الفضائيات السلفية المصرية لنا أم علينا؟!

محمد جلال القصاص

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -
الفضائيات السلفية المصرية لنا أم علينا؟!


بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

منذ دخل الفرنسيون مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ومصر في حالة صحوة إسلامية، بدأت بشباب الأزهر يقودهم عمر مكرم، وكانت أول ثمار هذه الصحوة المباركة طرد المحتل الفرنسي من البلاد، ثم صارت الصحوة الإسلامية في طريقٍ موحشٍ كثير الهوام وكثير الأكمنة، فاصطدمت بالمستشرقين، ونصارى الشام ومصر، ومخرجات البعثات المصرية للدول الأوروبية، والإنجليز المحتلين، والخارجين من الصف الإسلامي كمحمد عبده، ثم بإفرازاتهم من الوطنين والعلمانيين.

والصحوة تَجِدُّ السير حيناً وتنكفئ حيناً آخر، وتصارع هذا حيناً وتصارع ذاك حيناً آخر، حتى يَسَّر الله لها أن تتعرف على منهج السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ ودفعت الصحوة ثمناً غالياً من وقتها وجهدها وأبنائها حتى اهتدت إلى هدي السلف الصالح رضوان الله عليهم.

وكانت الحرب ـ على الصحوة ـ في كل مرة تأخذ محورين، وتدور رحاها على الطيبين بفريقين؛ فمحورُ جدالٍ ومحورُ قتالٍ.. محورٌ في الفكر، يحاربون العقول.. ومحورٌ على الأبدان يأسرون ويعذبون، وتدور رحاها على الطيبين بفريقٍ من الكافرين وفريقٍ من المنافقين.. فريق من الخارج وفريق من الداخل.

وتختلف أشكال وأفراد المواجهة باختلاف المكان والزمان، إلا أنها في كل مرة على هذين المحورين بهذين الفريقين في كل مرة.

وإلى عهد قريب، وكل ما هو صحوي ومَن هو صحوي يلازمه الخوف، وخاصة أهل اللحية والثياب الأبيض.

واليوم أهل اللحية والثياب والأبيض في الفضائيات، يتحدثون للناس، ونسائهم بالحجاب في الشوارع والطرقات يجاهرون بشعائرهم.

ما الذي حدث؟
مُكِّنَت الصحوة؟
خرج جيل من المخلصين الجادين فمكَّن لهم رب العالمين؟!

لا، لم يحدث شيء من هذا، فلم تضع الحرب أوزارها، لا زالت مستعرة في ساحتيها.. لا زالوا يرموننا بالشبهات، ولا زالت السياط لمن لا ذنب لهم إلا أن قالوا ربنا الله. بل يزداد الأمر سوءاً إذا نظرنا إلى مجاهرة (الآخر) ـ من الكافرين والمنافقين ـ بمحاربة الدين والتطاول على سيد الأولين والآخرين والدعوة إلى الكفر من عباد الصليب.

إن المشهد الموجود في الفضائيات صغير جداً، أو محدود جداً، وليس هو كل الواقع، وإن للواقع قراءة أخرى، نقدمها في هذه السطور.

الفضائيات الإسلامية عموماً والمصرية خصوصاً نوع من المصالحة المؤقتة مع الواقع المخالف، أو تفريغ للجهد العالي، أو دوامة افتعلت لإيقاف مد الصحوة الإسلامية.

يتضح ذلك بأمور:
الأول: عرض السياق العام الذي ظهرت فيه الفضائيات الإسلامية.

الثاني: استوضاح الأهداف التي تتحرك لها الفضائيات.

الثالث: نظرة على ما جنينا من الفضائيات الإسلامية السلفية المصرية تحديداً.


أولاً: السياق العام الذي ظهرت فيه الفضائيات.

ما لا ينكره متابع أن العلمانية جاءت البلاد على ظهر الاحتلال، وظلت ممكنة حتى انتهى الاحتلال، وأن القومية العربية (بنت العلمانية التغريبية) قَدَّمت كل ما عندها وفشلت في تحقيق شيء من أهدافها، بل لم يكن لها هدف سوى حرب الإسلام، ولو كانت ذات قيم ومبادئ لقدمت شيئاً للناس يستمسكون به. ولم يبق لنا منها إلا حثالة من البشر لا يقدمون سوى الرديء الوضيع، قولاً وفعلاً، فهم أولائي اليوم يفخرون باللواط، ويقدمون الساقطين والساقطات، وتلك أفكارهم وحضارتهم تهدم البيوت وتقتل الشيب والشباب في فلسطين والأفغان والصومال والعراق.

بعد فشل ما ليس بإسلامي، وبعد سقوط عامة (الرسميين) من المنتسبين للمؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) في أعين الناس، ومع صمود الصحوة الإسلامية وانتشارها، وعدم ذوبانها مع استعمال أقسى الأساليب للرد أو التذويب، ومع تطورها، واجتماع عامتها على رفض الموجود (بغض النظر عن الحكم عليه)، كان لابد من دوامة جديدة توقف الصحوة عن المسير قليلاً، فكانت الفضائيات الإسلامية.

أعرف أنه لم يحدث اتفاق بين الشيوخ وبين (الآخر) من الكافرين أو المنافقين، وإنما طريقة التعامل من قبل المجرمين ثابتة لا تتغير، وهي وحدها ـ بتقدير الله ـ التي أفرزت الفضائيات بشكلها الحالي!!

طريقتهم أن يتم الضغط على العاملين للدين، وخاصة قيادات العمل الدعوي، فهؤلاء الكرام الذين في الفضائيات ليسوا هم الصحوة الإسلامية السلفية المصرية، أبداً، بل جزء منها، جزء دخل في مساومة حقيقية أو ضمنية...

إن ظهور القنوات الفضائية السلفية المصرية، أو ظهور بعض شيوخ الدعوة السلفية في مصر يخاطبون الناس على مساحة واسعة، ليس انتصاراً للصحوة الإسلامية، فما زالت الحرب على أشدها في مصر وغير مصر، مازالت الحرب على أشهدها مع الفريقين.. المجرمين والمنافقين.. وعلى ذات المحورين في الأفكار والأبدان، وما الفضائيات إلا صورة من صور الصراع، ويتضح هذا من بيان الأمر الثاني.

ثانياً: استوضاح الأهداف التي تتحرك لها الفضائيات.

أو: نطرح سؤالاً توضيحياً: هل تتصدى القنوات الفضائية للمشاكل الدعوية القائمة؟

قضية فلسطين، وهي أهم القضايا الموجودة على الساحة، وحال الحرب، وهي أمس الحالات وأطلبها للوقوف، خرجت علينا القنوات الفضائية، تقول لا جهاد الآن إلا جهاد النفس، والميدان الآن ميدان النفس، والأمة لن تُنصر وهذا حالها.

مع أنها يوم جاءها التتر كانت حالهم حاله، .يقولون هذا والعدو بالديار بينه وبين هتك الأعراض وقتل الصغار والكبار عشية أو ضحاها، بل وخرج لنا لسان مرّ من شفة مفلوجة يقول ولاة مصر أعلم وأحكم وأقدر وأغير على الدين، وليس فقط بل ويسب العاملين للدين!!

وحين تسأل: يقال: ضغوط!!

يا قومنا!!
ضغوط؟؟!!
ستلقون الله، فأعدوا جواباً.

ولك أن تراجع حال مصر التي قصم الله بها ظهر التتار حين تولى قطز الحكم، في شهر صفر (الشهر الثاني من العام الهجير) كان الغلاء وكان الإقطاع وكان وكان، وفي شهر رمضان (الشهر التاسع من نفس العام) هزم الله التتار بهؤلاء. والأمثلة كثيرة يكفي هذا كشاهد هنا وإن اعترض علي معترض أرسلت له الشواهد تترا.

ويغيب عن قومناً أهم قضايانا، أهم ما رمي به هذا الدين منذ أرسل الله سيدَ الأولين والآخرين ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو التطاول على حبيبنا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

في مصر.. الأقباط.. القلة القليلة.. التي لا عدد ولا عتاد.. التي استعدت الدنيا كلها فليس لهم بين الأنام حبيب.. في ديارنا تتطاول هذه القلة القليلة على رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشريعة ربنا . وتدعوا الناس للكفر!!

وتسأل: أين قومنا؟، أين الفضائيات؟، أين السائرين على خطى الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ الداعين إلى سنته وسنة الراشدين المهديين من بعده؟!

تأتيك الإجابة بكلمة واحدة: خطٌّ أحمر!!... أنتم مثيري فتنة!!، هذا لسان مقالهم، ولسان حالهم لا شأن لنا بالحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولا بدعوة عباد الصليب!!

القوم موجهون، لا تخطئ عين هذه الحقيقة، ولا يماري عاقل فيها البتة. والقوم في غير ميدانهم، هذه حقيقة لا تخطئها عين، وأخف ما يمكن أن يقال هو أنهم يسيرون تحت ردود الأفعال.

ثالثاً: ثمرات القنوات الفضائية:

أو ماذا حصل بعد ظهور التيار السلفي في القنوات الفضائية؟

هونت الفضائياتُ الثقاتَ من شيوخنا الكرام، استرحلتهم من المساجد، وهي بيت الدعوة وحصنها، ثم زاحمتهم بما يسمى (الدعاة الجدد)، فهانت الفتوى في أعين الناس، وباتت السلفية متشددة، وأصبحت الخيارات ثنائية بين الدعاة الجدد ودعاة السلفية، وغاب عن الطرح أحاديث المنابر التي كنا نسمعها في التسعينيات من القرن الماضي بل:

بدأ بعضهم ينقلب على تلك الثوابت مستأنساً بما آل إليه الحال اليوم، فرأينا الآن من يريد تمرير بعض الأباطيل التي ما كان يجرؤ أحد على الحديث بها في غير مجلسه الخاص.. رأينا الآن من يريد أن يجعل الإرجاء عقيدة أنصار السنة المحمدية في مصر!!

