جذور الاكتشافات والابتكارات الطبية في الحضارة الإسلامية

أحمد السعيد

  • التصنيفات: التاريخ والقصص - التاريخ الإسلامي -

يخطئ من يظن أن الطب الغربي الحديث هو نتاج النهضة الأوربية، إنما هو نتاج الحضارة الإسلامية التي أزدهرت فيها كل العلوم والفنون ومن بينها الطب، بالطبع هذا لا ينفي دور الطب اليوناني في الأمر، كما لا ينفي جهود الغربيين المعاصرين في التطوير والابتكار، ولكن ما حدث أن المسلمين تلقفوا الطب اليوناني القديم وطوروه إلى درجة كبيرة، ومع بزوغ النهضة الأوربية تم ترجمة العديد من الكتب العربية ومن بينها كتب الطب ليتعلم الغرب الأوربي فنون الطب الإسلامي وليطوره فيما بعد حتى يصل إلى تلك الدرجة الرفيعة التي هو عليها الآن، والدليل على ذلك هو أن هناك الكثير من الاكتشافات والابتكارات الطبية التي ننعم بها الآن تم ابتكارها واكتشافها في ظل الحضارة الإسلامية الزاهرة، ومن تلك الاكتشافات والابتكارات التالي:

العمليات الجراحية: نجح الأطباء المسلمون في القيام بالعمليات الجراحية بمهارة، فهم أول من تمكن من استخراج حصى المثانة لدى النساء عن طريق المهبل، كما برعوا في قدح الماء الأزرق من العين، وكانت تلك عملية بسيطة ومضمونة النتائج، وذكروا أكثر من ست طرق لإزالة تلك المياة منها الشفط، كما ابتكر الطبيب العراقي "عمار الموصلي" إبرة جوفاء أدخلها في الحافة عند اتصال القرنية بالملتحمة لشفط المياة البيضاء.

ونجحوا في اجراء العمليات الجراحية في القصبة الهوائية، إذ يعتبر الطبيب الأندلسي "أبو القاسم الزهراوي" أول من أجرى عملية "فتح الحنجرة" _ القصبة الهوائية_ وهي العملية التي أجراها على أحد خدمه.

وكان أطباء المسلمين أول من أشار إلى جراحة التجميل، وقد بينوا كيفية اجراء تلك الجراحة في الشفة والأنف والأذن حينما تطرأ عليها الضخامة من نتوء بارز أو قطع، بحيث تعود تلك الأعضاء إلى حالتها الطبيعية.

كما أجرى الأطباء المسلمون العمليات الجراحية في البطن، والمجاري البولية، والولادة القيصرية، وكانوا يخيطون الجروح خياطة داخلية لا تترك أثراً ظاهراً من الخارج، واستخدموا في ذلك خيوطاً صنعت من أمعاء القطط والحيوانات.

التخدير الكلي: عرف المسلمون التخدير الكلي أثناء العمليات الجراحية، فاستخدموا " الإسفنجة المخدرة" وهي عبارة عن قطعة من الإسفنج تغمس في محلول من بعض المواد المخدرة، ثم توضع على أنف المريض فتمتص الأنسجة المخاطية داخل الأنف تلك المواد، فيغط المريض في نوم عميق لحين انتهاء العملية الجراحية.

الأمراض: وكان ابن سينا في كتابه "القانون" أول من أشار إلى دودة الإنكلستوما إذ أطلق عليها أسم "الدودة المستديرة"، وأطلق على المرض الذي ينتج عنها"الرهقان"، وهي التي أعاد "دوبيني" اكتشافها في إيطاليا عام 1838 م.

ووصف ابن سينا مرض الفيل "الفيلاريا" وانتشاره في الجسم، كما كان أول من وصف "الجمرة الخبيثة" إذ أطلق عليها أسم "النار الفارسية".

الدورة الدموية: hكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الكبرى والدورة الدموية الصغرى (أي رحلة الدم داخل جسم الإنسان) وذلك قبل اكتشاف وليام هارفي لها في عام 1628م.

تجبير العظام: كان الأطباء المسلمون "المجبرون" يشدون على العظم المكسور بعجائن من غبار الرحا المعجون ببياض البيض، وباللفائف والجبائر المستمدة من أغصان القصب العريض المجوف أو من خشب الصنوبر أو من جرائد النخيل التي كانوا يشدون عليها بعصائب من الأربطة.

التلقيح ضد الأمراض: عرف المسلمون التلقيح ضد الأمراض، إذ كان معروفاً في شمال أفريقيا، وكان العثمانيون على دراية به، إذ أطلقوا عليه أسم "أشي"، وقد ورثوا هذه المعرفة عن قبائل تركية قديمة.

وقد أدخلت زوجة السفير الإنجليزي في أسطنبول السيدة "مونتاجيو" هذا النوع من التلقيح ضد الأمراض إلى إنجلترا بين عامي 1716 و 1718، ففي أثناء وجود السيدة مونتاجيو في أسطنبول بعثت بسلسلة من الرسائل إلى إنجلترا تصف فيها عملية التلقيح، ولدى عودتها إلى إنجلترا تابعت نشر الأسلوب العثماني في التلقيح، فلقحت عدداً من أقاربها، غير أنها تلقت معارضة عنيفة في البداية ضد هذا الأسلوب وإدخاله في مجال الطب، ولكن بفضل ثباتها وعنادها hنتشر التلقيح علىى نطاق واسع وحقق نجاحاً باهراً.

الإنعاش وقبلة الحياة: كان الأطباء المسلمين يدفعون بكميات من الهواء عبر الرئتين بالضغط المتناوب، واستخدموا في ذلك المنفاخ، وهذا ما تدلنا عليه قصة الطبيب "صالح بن بهلة" التي أوردها ابن أبي أصيبعة في كتابه "طبقات الأطباء"،إذ أنه لما توفي ابن عم الرشيد "إبراهيم بن صالح" دخل عليه الطبيب بن بهلة وهو مكفن، فأخرج الطبيب إبرة ووضعها تحت ظفر إبهام اليد اليسرى لإبراهيم، فجذب إبراهيم يده إلى جسمه، فطلب الطبيب تجريد إبراهيم من الكفن وطلب كندساً (نوع من الدواء)، ومنفخة، فنفخ في أنف إبراهيم ثلث ساعة فاضطرب بعدها بدنه وعطس ثم هب مستيقظاً، ونستطيع أن نشبه ما حدث مع إبراهيم بن صالح بقبلة الحياة أحد أهم أساليب الإسعافات الأولية.

علم الوراثة: إن مصطلح "قيافة البشر" _ وهو مصطلح يقصد به تفسير التشابه بين السلف والخلف_ الذي هو بداية علم الوراثة عند المسلمين قد ورد في كثير من كتب التراث الإسلامي، ففي كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" يحدثنا القزويني عن أن القيافة نوعان قيافة الأثر وقيافة البشر.

وقد أشتهر "بنو مدلج" بقيافة البشر، حيث كان يعرض على أحدهم المولود في عشرين امرأة منهن أمه، فيستطيع المدلجي ان ينسب المولود إلى أمه الحقيقية.

إبداعات في الصيدلة: سبق الأطباء المسلمون الغرب في صنع المواد السكرية داخل الدواء لجعل طعمه حلواً، إذ كانوا يمزجون الأدوية بالعسل تارة وبالعصير والسكر تارة أخرى.

وكثيراً ما جعلوا الأدوية في أقراص وغلفوها لإخفاء رائحتها، إذ كان ابن سينا أول من استعمل طريقة تغليف الحبوب بالذهب والفضة، أما الزهراوي فكان أول من حضر أقراص بالكبس في قوالب خاصة.

هكذا فإن الطب الغربي الحديث ما هو إلى نتاج حضارات متعاقبة لعبت فيها الحضارة الإسلامية  دوراً كبيراً من إبداعها وعبقريتها.

__________________
المراجع:

  • راغب السرجاني – قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية.
  • سليم الحسني – ألف اختراع واختراع (التراث الإسلامي في عالمنا).
  • سند أحمد عبد الفتاح – العلوم العقلية في الحضارة الإسلامية.