التشاديون واللغة العربية

مع ازدياد حركة الهِجرات العربيَّة، وأثر الإسلام منذُ وقت مُبكِّر، عَرفت منطقةُ حوض بحيرة تشاد اللُّغةَ العربية، وتَعزَّزتْ هذه المعرفة إثرَ تحول مملكة كانم من الوثنيَّة إلى الإسلام، واتَّخذت العربيةَ لسانًا رسميًّا في مختلف مناحي الحياة، فغدَتِ العربيةُ بذلك لغةَ الحُكم والسياسات والمعاهدات الدوليَّة، ولغة الإدارة والاقتصاد، مثلما هي لُغة العِلم والثقافة والفنون، فضلاً عن كونها لُغةَ المعاملات التجارية.

  • التصنيفات: اللغة العربية -

مع ازدياد حركة الهِجرات العربيَّة، وأثر الإسلام منذُ وقت مُبكِّر، عَرفت منطقةُ حوض بحيرة تشاد اللُّغةَ العربية، وتَعزَّزتْ هذه المعرفة إثرَ تحول مملكة كانم من الوثنيَّة إلى الإسلام، واتَّخذت العربيةَ لسانًا رسميًّا في مختلف مناحي الحياة، فغدَتِ العربيةُ بذلك لغةَ الحُكم والسياسات والمعاهدات الدوليَّة، ولغة الإدارة والاقتصاد، مثلما هي لُغة العِلم والثقافة والفنون، فضلاً عن كونها لُغةَ المعاملات التجارية.
 
وقد استطاعتِ اللُّغة العربية أن تلبِّيَ حاجاتِ المجتمع التشادي منذ تلك الفترة المبكِّرة، واستطاعت أن تحفظ للشَّعب التِّشادي المسلم تاريخَه وتراثَه، بحيث غدَا تراثُ مملكة كانم برنو والممالك الإسلاميَّة الأخرى كله مدوَّنًا باللُّغة العربية.
 
وليس أدلُّ على ذلك ممَّا خلفه الفقهاءُ والأدباء والشُّعراء التشاديون مِن تُراثٍ راقٍ، عُرِف منذ النصف الثاني من القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجريين (النصف الثاني من القرن الثاني عشر، وبداية القرن الثالث عشر الميلاديين)، ومن ذلك ما خلَّفه عددٌ من الفقهاء والأدباء والشُّعراء؛ منهم: العلامة التشادي الشيخ عبدالحق بن يعقوب تشادي، صاحب كتاب "تبصرة الحيران مِن هَوْل فتن الزمان"، والذي يتميَّز - كما ذكر الأستاذ بدى بن أحمد سالم الشنقيطي، رئيس قطاع النَّشْر بالمعهد التربوي الوطني بموريتانيا - برصانةِ الأسلوب، ودقَّة التَّعبير، ووضوح الأفكار، والتعمُّق في فَهْم نواميس اللُّغة العربية، وسَعة الاطلاع على مباحثها، سواء تعلَّق الأمرُ بمبناها أم معناها، فهو بذلك يُنبئ عن ثقافة عربيَّة إسلاميَّة أصيلة راقية لبلد يجهلُ كثيرٌ من العرب والمسلمين حاضِرَه وماضيَه.
 
الشاعر الأسود:
هذا في مجال الفِقه، أمَّا في مجال الأدب والشِّعر، فنذكر هذا الشاعر التشاديَّ إبراهيم الكانمي، الذي عرفتْه بلادُ المغرب والأندلس، واشتهر فيها باسم الشاعر الأسود، وقد مكَّنتْه هِجرتُه وفصاحته وبلاغته من أن يجدَ مكانَه في مؤلَّفات المؤرِّخين والأدباء العرب، ومِن أن يُصبح جزءًا من تاريخ الأدب العربي في المغرب والأندلس منذ ذلك الزَّمان.
 
وفي هذا الصَّدَد يقول الأديب المغربي المعروف محمد بن شريفة: إنَّ لإبراهيم الكانمي شِعرًا كثيرًا في المدح وأغراض أخرى، غير أنَّه لم يَطرُقْ بابَ الهِجاء الذي كان ينفر منه، ولكن للأسف ضاع معظمُه.
 