وبدأت الصحافة تناوش الشيوخ بالتحدث عن الرفاهية التي يعيشون فيها، والأجور التي يتعاطونها، وتصدر سنوياً بياناً بدخلهم. وقد بدأت أعين الجماهير تدور حقداً وحسداً، وبدأ قوم من المنتفعين يركبون ذات الطريق وصولاً إلى المسكن الفسيح والظل الظليل والنساء والبنين، فصارت الدعوة مغنماً، وكانت مغرماً!!

ولذا تولد الآن في الساحة الفكرية ظاهرة جديدة، هي ظاهرة (شيوخ الاستديوهات)!!

يتم الآن إخراجنا من المساجد والاستيلاء عليها، ولن نستطيع العودة إليها.

يتم الآن تهوين الشيوخ، وتهوين الفتوى، وشرعنة (الدعاة الجدد)، وزحزحة القضايا الدعوية بعيداً عن الأهم، بل عن المهم. ويتم الآن طحن الجادين، وتقطيع جلودهم بسياط المجرمين!!

والفضائيات تنال ثمرة لا طعم لها ولا رائحة، وهي استجابة عوام الناس.. أو تأثرهم بخطاب الوعظ الفضائي، وهذا حقيقي، ويكبر في حسِّ جلهم، وهو محدود، ويذهب مع أول داعٍ إلى شيء آخر.

أهم ضالون فنهجرهم؟!
أبداً، ليسوا كذلك، بل هم كرام أفاضل.

إنهم يسيرون من طريق خلفي، يحسبون أنهم أذكى، وما دروا أنهم يعملون تحت أعين عدوهم، وأن عدوهم أقدر منهم.

يحسبون أنهم سيسبقون عدوهم إلى أهدافهم، إنهم يراهنون على الجماهير.

وتلك أمنية ضائعة...

الجماهير لا تحسم صراعاً، الجماهير بالنخبة، الجماهير قبل الثورة كانت كلها مع الخيار الإسلامي في مصر وفلسطين والجزائر والمغرب العربي والهند.. ثم كانت مع الخيار المعادي.. ذات الجماهير انتقلت بين عشية وضحاها، الخطاب الوعظي لحظي، ولا نقلل من أهميته، ولا يستمر أثره طويلاً إلا مع النخبة. والجماهير بطبعها تحب الدين كان فاسداً أم كان صالحاً، لذلك يجد المبتدعة جماهير عريضة فقط حين يحسنون التعبير عن أنفسهم، بل هم أكثر الناس شعبية.

لماذا تكلمت أنت وسكت الشيوخ؟

وهي حجة الجاهل الذي لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، يلقي بها في وجهنا، يحسب أنه يعرف كل شيء. الشيوخ يتكلمون ولا يُسمع لهم. اتخذ شيوخ الفضائيات مستشارين ممن لا يخالفونه واستدبروا إخوانهم، بل شيوخهم، فلسنا وحدنا مَن يتكلم.

هل الخيار فض القنوات الفضائية؟

لا أدعو لفض القنوات فهي وسيلة، فقط إلى ترشيدها، ندعو لأن يصمد الشيوخ لقضايا الأمة الرئيسية، وعلى رأسها تطاول النصارى على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلك أم المصائب أن يتطاول الأقزام الأراذل على أعز ما عندنا، وأن ندعى للكفر، ويكفر بالفعل بعض أبنائنا!!

ندعو لأن نكون حذرين من محاولات عزلنا عن حصننا الأول (المسجد).

ندعو لأن نكون حذرين من شرعنة (الدعاة الجدد) وما ينطوي عليه هذا الأمر من خطورة بالغة تنال ثوابتنا، مثل الحجاب، والاختلاط، بل والتوحيد حق الله على العبيد.

ندعو لأن نكون حذرين من تجربةٍ كالتي مررنا بها في العقد الثامن من القرن الماضي، حين سمح للإسلاميين أن يتنفسوا قليلاً، وبان بعد ذلك أنهم كانوا أداة في يد غيرهم.

ندعو لأن نكون حذرين في أن يحارب بعضنا بعضاً، بأن تتحول قضايا الفضائيات إلى قضايا داخلية، تناقش العمل السياسي (الإخوان أعني)، أو تناقش بعض التيارات السلفية. 









 
المصدر: طريق الإسلام