بل المسلمون هم أهل مصر وأصحاب ديارها

لقد قال التاريخ أن المصريين أنفسهم هم الذين أعانوا عمرًا وجنده فيسروا لهم الأمر، وطّأوا النجاد وأصلحوا الوهاد؛ فمهدوا بين أيديهم الطريق إن المسلمين اليوم في مصر-وهم الأكثرية الكاثرة والأغلبية الساحقة- كانوا نصارى قبل بضعة عشر قرنًا، فأراد الله عز وجل أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام، فأقبلوا عليه طائعين مستبشرين لِما سمعوه خبرًا ذائعًا، ثم عاشوا فيه أثرًا واقعًا من عظمة عدالته وسمو شرعه وكمال عقيدته..

  • التصنيفات: التاريخ الإسلامي -

كلا بل المسلمون هم أهل مصر وأصحاب ديارها إلى القائل -ولقد قال مُنْكرًا من القول وزورًا- إن المسلمين في مصر ضيوف على النصارى منذ الفتح الإسلامي، أي ما يربو بأكثر من ثلث القرن على أربعة عشر قرنًا جرى بها الزمان؟! 

إلى ذلك القائل، أتوجه بهذه الكلمات: إِلامَ تسعى بهذا الإفك المبين؟! إلى حُظوةٍ عند السلطان؟! أم إلى منزلة لدى الرُّهبان؟! إنك تكرر ما يقوله طائفة من متعصبيهم، وأعانهم عليهم قوم آخرون من ضَعَفَة المسلمين، فإن قالوا ما قالوه فهل تقول مثل قولهم، وأنت في منصبك الذي وُضِعتَ فيه أمينًا على الدين الذي تزعم أن أهله ضيوف -مجرد ضيوف- يمكن أن يُخرجوا أو يطردوا في أي وقت يريد أهل الديار؟! 

فهل وعيت ذلك حين قولك الإِثْم، وهل أدركت الآثار التي يمكن أن تترتب عليه؟! ألا إن ترديدك لهذه الأكذوبة لهو قَلْبٌ لحقائق التاريخ؛ فضلًا عن كونه تحريفًا للكلم عن مواضعه! ذلك أن أصحاب كل أرض فُتِحتْ للإسلام صاروا جُزْءًا من أمته وخيوطًا في نسيجه؛ صهرهم في بُوتَقَتِه، وأظلهم بلوائه منذ فتحوا أرضهم لجنوده، وقلوبهم لعقيدته، فدخلوا مثل سائر الأمم والشعوب في دين الله أفواجًا ذلك –يا صاحب الفضيلة- هو الأثر النافذ الباقي للإسلام في قلوب من آمنوا به واتبعوا هداه آحادًا وجماعات! 

ألم تر إلى فاتح مصر؟ ألم تر إلى خالد بن الوليد؟ ألم تر إلى عكرمة بن أبي جهل وغيرهم من عظماء التاريخ؛ كيف تحولوا في الدين الجديد من صناديد جبارين للكفر، إلى أبطال مغاوير في الجهاد الإسلامي، يزدان بهم جبين الزمان وما كان المصريون قبل الإسلام وبعده إلا أمثلة من هؤلاء؟! غفلت عن هذه الحقيقة -وأنت تعلن ما تعلنه من الإفك- أم قد جهلت التاريخ وهو الشاهد العدل والناطق المبين؟! 

ولقد قال التاريخ أن المصريين أنفسهم هم الذين أعانوا عمرًا وجنده فيسروا لهم الأمر، وطّأوا النجاد وأصلحوا الوهاد؛ فمهدوا بين أيديهم الطريق إن المسلمين اليوم في مصر-وهم الأكثرية الكاثرة والأغلبية الساحقة- كانوا نصارى قبل بضعة عشر قرنًا، فأراد الله عز وجل أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام، فأقبلوا عليه طائعين مستبشرين لِما سمعوه خبرًا ذائعًا، ثم عاشوا فيه أثرًا واقعًا من عظمة عدالته وسمو شرعه وكمال عقيدته، إن أباطرة النصارى وكبراءهم لم يصرحوا بما أعلنته أنت! لأنه -وإن وافق هواهم- يناقض ما يعلمونه جيدًا من حقائق التاريخ. 

وإنما قاله شرذمة قليلون من متعصبيهم وأحداثهم مع بضعة نفر تصاغرت عظمة الإسلام في قلوبهم من المنتسبين إليه بأسمائهم وشهادات ميلادهم، ثم تأتي فتقول مثل قولهم -وأنت بحكم منصبك- مسئول عن جلاء حقيقة الدين العظيم وإعلاء كلمته فيما جعله رب العالمين لها من مكانة عليّة بما أنه الدين الخاتم، فينبغي أن يكون الدين الأعظم والأكمل والأتم، وأن ذلك من عند الله عز وجل وحده: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة من الآية:3]، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. 

أفلا تقرأ القرآن؟! وإن كنت تقرأه، أفلا تؤمن به؟! على أن هذا لا صلة له بتلك الشعارات الهلامية التي تملأ فضاء بلادنا صخبًا فارغًا وضجيجًا باطلًا: من نحو: (كراهة الآخر ورفض الآخر.. إلخ) لأن المؤمنين بالإسلام يعلمون علم اليقين أن ربهم سبحانه يأمرهم بالتي هي أحسن مع غيرهم في جدالهم أو في معاملتهم وحفظ حقوقهم، والعدل معهم في آيات محكمات نزل بها الروح الآمين على قلب سيد البشر أجمعين باللسان العربي المبين: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة من الآية:8]، فحفظ حق العدو فريضة إسلامية جعلها ذلك الدين الأعظم أثرا لتقوى الله وثمرة من ثمراتها، ثم كانت الخاتمة تحذيرًا يتوعد من يحتال على ذلك أو يتفلت منه {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة من الآية:8]. 

فهل عرف تاريخ البشر درجة ترقى إلى ذلك أو تدنو منه؟! 
الحقُّ أنْ لم يعرف ولكن يبدو أنك –يا فضيلة الوكيل- قد جهلت ذلك أو تجاهلته حين رفعت عقيرتك بذلك التضليل المقبوح، المردود الذي يقتضي أن ملايين من المسلمين في باكستان والهند وإندونيسيا وبنجلاديش، وسائر الأقطار الإسلامية الكبرى، أن هؤلاء جميعًا ضيوف على الهندوس والبوذيين وغيرهم من أصحاب الديانات والمعتقدات التي كانت سائدة في هذه الأقطار يوم فتحها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وما قال بذلك أحد وما ينبغي له.. 

وبعد: فإني لا أحاور شخصك لأني لا أستغرب صدور الكلام عنك، فضلًا عن يقيني بأنك لست أول قائل ولن تكون الآخر، ولكني خشيت أن يؤدي (منصبك) إلى انخداع الأغرار، وفقراء الفِكَر، وقُصراء النظر برأيك فيحسبون أنه الحق وهو الباطل، أو الهدى وهو الضلال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُون} [يونس من الآية:32].

أ.د. فتحي جمعة
أستاذ متفرغ بدار العلوم.
خبير بمجمع اللغة العربية درس بعدد من الجامعات بمصر والسعودية والباكستان. 

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام