العيد ووحدة المسلمين

هل سيعود العيد كما كان سبيلًا لوحدة المسلمين، وطريقًا لتعاونهم وتآزرهم، ومنهجًا لاجتماعهم وتآلفهم؟.

  • التصنيفات: أعمال القلوب - مناسبات دورية -

يحل بنا يوم عيد الفطر، يوم يفرح فيه المسلمون بأن أتم عليهم نعمة صيام شهر رمضان. شهر الخير والبركات، واليمن والمسرات. شهر صيم فيه النهار، وقيم فيه الليل، وجأر فيه الناس لرب العالمين بالدعاء والضراعة، أن يقضي حاجتهم، ويحقق مبتغاهم، ويزيل همومهم، وينفس كروبهم، ويحقق وحدتهم، وينصرهم على أعدائهم.

العيد عندنا ارتباط للعبد بربه، ليس فقط مناسبة للفرح والبهجة، والتوسع في الدنيا من مأكل ومشرب وملبس، وإنما تتويجًا لعبادة دينية: الصوم في الفطر، والحج في الأضحى. عيد شرعي يثاب عليه، ويتقرب به إلى الله عز وجل، لأنه عيد التزاور، والتراحم، وإغناء الفقير، وإدخال السرور على المعوز والمحتاج، وإشراكهما في الفرحة والحبور. عيد تفريج هم المهمومين، وتنفيس كرب المكروبين، ومسح حزن المحزونين، والتيسير على المعسرين، وفتح باب الأمل أمام الفقراء المحتاجين.

العيد رمز لوحدة المسلمين وتماسكهم وتعاطفهم، فيه يصلى العيد، فيجتمع الفقير والغني، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، يقفون موقف الشكر والحمد لصاحب النعمة سبحانه، {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185]، يحققون مبدأ التعاضد والتلاحم، جسدًا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص، يجتمعون على التكبير، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، وهذا ما يغيظ أعداء توحيد المسلمين، ويؤجج صدورهم حقدًا وحسدًا، {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109].

يحاربون وحدتنا، لأن ديننا دين سلام ووئام، دين اجتماع وائتلاف {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208]. دين يريد أن يجعل من المسلمين كيانًا واحدًا، لا غالب فيه ولا مغلوب، لا تطرف فيه ولا ميوعة، دين الوسطية الحقة، التي توزن فيها الأمور بميزان الشرع، لا بميزان العقول والأهواء، والتيارات والتوجهات، والطائفيات والعرقيات. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على مثل البيضاء، ليلِها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» (صحيح الترغيب). ويقول صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض» (الموطأ).

إنهم يبغونها فتنة عارمة، تأتي على الأخضر واليابس، تُشعَل فيها فتائل الحروب، وتَتَوقد فيها نيران الأحقاد والتارات، تحقيقًا للتدخل في شؤون المسلمين، والظهور بمظهر الحامي المدافع المحتاج إليه، وترويجًا للأسلحة، التي بلغت مبيعاتها من طرف أكبر 100 شركة مصنِّعة للسلاح في العالم -عدا الصين- قرابة 400 مليار دولار عام 2012.

كيف لا يحاربون وحدة الإسلام وقد أشعلوا في مطلع القرن الواحد والعشرين 18 حربًا نظامية، حصدت أرواح أكثر من 350 ألف شخص، وخلفت أكثر من مليون جريح، مع امتلاك قرابة 30 ألف رأس نووي، كفيلة بتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، بعد أن قتلت الحروب ما بين 1907 و2007 أزيد من 250 مليون شخص، بعد أن سَخَّروا لخدمة هذه الحروب 50 مليون شخص، كل حسب اختصاصه، من بينهم 500 ألف عالم، وفني، ومهندس، وخبير. والله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].

ويحاربون وحدة الإسلام لأنه دين حَسَنِ الأخلاق، وجميل الآداب، ورفيع المعاملات، «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ» (صحيح الأدب المفرد)، وهم يريدونها إفسادًا في الأرض، وتمكينًا للأخلاق الهابطة، والآداب المشينة، لأن فيها تأسيسًا لعدم الاستقرار في بلاد المسلمين، وترويجًا للمخدرات والمسكرات، التي تجني منها الدول المناوئة أرباحًا خيالية، وما يستتبعها من فن ساقط، ورقص صاخب، وغناء فاحش، يقوده مجموعة من الفنانين العالميين معظمهم من المدمنين المعربدين، وكذلك الترويج للأفلام العالمية التي غالبًا ما تربط البطولة بالخمر والسيجارة والمخدرات.

فكيف يمكن للغرب أن يرضى بدين يحرم تجارة خبيثة (المخدرات)، حجمها العالمي تجاوز 800 مليار دولار سنويًا، أي أزيد من 8% من حجم التجارة العالمية، محتلة بذلك المرتبة الثالثة في العالم بعد تجارة السلاح والدواء، ومتفوقة على تجارة النفط. حتى إنه يوجد في فرنسا -مثلًا- خمارة لكل 67 شخصا، و10% من سكانها يتعيشون من إنتاج المشروبات الكحولية وتسويقها؟.

ويحاربون وحدة الإسلام لأنه دين العفاف، ودين الطهر، لا يقبل علاقة بين رجل وامرأة إلا بعقد شرعي، يشهده الناس، ويشتهر بينهم، دفعًا لكل ريبة أو شبهة. أما هم، فيبغونها تجارة جنس عالمية، تديرها شبكة الأنترنت، التي تدر لوحدها أرباحًا تقارب 3 ملايير دولار سنويًا في بلد غربي واحد، مع ما تحمله هذه التجارة من قتل للعفاف، ومحق للطهارة، حتى إن 25 %من عمليات البحث في الإنترنت تدور حول كلمة "جنس"، أفلا يغيظهم دين يجرم الفساد، ويحرم الشذوذ، ويعاقب بالرجم عن الخيانة الزوجية؟

ويحاربون وحدة الإسلام لأنه وسط عدل، يواجه الغلو، ويستنكر التشدد، ويزري بالتنطع حتى في التدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» (صحيح الجامع). وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا» (البخاري)، ثم عمم وقال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (صحيح سنن ابن ماجة).

أما هم، فيبغونها شرقية أو غربية، يمينية أو يسارية، إما أن تكون معهم، أو لا تكون، لا ولاء إلا لفكرهم، ولا إيمان إلا بعقيدتهم، ولا منهج إلا ما ابتكره قصور عقولهم، وأنتجه زيغ اجتهاداتهم، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120].

ويغيظهم توحيد المسلمين في رمضان، لأنه يعود المسلمين عظيم الارتباط بربهم، صيامًا، وقيامًا، ودعاء، وشديد تعلقهم بأوامر نبيهم صلى الله عليه وسلم، الذي علمهم أن رمضان مدرسة الجود والعطاء، مدرسة التعاون والتآزر، مدرسة الزهد والتقلل، مدرسة الصبر والتحمل، وهم يريدوننا كسالى متوانين، متنافرين متخاصمين، بخلاء مانعين، جشعين نهمين، ضجرين قلقين.

فهل سيعود العيد كما كان سبيلًا لوحدة المسلمين، وطريقًا لتعاونهم وتآزرهم، ومنهجًا لاجتماعهم وتآلفهم؟

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية، ازداد كماله، وعلت درجته. ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم".

 

محمد ويلالي