رفض السلطة للمقاومة كموقف وممارسة ونهج

ملفات متنوعة

هي مرحلة بائسة لا بد أن يتجاوزها الشعب الفلسطيني إذا أراد وضع قدمه
على سكة الحرية والتحرير، فهؤلاء الذين يعيشون تحت رحمة الاحتلال
ويتمتعون بمزاياه لا يمكن أن يقاوموه ويفرضوا عليه التراجع بأي حال.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


خلال السنوات الأولى لانتفاضة الأقصى دأب ياسر عرفات رحمه الله على إدانة أية عملية استشهادية تقع في الأراضي المحتلة عام 48، لاسيما أنها كانت في الغالب ضد مواقع تسمى مجازاً مدنية، الأمر الذي كان يأتي رداً على استهداف الإسرائيليين للمدنيين الفلسطينيين، وكم من مرة عرض الشيخ أحمد ياسين وقفاً متبادلاً لاستهداف المدنيين لكن الاحتلال لم يكن يعير ذلك أدنى انتباه.

لم تكن الإدانة من طرف عرفات وسلطة أوسلو تشمل العمليات التي تستهدف عسكريين أو مستوطنين إسرائيليين داخل الأراضي المحتلة عام 67، لكن الموقف ما لبث أن تغير في عهد ورثته الذين حاولوا إقصاءه حياً فلم يفلحوا، فكان أن ورثوه رغم أنفه وأنف الشعب الفلسطيني بعد قتله.

 

في عهد هؤلاء وُصفت المقاومة، كل المقاومة المسلحة بأنها عبثية، وأنها لا تخدم أهداف الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، كما وصفت العمليات الاستشهادية بالحقيرة، وهو ما ينطوي على إدانة واضحة للشهداء، وكذلك للأسرى الذين يرزح أكثرهم في السجون على خلفية عمليات المقاومة، كما تنطوي على تسخيف للشعب الذي احتضن تلك المقاومة وانحاز إليها بروحه ووجدانه، ومن ورائه سائر الشعوب العربية والإسلامية، بل وحتى أحرار العالم كذلك.

 

لم تتوقف إدانة هؤلاء عند العمليات الاستشهادية التي تطال المدنيين الإسرائيليين، مع أننا إزاء مجتمع محتل ومحارب بقضه وقضيضه باستثناء الأطفال الذين تجنبتهم المقاومة بشكل دائم، في وقت كان الأطفال الفلسطينيون هدفاً دائماً لصواريخ الاحتلال ورصاصه الحي. لم تتوقف الإدانة عند هذا النوع من العمليات، بل شملت أيضاً العمليات التي تستهدف الجنود والمستوطنين في الأراضي المحتلة عام 67، والتي تصنف مقاومة مشروعة في سائر المواثيق الدولية.

 

قبل أيام قام ضابط فلسطيني (سابق) بطعن جندي إسرائيلي بسكين عند حاجز عسكري قرب نابلس، فكان أن حاول الجندي الفرار بسيارته، الأمر الذي أدى إلى انقلابها، وبالتالي وفاته، ما يعني أن العملية مقبولة بكل المعايير، إذ استهدفت جندياً مسلحاً داخل الأراضي المحتلة عام 67، لكن ذلك لم يكن كافياً لكي تنجو من إدانة السلطة العتيدة، وهذه المرة على لسان رئيس وزرائها.

 

بيان مكتب رئيس الوزراء قال بالنص "هذا الحادث مدان من قبلنا، وهو يتعارض مع المصالح الوطنية الفلسطينية ومع الجهود التي تبذلها السلطة الوطنية، وكذلك مع الالتزامات التي أخذتها على عاتقها". كما حذر "من مخاطر الانجرار إلى أعمال العنف التي ثبت بالملموس مدى الضرر الذي تلحقه بالمصالح العليا لشعبنا".

 

هكذا يعبر البيان عن الموقف وعن النهج المتبع حيال المقاومة برمتها، فهو ابتداءً يدينها، ولا يتوقف عند ذلك بحيث يمكن إحالة الأمر إلى الالتزامات المترتبة على السلطة بحسب خريطة الطريق (لا يلتزم الإسرائيليون بأي من بنودها)، بل يضيف إلى ذلك تنظيراً بالغ الأهمية خلاصته أنها تلحق الضرر بالمصالح العليا للشعب، ولنلاحظ هنا تلك الفوقية في التعامل مع الشعب من حيث تحديد ما ينفعه وما يضره.

 

نذكّر هنا بأن الضابط الذي نفذ العملية كان من بين الذين سُرّحوا من الخدمة في أجهزة أمن السلطة، وهو واحد من بين سبعة آلاف ضابط وقع تسريحهم خشية أن يكون لهم قدر من الولاء لبرنامج المقاومة قد يدفعهم إلى التهاون في ملاحقته. والنتيجة هنا أن الممارسة على الأرض حيال المقاومة هي الحرب دون هوادة، والتي أدت بدورها إلى حصول المستوطنين في الضفة الغربية (دعك من المحتلين الآخرين) على مستوىً غير مسبوق من الأمن كما اعترف وزير الحرب الصهيوني باراك في مؤتمر هرتسيليا.

 

هذا الضابط لا تنطبق عليه نظرية "الفلسطيني الجديد" التي صاغها الجنرال دايتون، وهو "عاجز" عن تقدير المصالح العليا للشعب الفلسطيني، تماماً كما هو حال الغالبية الساحقة من الشعب، الأمر الذي يستدعي تسليم قيادتهم لرجال الأعمال وخريجي المؤسسات الاقتصادية الدولية لكي يقودوه نحو الحرية والكرامة، وبالطبع عبر "بناء المؤسسات" وحفظ أمن الاحتلال حتى نتمكن من دحره حتى حدود الثامن والعشرين من أيلول 2000، تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى.

 

هي مرحلة بائسة لا بد أن يتجاوزها الشعب الفلسطيني إذا أراد وضع قدمه على سكة الحرية والتحرير، فهؤلاء الذين يعيشون تحت رحمة الاحتلال ويتمتعون بمزاياه لا يمكن أن يقاوموه ويفرضوا عليه التراجع بأي حال.

 

المصدر: ياسر الزعاترة - موقع القسام