والمتتبِّع لشِعر إبراهيم الكانمي يجد أنَّ أميزَ ما وصل إلينا من شِعره في هذا المجال: مدحُه لأمير المؤمنين يعقوب المنصور بن يوسف من أمراء الموحِّدين، ويقول فيه:

أَزَالَ حِجَابَهُ عَنِّي وَعَيْنِي *** تَرَاهُ مِنَ الْمَهَابَةِ فِي حِجَابِ 
وَقَرَّبَنِي تَفَضُّلُهُ وَلَكِنْ *** بَعُدْتُ مَهَابَةً عِنْدَ اقْتِرَابِي 
 

وقال ابن الأبار: كان أبو زيد الفازازي يُفضِّل شِعرَ إبراهيم الكانمي على شُعراء عصره بهذين البيتين:

أَفِي الْمَوْتِ شَكٌّ يَا أَخِي وَهْوَ بُرْهَانُ *** فَفِيمَ هُجُوعُ الْخَلْقِ وَالْمَوْتُ يَقْظَانُ 
أَتَسْلُو سُلُوَّ الطَّيْرِ تَلْقُطُ حَبَّهَا *** وَفِي الْأَرْضِ أَشْرَاكٌ وَفِي الْجَوِّ عُقْبَانُ

ولَمَّا كان شاعرُنا إبراهيم الكانمي التشاديُّ بهذه الدرجة من الجودة، بحيث يُفضِّله بعضُ الأدباء على شعراء عصره، ويصفُه بعضُهم بأنَّه شاعر محسن، وطبقت شهرتُه الآفاقَ من المغرب العربي إلى المشرق العربي، فإنَّ هذا ليؤكِّد أنَّ إبراهيم الكانمي لم يكن حالةً نادرة فريدة في التاريخ الثقافي في بلاده، فقد ظَهَر مِن بعده عددٌ مِن الشعراء التشاديين في مراحلَ مختلفة؛ منهم: الشيخ محمد الوالي بن سليمان الباقرمي، والشيخ محمد الأمين الكانمي، والشيخ أحمد الحبو، والشيخ يعقوب أبو كويسة في سَلطنة وادي، إلى غيرهم من الشُّعراء الذين كان لهم دَورٌ كبير في يقظة الشِّعر العربي في تشاد، وربطه بحواضِرِ العالَم الإسلامي، وهي المرحلة التي استجاد فيها الأداء الفنِّي أكثرَ مِن ذي قبل، واتَّسعت أغراض الشِّعر، وظهر لبعضهم دواوينُ شِعر مخطوطة؛ مثل: ديوان الشيخ الطاهر بن التلبي، وديوان شِعر مفقود في مدح الرسول -صلى الله عليه وسلم- للشيخ عبدالحق السنوسي.
 
التعليم في البلاد العربية:
إنَّ الشِّعر العربي في تشاد في عصرنا الحالي لو وَجد طريقَه لحواضر العالَم العربي، لمثَّل دعامةً أساسيَّة له، ولمنحِه شيئًا من التميُّز والرقي، خاصَّة أنَّ عددًا من العوامل المتمِّمة ساهمتْ في تكوين شعراء الجيل الحالي في تشاد، منها: أنَّ كثيرًا من هؤلاء الشُّعراء والأدباء التشاديين قد تربَّوا في البوادي على حِفْظ القرآن الكريم، والاهتمام به، ثم تلقَّوْا قدرًا من التعليم في البلاد العربيَّة: مصر والعراق، والسودان والمملكة العربية السعودية، وليبيا والمغرب والجزائر، وهذا ما مكَّن الجيلَ الجديد من الاتصال بحركات التجديد في الأدب العربي وبشِعر المحافظين، وحاول جاهدًا أن يَنظُم - وَفقًا لخبراته المعرفية، وقدراته الفنيَّة - شِعرًا يُشابه شعرَ النهضة الحديثة، ممزوجًا بنكهة خاصَّة من تراث عريق خلَّفته الممالك الإسلاميَّة في السُّودان الأوسط.
 
ومِن هنا؛ فإنَّ ارتباط الإنسان التشادي باللُّغة العربية أصبح ارتباطًا وثيقًا عريقًا، خصوصًا أنَّ استخدامَها كان يُعتبر في فترة من الفترات تعبيرًا أصيلاً عن المقاومة الثقافيَّة للاستعمار في هذه الجبهة، فضلاً عن كونِها أضحتْ وسيلةً للحفاظ على الشخصية التشاديَّة في وقتنا الحاضر، ومميِّزًا لها؛ لذا فإنَّ الندوةَ العِلميَّة التي نظمتها جامعةُ الملك فيصل في تشاد مؤخَّرًا، بالتعاون مع رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ومركز رسائل النُّور بتركيا، عن "عالميَّة الأدب الإسلامي وترجمته للغات الحية" - لم تكن استثناءً، ولا أمرًا مستغَربًا؛ بسبب ما أشرْنا إليه سابقًا من ارتباط تشاد بالعروبة والإسلام ولُغتِه الحية العميقة.
 
