[29] التقوى - من هم المتقون؟

خالد أبو شادي

المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسمّاهم الله متقين، والمتقي أشد محاسبة لنفسه من محاسبة الشريك لشريكه، ولذلك يخلي جميع الذنوب ويتركها

  • التصنيفات: أعمال القلوب -

والتقوى تُطلَق في القرآن الكريم على عدد من الأمور:

1- تأتي بمعنى الخشية والهيبة كما قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة:41]، أي اخشوني وهابوني، وكذلك في قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة:281]، أي خافوا هذا اليوم وما فيه {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7].

2- تأتي بمعنى الطاعة والعبادة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، يعني أطيعوه حق الطاعة واعبدوه حق العبادة، وهو قول مجاهد: أن يطاع فلا يُعصَى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفَر.

3- تطلق على التنزه عن الذنوب وهذه هي الحقيقة في تعريف التقوى في الاصطلاح، قال عز وجل: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، يتقه أي يترك المعاصي والذنوب، فترك الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلمنا أن حقيقة التقوى شيء إضافي غير الطاعة والخشية في هذا النص  وهو تنزيه القلب عن كل قبيح.

4- وكذلك يقال في مراتب التقوى أو حالات التقوى: 1- اتقاء الشرك. 2- اتقاء البدعة. 3- اتقاء المعصية. والله عزوجل ذكر التقوى  ثلاث مرات في آية واحدة، فقال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا} [المائدة:93]، فهذا التكرار ليس تكرارًا مجردًا، فقال بعضهم: التقوى الأولى تقوى عن الشرك، والثانية تقوى عن البدعة، والثالثة عن المعاصي، ويقابل الأولى التوحيد، والثانية السنة، والثالثة الطاعة، فجمع بين هذه المنازل الثلاث (منزلة الإيمان ومنزلة السنة ومنزلة الاستقامة والطاعة).

وكذلك التقوى يدخل فيها كما تقدم الحذر من المكروهات والمشتبهات، فلا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، ومن الناس من يتقي نفسه الخلود في النار، هذه همته، ولا يتقي المعاصي التي تدخله جهنم ولو حينًا من الدهر فيقر بالتوحيد ويصدق بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول أنا مسلم، و يأتي بأركان الإسلام والإيمان لكن لا يحرص على أن يقي نفسه دخول النار بالكلية فيفرط في واجبات ويفعل محرمات، فينبغي أن يعلم أي درجة من التقوى هو عليها، وهذا لا يستحق صاحبه اسم المتقي بإطلاق. لماذا؟ لأنه متعرض للعذاب مستحق للعقاب بما يفعله إلا أن يتداركه الله برحمته ويدخل في المشيئة، لأن أهل التوحيد ممكن أن يدخلوا في المشيئة، أي يعفو الله عنهم وإن شاء عذبهم بحسب أعمالهم حتى يخرجوا من النار يومًا من الأيام.

ومن الناس من يتقي الكفر وكبائر الذنوب ويعمل طاعات و يفعل واجبات، لكن لا يمتنع من الصغائر ولا يكثر من النوافل، فهذا أقرب للنجاة لكن لا تستطيع أن تطلق عليه أيضًا أنه شخص تقي أو متقي وقد قال تعالى:{إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلواتُ الخمسُ والجمُعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مُكفِّراتٌ ما بينَهنَّ إذا اجتنَبَ الْكبائرَ» [صحيح مسلم: 233]، لكن قد لا تكفي، قد تكون الصغائر كثيرة جدًا بحيث أن هذه لا تكفي للتكفير، ولم يأخذ هذا الشخص جُنّته من النار ووقايته منها بالكامل فهناك تقصير ووقوع في الصغائر، وقد يؤدي إلى الاجتراء على الكبائر فيما يُستَقبل. ولذلك الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102]، يعني كلها، ليس أن تتقي الخلود فقط في جهنم، أو تتقي الكبائر فقط ، بل لابد من اتقاء الصغائر أيضًا، اتقاء كل مايؤدي للدخول في النار، أن تجعل بينك وبين النار جنّة حصينة بهذه الطاعات.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا"، طبعًا ليس المقصود أن يترك كل الحلال لكن الحذر يقتضي أحيانًا ترك شيء من المباح خشية الوقوع في الحرام، ورَع. فإن الله قد بين للعباد أنه من يعمل مثقال ذرة شرّاً يره، فلابد أحيانًا حتى تتقي الذرة من الشر أن توسع الدائرة لتبتعد، ولذلك" لا يرتع غنمه فيه وإنما يبتعد عنه ألا وإن لكل ملكٍ حمى وإن حمى الله محارمه"، ومن اقترب من الحمى أوشك أن يقع فيه.

وقال الحسن رحمه الله : "ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام".

وقال الثوري: "إنما سمّوا متقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى" ما لا يُتقى عادة أو ما لا يتقيه أكثر الناس.

فالمتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسمّاهم الله متقين، والمتقي أشد محاسبة لنفسه من محاسبة الشريك لشريكه، ولذلك يخلي جميع الذنوب ويتركها كما قال ابن المعتمر:

خلّ الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى
***
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر مايرى
***
لا تحقرنّ صغيرة إن الجـبال من الحصى

لكن هنا مسألة مهمة وهي فائدة العلم في قضية التقوى، لابد أن تعرف أولًا ماهو الذي تتقيه.

1- أن تبين لك ما يجب عليك أن تتقي، تعلم أحكام الدين، تعلم الحلال والحرام.

2- وكذلك قد يمتنع الإنسان من جهله من حلال خالص ظنًا منه أنه حرام، من الجهل ولا يكون في هذا ورع ولا تقوى ولكن حرمان نفس بدون فائدة.

قال بعضهم: "إذا كنت لا تحسن تتقي؛ أكلت الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي؛ لقيتك امرأة ولم تغض بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي؛ وضعت سيفك على عاتقك"، أي تدخل في الفتن بالجهل، ودخل مسلمين كُثر عبر التاريخ الإسلامي في معارك بين المسلمين لو كان عندهم علم وفقه ما دخلوا فيها، مع أن بعضهم قد يتورع عن أشياء دقيقة جدًا، لكن في الدماء لم يتورع للجهل.

مسألة الاستصغار التي تقع من كثر من الناس للذنوب ويراها سهلة وليست بشيء، كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار، «إياكم ومحقرات الذنوب» [المعجم الأوسط: 7/219]، النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها وشبهها بالأعواد التي يجمعها المسافر أو النازل في مكان فيجمع الأعواد فيوقد نارًا فهذه أعواد ممكن أن توقد عليه نار جهنّم‍!

لا تحقرنّ من الذنوب صغـيرة *** إن الصغير غدًا يعودُ كبيرا

إن الصغير ولو تقادم عهـده *** عـن الإله مسطّراً تسطيرا

فازجر هواك عن البطالة لا تكن *** صعب القيادِ وشمّرَنّ تشميرا

إن المحب إذا أحبّ إلهه *** طار الفؤاد وأُلهِم التفكيرَ

فاسأل هدايتك الإله فتتئـد *** فـكفى بربك هاديًا ونصيرا

والإمام أحمد رحمه الله  يقول: "التقوى هي ترك ما تهوى لما تخشى" فتترك هواك لأن لك خشية من العذاب ليوم طويل، و قيل أيضًا في التقوى: " أن لا يراك حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك".