الصيام والقرآن

نصر بركات

لكن ما سرُّ هذه الرِّفعة وهذا التفضيل؟!

ولا يكون الجواب عن هذا السؤال إلَّا بتأمُّل حديث القرآن وحديث النبي الإمام صلى الله عليه وسلم عن الشهر الكريم، وباستنطاق هذه النُّصوص جوابًا عن ذلكم السؤال.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه.

وبعد:

ففي هذه الأيام يَستقبل المسلمون شهرَ رمضان المبارك، وكلُّهم شَوق إلى بلوغه، ورجاء أن يوفِّقهم الله سبحانه وتعالى إلى حُسن اغتنام أيامه ولياليه، وإلى صيامه وقيامِه إيمانًا واحتسابًا...

ومَن تأمَّل آيات الكتاب ونصوص السُّنة أيقن أنَّ الله عز وجل قد رفَع شهرَ رمضان مكانًا علِيًّا، وأنزله منزلة رفيعة، وفضَّله على كثير من الشهور تفضيلًا.

لكن ما سرُّ هذه الرِّفعة وهذا التفضيل؟!

ولا يكون الجواب عن هذا السؤال إلَّا بتأمُّل حديث القرآن وحديث النبي الإمام صلى الله عليه وسلم عن الشهر الكريم، وباستنطاق هذه النُّصوص جوابًا عن ذلكم السؤال.

فإذا نظرنا في حديث القرآن الكريم عن الشَّهر المبارك، رأينا أنَّه قد وقَع في غير موطن، فتارة يتحدَّث عنه كاملًا، وأخرى يتحدَّث عن خير لياليه (ليلة القدر)، بلَّغنا الله إيَّاها، ورزقنا خيرَها.

• فمن حديث القرآن عن الشَّهر الكريم قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185].

• ومن حديثه عن خير لياليه قوله جلَّ ذِكرُه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان:3]، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].

فكأنَّ هذا الشهر الكريم لم يَرتق إلى تلك المكانة ولم يرتفِع إلى هذه المنزلة، إلَّا حين ارتبط ذِكره بالقرآن العظيم، وصار محلًّا زمنيًّا لنزوله، بل إنَّ ليلة القَدر ذاتها لم تَبلغ ما بلغَت من المكانة والرِّفعة، وبلغت أن تكون خيرًا من ألف شَهر، إلا بعد أن شرَّفها الله تعالى واختارها موعدًا لنزول الكتاب العزيز.

وهذه البركة القرآنيَّة ليست مقصورة على رمضان ولا على ليلة القدر، بل هي تمتدُّ لتنال كلَّ من تشرَّف بحمل الكتاب العزيز والاتصال به؛ ولا أدلَّ على ذلك من قول الله تعالى لصفيِّه من خلقه وسيِّد أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، فبدون القرآن: ماذا يكون رمضان، وماذا تكون لَيلة القَدر، بل ماذا يكون سيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم؟!

فالقرآن روح للروح، ونور للبصائر والأبصار، وهو كتابٌ مبارَك؛ مَن تمسَّك به، ناله من نوره وبركاته على قَدر صِدقه في تمسُّكه واتصاله به!

وشواهد ذلك وبراهينه كثيرة كثيرة.

ومن هنا نَفهم أنَّ هذا الشرف وهذه المكانة التي حظي بها شَهر رمضان، إنَّما كانت ببركة كتاب الله تعالى، وأنَّها ليست مقصورة على الشَّهر الكريم، بل تمتدُّ إلى كل من اتَّصل بكتاب الله جلَّ ذكره.

لكن العجيب أنَّ الأمر لم يتوقَّف عند رمضان؛ بل امتدَّ ليشمل أيَّامًا أُخرى من مواسم الصِّيام؛ مثل يوم الاثنين، وصيامه مستحب أسبوعيًّا كما هو معلوم.

لكن ما علَّة اختصاصه بالصِّيام؟!

• أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صيام الاثنين، فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ - فِيهِ».

سبحان الله!

حتى صيام يوم الاثنين، إنما صار صيامه مستحبًّا لكونه اليوم الذي أُنزل فيه الكتاب المبارك على نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم.

• وهذه النُّصوص كلُّها تؤكِّد على معنًى آخر ينبغي الوقوف عنده، وهو: أنَّ للصيام أثرًا نافعًا في حسن فهم وتدبُّر القرآن؛ فخلوُّ البطن من فضول الطعام، واستشعار النَّفس حقيقة الجوع - من أعظم أسباب صَفاء النَّفس وسمو الرُّوح، وكذلك الابتعاد عن كلِّ فضول؛ من نوم أو كلام، أو خلطة أو ضحك... والإقلال من هذا كلِّه يكون أكثر ما يكون في رمضان؛ حيثُ الصيام والاعتكاف، والاهتمام بإنجاز الأوراد، والمحافظة على الأوقات...

ومن هنا جاءت نصوص الشَّريعة بالتحذير من الشِّبَع وامتلاء البطن، والرَّبط بينها وبين التطلُّع إلى الشهوات والوقوع في المحرَّمات...

• ومن أمثلة ذلك ما أخرج الترمذي وابن ماجه من حديث المقدام بن معدي كرب قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فإن كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِه».

وقد كان سلفنا رضوان الله عليهم يُعظِّمون هذا الأمرَ ويؤكِّدون عليه جدًّا، حتى قال المروذي (صاحب الإمام أحمد): قلتُ لأبي عبدالله (أحمد بن حنبل): "يجِد الرجل من قلبه رقَّة وهو يشبع؟" قال: "ما أرى".

ولعلَّ هذا هو السر وراء تَكثيف العبادات القرآنيَّة في شهر رمضان، ما بين تلاوة واستماع ومدارسة؛ حيث تكون النَّفس أتم استعدادًا لفهم القرآن وتدبُّره والتأثر به.

ولقد كان هذا الارتباط ظاهرًا قويًّا جدًّا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، حتى إنَّه صلى الله عليه وسلم كان له وِرد ثابت من مدارسة القرآن في كلِّ ليلة من ليالي رمضان، لا يتخلَّف عنه أبدًا.

• فقد أخرج البخاريُّ من حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ: "جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم القُرْآنَ".

فإذا زاد إقبالُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على القرآن تلاوةً ومدارسة في ذلكم الشهر الكريم، عرَف الصحابة رضي الله عنهم أثَرَ ذلك في نفسه وخُلقه وجُوده صلى الله عليه وسلم!

فرغم أنَّه صلى الله عليه وسلم كان أجوَدَ النَّاس قبل رمضان وبعده، فإنَّ جوده وكرمه كان يبلغ الذروة حال مدارسته القرآن؛ حيث ينعكس ذلك على نفسه مزيدًا من التأثُّر بالقرآن والجود بالعطاء، وقد جسَّد ابن عباس رضي الله عنهما ذلك كلَّه في قوله: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ".

ومن هنا فأنا أدعو نفسي وإخواني إلى اغتنام هذه المناسبة العظيمة، والإقبال على كتاب الله تعالى قراءةً وسماعًا، وفهمًا وتدبُّرًا وعملًا.. وليجعل كلُّ واحد منَّا لنفسه وِردًا من القراءة والسماع، والتفسيرِ والتدبر، يُعينه على إحسان السَّير إلى الله جلَّ وعلا.

وإني لأرجو اللهَ أن يبلِّغنا على الخير رمضان، وأن يجعلنا فيه من السُّعداء الفائزين، وأن يُعيننا على ذِكره وشكره وحُسنِ عبادته.. آمين.

هذا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.