[9] وحده مالك دوائه

- إذا كنت تعاني الكآبة والحزن واليأس والجزع، فهل تملك قوى الأرض جميعاً أن تغيِّر من ذلك مثقال ذرة؟!
- إذا حيزت لك الدنيا بحذافيرها وصارت تحت أقدامك؛ لكن امتلأ قلبك كمداً وغماً فهل تهنأ من دنياك بشيء؟!
- إذا غرق قلب في الشك والشبهات والزيغ والرِّيَب؛ فهل يملك نزع ذلك المرض من صدرك أحد من أهل الدنيا ما لم يشأ ربك؟!

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

قال تعالى {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]، هذه الآية تصف حال نفر من المنافقين امتلأت قلوبهم غيظاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علوه ونصره، فقال الله لهم: إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة؛ فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله لن يفعل ويغيظه أن يظفر نبينا بموعود الله له؛ فليستقص وسعه وليستفرغ جهده في إزالة ما في قلبه من غيظ بأن يفعل أقصى ما يستطيع فعله، ولو كان ذلك أن يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مدَّ حبلاً إلى سماء بيته فشنق به نفسه، فإنه وإن فعل ذلك فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ، كلا والله فلن يذهب غيظه ولن يزول مرضه إلا أن يشاء الله ، فالله وحده هو شافي الصدور ورافع وحر القلوب.

والمعنى: 
- إذا كنت تعاني الكآبة والحزن واليأس والجزع، فهل تملك قوى الأرض جميعاً أن تغيِّر من ذلك مثقال ذرة؟!
- إذا حيزت لك الدنيا بحذافيرها وصارت تحت أقدامك؛ لكن امتلأ قلبك كمداً وغماً فهل تهنأ من دنياك بشيء؟! 
- إذا غرق قلب في الشك والشبهات والزيغ والرِّيَب؛ فهل يملك نزع ذلك المرض من صدرك أحد من أهل الدنيا ما لم يشأ ربك؟! 
- إذا رأيت نعيم الدنيا مقبلاً على غيرك ومُعرِضا عنك، فممدت عينيك حسداً ولسانك حقداً وقلبك غلاً، فهل يملك تطهيرك مما أنت فيه أحد غير الله؟!
- إذا أحب قلبك شهوة وأُشرِبها ومال إلى خطيئة وعشقها، فهل يملك أن يعدل قلبك المنكوس ويحيي فطرتك السليمة أحد سوى خالقه؟!
- إذا كره قلبك طاعة واستثقلها وملَّ المداومة عليها حتى كاد أن ينقطع، فهل يملك أحد أن يحبِّبك فيها ويدنيك منها سوى الذي حبب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا؟! 

هذا ما أدركه مطرف بن عبد الله [ت:95] حين انخلع من رؤية عمله واعترف بقمة عجزه وغاية ضعفه وردَّ الفضل كل الفضل إلى الله وحده حين قال: "لو أُخرِج قلبي فجُعِل في يدي هذه في اليسار، وجيء بالخير فجُعِل في هذه اليمنى، ثم قُرِّبت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئاً حتى يكون الله عز وجل يضعه". 

إلى كل مريض
يستطيع الإنسان أن يحرِّك رجله إن أراد أو يهوي بيده أو يرفعها، لكن هل يستطيع أن يفعل ذلك مع قلبه؟! كلا والله.. فكيف تتعامل مع قلب لا سلطان لك عليه بل لا سلطان عليه إلا لله، ولا معرفة لك بأسراره وكنهه بل لا يعرف ذلك إلا الله؟! ألا فليعلم كل من أراد علاج قلبه اليوم دون الاستعانة بربه أنه لن يزداد إلا مرضاً، ألا وقل لطالبي الشفاء من عند غير الله: يا عظم خسرانكم، ألا قل للواقفين بغير بابه: يا طول هوانكم، ألا قل للمؤمِّلين لغير فضله: يا خيبة آملكم، ألا قل للعاملين عند غيره: يا ضلال سعيكم.

من الذي يستطيع أن يحول بينك وبين الدواء، ويمنع عنك الطاعة؟! ومن الذي يُبدِّل الأمن خوفاً والجبن جرأة؟! ومن الذي يقلب الكره حباً والحب كرها؟!

أخي.. دواؤك عنده فلا تلتمسه عند غيره، وشفاؤك بيده فلا تُتعِب الأطباء معك، وإن من شيء إلا عنده خزائنه؛ وأنت تائه على أبواب الفقراء تتسول!!