الندوة العلمية:
وممَّا يلفت النظرَ في هذه الندوة العِلمية: حضورُ عددٍ كبير من الباحثين والعُلماء المختصِّين من الجامعات، ومراكز البحث العِلمي في المملكة، ومصر وسوريا، والسُّودان وليبيا، وتركيا ونيجيريا، فضلاً عن الباحثين والأساتذة التشاديِّين.
 
ويبدو أنَّ التشاديين كانوا يُدركون أهميَّة هذه الندوةِ العِلميَّة، فعملتْ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بجمهورية تشاد على رعايتها، فقد شارك الدكتور آدم قميسو - وزيرُ التعليم العالي - مشاركةً فاعِلة في أعمالها، كما سخَّرت جامعة الملك فيصل في تشاد - وهي الجامعة المَعنِيَّة بهذه التظاهرة الثقافية والعِلمية - جهودَها لإنجاح الندوة، فكان اهتمامُ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن عمر الماحي رئيس الجامعة، وأعضاء هيئة التدريس فيها - منصبًّا على ضرورة مشاركة أكبرِ عددٍ مِن المهتمِّين والمثقَّفِين التشاديِّين في هذا المنتدى العلمي، فحضر المناسبة رئيسُ البرلمان التشادي محمَّد حسين، وعددٌ من النوَّاب والسُّفراء والأكاديميِّين، والمهتمِّين بشؤون الأدب والفِكر في تشاد.
 
ودارتِ البحوثُ المقدَّمة خلالَ الأيَّام الثلاثة حولَ محاور أساسية: هي عالمية الأدب الإسلامي وترجمته للغات الحية، والأدب العربي الإسلامي في تشاد، والأدب الإسلامي في رسائل النُّور لبديع الزمان سعيد النورسي، قدَّمَها عددٌ مِن كِبار العلماء والباحثين والدارسين من مصر وسوريا وليبيا، وتركيا والسودان، ونيجيريا وتشاد.
 
وسمحتِ البُحوث التي قدَّمها المشارِكون التشاديون عن تراث الأدب الإسلامي التشادي، بمعرفة ما تَزخَر به تشاد من إبداعٍ أدبي وفنِّي باللُّغة العربية، يُثبت أصالةَ اللُّغة العربيَّة في هذا البلد الإسلامي الإفريقي.
 
وقد خلصتِ الندوة إلى توصيَّات تدعو فيها إلى عَقْدِ الندوات التي تُساهم في تعميق الأدب الإسلامي وتَبنِّيه، وإدخاله في مناهج الدِّراسة، والاهتمام بأدب الطِّفل، وترجمة الأدب الإسلامي إلى اللُّغات الحية، والاهتمام بالأدب الإسلامي عندَ الشُّعوب الإسلاميَّة، والشُّعوب الإفريقيَّة، والاهتمام بالأدب العربي الإسلامي التشادي بطباعة نِتاج كِبار أدبائه، والتعريف بهم وتشجيع المرأة التشاديَّة على الكِتابة والإبداع. كما أوصى المؤتَمِرون بضرورة إقامة الندوات، وإجراء الدِّراسات حولَ رسائل النُّور لبديع الزمان سعيد النورسي.
 
ويَجدرُ أن نُشيرَ في هذا المقال، إلى أنَّ جامعة الملك فيصل بتشاد تعمل منذُ تأسيسها عام 1991م، على نفْضِ الغُبار عن التراث الإسلامي وآدابه، وإقامة التواصُل بين تشاد والعالَم الإسلامي، وبَذلتْ في ذلك جهودًا مقدَّرة؛ منها: جهود الجامعة خلالَ السنوات العشر الماضية في مجال تأطير منهجيٍّ لمادَّة الأدب العربي التشادي، وإدراجها ضِمنَ المقرَّرات الدراسيَّة في الجامعات التشاديَّة، وتكوين فرْع لرابطة الأدب الإسلامي العالميَّة بتشاد، الْتحق بعضويته نحوُ خمسين شاعرًا وأديبًا تشاديًّا، يمثِّلون الطليعة المثقَّفة الواعية المهتمَّة بالثقافة العربيَّة والإسلاميَّة في تلك البلاد.

 

ربيع محمد الحاج