التربية بالحرية

الحرية الإسلامية هي نوع متميز عالميًا من الحريات، فهي حرية تكفل الكرامة والعزة وأخذ الحقوق، لكنها أيضًا حرية تحافظ على أمن البلاد والعباد وترعى الأخلاق والقيم والآداب والأعراف القويمة، ولا تضر النفس ولا الغير ولا المجتمع ولا مؤسساته ولا مصالح أفراده، إذ «لا ضرر ولا ضرار» [المعجم الأوسط: 1/90].

  • التصنيفات: قضايا إسلامية -

لاشك أن العبيد لا يصنعون حضارة، فهم مقيدون في رؤيتهم وقدرتهم وسلوكهم، مرتبطون بسيدهم، وأيًا كانت تلك العبودية فهي قيد معيق لكل تقدم على مستوى الإنجاز، فعبودية الإنسان للإنسان مذلة وخسران، وعبوديته للمادة والمال ارتكاس وانتكاس. إلا أن تكون عبودية لرب الأرباب سبحانه، فهي عندئذ عبودية التحرر الكامل إذ أن       عبوديتك هنا هي عين الحرية الكاملة، فأنت عبد لمالك الملك الرحمن الرحيم، الخالق البارىء، الكبير المتعال، الحي القيوم، فعبوديته رقي وسمو، وكبرياء وعزة، وثقة وطمأنينة وسكينة.

هذا المفهوم مهم للغاية في بنائنا التربوي، إذ يلزم من بناء الشخصية الإسلامية أن تتبرأ من كل عبودية إلا عبودية ربها العظيم، ثم تعبده حق عبادته، فتسعى لينطبق عليها حق العبودية له سبحانه، فهي عندئذ حرة حرية حقيقية. الشخصية الفعالة التي نريدها شخصية شجاعة، فلا تخشى ضررًا إذ تعلم أنه لن يصيبها إلا ما كتب الله لها، معطاءة فلا تخاف فقرًا ولا تخشى ضياع رزق، إذ تعلم أن رزقها قدره رازقها.

على جانب آخر فإن العبيد للمادة والأشياء تعساء منتكسون، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عبدُ الدينارِ، وعبدُ الدرهمِ، وعبدُ الخميصةِ، إن أُعْطِي رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتكسَ، وإذا شيكَ فلا انتقشَ، طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنانِ فرسِهِ في سبيلِ اللهِ، أشعثَ رأسُهُ، مغبرَّةً قدماهُ، إن كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ، وإن كان في الساقةِ كان في الساقةِ، إن استأذنَ لم يُؤْذَنْ لهُ، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ» [صحيح البخاري: 2887].

إسلامنا له موقف واضح من بناء معنى الحرية في النفس المؤمنة، أحاديث كثيرة وتوجيهات نبوية متتابعة تؤكد على المعنى الذي نقصده:

فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنَعَنَّ أحدَكم مخافةُ النَّاسِ أنْ يتكلَّمَ بحقٍّ إذا رآه أو عرَفه» قال أبو سعيدٍ: فما زال البلاءُ حتَّى قصَّرْنا وإنَّا لنبلُغُ في الشَّرِّ [صحيح ابن حبان: 278]، فالخوف لا ينبغي أن يمنع المرء عن قول الحق، بل يجب على المرء أن يربي نفسه وأبناءه على قول الحق بلا مخافة للمخلوقين، إذ المخافة تبدأ في صناعة قيد على معصم الحرية للإنسان.

وفي حديث مسند أحمد ناحية إضافية لما نريد أن نقوله، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقِرنَّ أحدُكُم نفسَهُ أن يرى أمرًا للَّهِ فيهِ مقالٌ، فلا يقولُ فيهِ، فيقالُ لَهُ يومَ القيامةِ: ما منعَكَ أن تَكونَ قلتَفيَّ كذا وَكَذا؟ فيقولُ: مخافةَ النَّاسِ. فيقولُ: إيَّايَ أحقُّ أن تخافَ» [عمدة التفسير: 1/701]، إنها حرية الكلمة التي ربى عليها الرسول صلى الله عليه أصحابه، فأدركوا ذلك فخرج أبو بكر وهو خليفة المسلمين يسأل الناس أن يُقوموه إذا اعوج، وخرج عمر يفسح المجال لشاب ليسأله على شيء من خصوصياته وهي ثوبه -الذي لم يكن يمتلك غيره- فيسأله من أين لك هذا.

لقد علمهم حرية السؤال والاستفسار والنصح والتناصح، فيبايع الناس على "النصح لكل مسلم"، وتسأله امرأة عن خصوصيات ذاتية فيقول: «لايَسْتَحْيِي اللهُ من الحَقِّ» [صحيح الجامع: 7711]، وشاب يأتيه بشجاعة نادرة يناقشه في "أن يحل له الزنا" وغيرها كثير، ليتعامل الإمام الأعظم والرسول الأكرم مع كل حالة بكل حكمة وسعة صدر، فيعلم المرأة ويطهر قلب الشاب الذي جاءه بمرض الشهوة ويعيد بناء النفوس جميعًا.

لقد تعدى الأمر ذلك، فقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم مواقف سلبية كثيرة من الناس، وبعضهم قد أساء في سلوكه، وبعضهم طلب منه المال بأسلوب فظ غليظ لايليق بنبي عظيم، لكنه صلى الله عليه وسلم علمنا في كل موقف درسًا جديدًا في التعامل والعلاج والحكمة، وإذا به يخرج منتصرًا في كل موقف، فتنتصر مبادئه وقيمه وثوابته ودينه وإيمانه، على الرغم من أنه لا ينتصر لنفسه أبدًا!. ما يشحذ حرية المرء في الإسلام هي عقيدته؛ تلك التي تشعره بإيمانه الأعمق بربه القادر الذي هو يدافع عن الذين آمنوا وأن: ماأصابك لم يكن ليخطئك.

الحرية الإسلامية هي نوع متميز عالميًا من الحريات، فهي حرية تكفل الكرامة والعزة وأخذ الحقوق، لكنها أيضًا حرية تحافظ على أمن البلاد والعباد وترعى الأخلاق والقيم والآداب والأعراف القويمة، ولا تضر النفس ولا الغير ولا المجتمع ولا مؤسساته ولا مصالح أفراده، إذ «لا ضرر ولا ضرار» [المعجم الأوسط: 1/90]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: د. خالد رُوشه