّحُوتُ : الذينَ كَانُوا تَحْتَ أَقْدَامِ الناسِ لا يُعْلَمُ بِهمْ»  (السلسلة الصحيحة: [3211]).

فهل ستترك الميدان لجند الشيطان؟!

وهل ستركن للخمول والدَّعة في زمن المعمعة؟!

يا صاحب الهمَّة!

هذا أوان المدافعة، فالحجة الباهتة لا يدحضها إلا حجة ثابتة، والفكر الهادم لا يمحوه إلا فكر بنَّاء، والمرض الفتَّاك لا يعالجه إلا دواء ناجعٌ وبلسم نافع، ومن رضي بالمهادنة في زمن المجالدة، فليبك على حياته، فإنه في سجل الأموات مرقوم!

ومن يُثـني الأصاغرُ عن مرادٍ *** وقد جلس الكابرُ في الزوايا
وإنَّ ترفُّـعَ الوضـعـاءِ يومـاً *** على الرُّفعاء من إحدى البلايا
إذا اسـتوتِ الأسـافل والأعالي*** فـقـد طابت مُنادَمةُ المنايا