المسلمون في نيجيريا.. أكثرية مستضعفة

إبراهيم بن محمد الحقيل

إن مقتضى الإخوة في الدين أن يسأل المسلم عن حال إخوانه، ويفرح
لفرحهم، ويحزن على ما يصيبهم، ويبذل لهم ما يستطيع من العون المادي
والمعنوي؛ فيرفع الجهل عنهم بالعلم والدعوة، ويزيل الفقر عنهم لئلا
يفترسهم المنصرون بالمال الذي يقدمونه مع الكفر..

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


الحمد لله الحليم العليم؛ ألف بين قلوب المؤمنين فجعلهم بنياناً واحداً يشد بعضه بعضاً {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] نحمده على ما هدانا، ونشكره على ما أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق؛ فجمع به القلوب بعد افتراقها، وأخرجها من جاهليتها وضلالها، ورفعها من دناءتها وانحطاطها؛ فارتفعت بدعوته من الثرى إلى الثريا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واثبتوا على دينكم، وأسلموا لله تعالى وجوهكم، وأخلصوا له في أعمالكم؛ فإنكم على الحق المبين، وستسألون عنه يوم لقائكم بربكم جل وعلا {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزُّخرف: 43-44].

أيها الناس:
حين بعث الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق لم يمض على جهره بدعوته عشر سنوات إلا وقد دانت له العرب، وهابته الروم والعجم، وفي العقد الثاني من دولة الإسلام سقطت فارس والروم تحت حكم المسلمين، وفي العقد الثالث امتد الإسلام غرباً حتى بلغ مشارف الأندلس، وحقق الإسلام بنقاء دعوته، وعدل حكمه في ثمانين عاماً ما عجز الرومان عن تحقيقه في ثمان مئة سنة.

وفي أواخر المئة الهجرية الأولى بلغ نور الإسلام غرب إفريقية، وخلال أربعة قرون تغلغل في ولايات نيجيريا، وعُثر في ثَبَتِ بعض علمائها الذين حفظوا أنسابهم اتصال أنساب بعضهم بالقائد التابعي المشهور فاتح إفريقية الذي بنى القيروان عقبة بن نافع الفهري رحمه الله تعالى، ودانت كثير من القبائل الوثنية بالإسلام، على أيدي التجار المسلمين حين كان الوثنيون يرمقون طهارتهم لصلاتهم، ونظافة أجسادهم وملابسهم، وانتظامهم في عباداتهم، مع صدقهم في حديثهم، وأمانتهم في معاملاتهم، فأثّر ذلك في النفوس المفطورة على حب الخير، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجاً، واهتم العلماء من قديم بالرحلة إلى تلك الديار البعيدة؛ للدعوة فيها، وتفقيه أهلها في الدين، ورفع الجهل عنهم، وأشهر من زارها من العلماء علامة مصر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى.
 


وكان لشعائر الإسلام الظاهرة أثر كبير في دعوة الوثنيين للإسلام؛ فقد كانوا يرون المسلمين يصلون الجُمَع والأعياد، ويصومون رمضان، ويجتمعون للتراويح، وتستعد وفود الحجيج للرحلة في كل عام ويودعهم الناس ثم يستقبلونهم في مواكب مهيبة تأسر النفوس، وتستدر الدموع، فتؤثر هذه الشعائر والمظاهر التي تدل على متانة الرابطة بين المسلمين، وقوة الأخوة الإيمانية في قلوبهم، فيُسلم ألوف من الوثنيين بسبب ذلك.

وهذا يدلنا على أهمية الشعائر الظاهرة، وأن الشارع الحكيم لما دعا المسلمين إلى تعظيمها وإظهارها قصد إعزاز المسلمين بإظهارها، ودعوة غيرهم إلى الإسلام بها. وحين حذرنا من شعائر غيرنا، وشدد التحريم فيها إنما كان ذلك لإثبات استقلاليتنا، وتأكيد تميزنا عن غيرنا، بدين الله تعالى الذي ارتضاه لنا، فالأصل أن يقلدنا غيرُنا، لا أن نقلد نحن غيرَنا.



ومع استمرار رحلات الحج كان أهل العلم والدعوة النيجيريين يستفيدون من علماء المسلمين إذا التقوا بهم في مواسم الحج، وبعضهم يجاور في الحجاز سنوات يدرسون على علماء الحرمين ثم ينقلون العلم إلى بلادهم، وبسبب ذلك نشأت في نيجيريا حركات دعوية إصلاحية تهدف إلى تفعيل الدعوة، ونشر العلم، ورفع الجهل، وإزالة مظاهر الشرك والبدعة، حتى ألف علماؤهم كتباً في إحياء السنة وإخماد البدعة، ومع الصبر واليقين والتقوى آتت هذه الدعوات المباركة ثمارها، فصلح بها حكام الأقاليم، وشيوخ القبائل، وسادة العشائر، فدانوا بالإسلام عن قناعة، وتمثلوه في سلوكياتهم، وحكموا شريعته فيهم، وقامت دولة إسلامية تُحكِّم الشريعة بين الناس في أواخر القرن التاسع عشر على يد الشيخ عثمان فودي وأتباعه، وساد الأمن والبركة بتحكيم الشريعة الربانية ربوع نيجيريا، فأغاظ ذلك الإنجليز الذين كانوا يستعمرون أكثر الأرض ويُفسدون فيها، فبثوا عيونهم، ثم أرسلوا جيوشهم حتى أسقطوا الحكم الإسلامي في أوائل القرن العشرين، وزرعوا وكلاءهم وعملاءهم للسيطرة على البلاد، وأخذوا في نقض عرى الشريعة عروة عروة. ونشروا المدارس التنصيرية في طول البلاد وعرضها، وبدأت مرحلة من الحرب الفكرية بين المنصرين وعلماء المسلمين، وتم تنصير كثير من الوثنيين بالمال والمناصب والشهوات، كما تنصَّر بعض الضعاف من المسلمين لأجل ذلك، وكان شمال نيجيريا أشد تمسكاً بالإسلام والحمية له من الجنوب الذي فرح أهله بالنفوذ النصراني فيه، ما عدا قبائل اليورباه المسلمة، وكان من عمل الإنجليز قبل رحيلهم زرع عملائهم لإدارة البلاد من بعدهم، وللقضاء على ما بقي من آثار الشريعة الإسلامية في التحاكم؛ فإن الإنجليز جعلوا إلغاء الأحكام الجنائية الشرعية شرطاً من شروط استقلال نيجيريا.

ولما استقلت البلاد قبل نحو خمس وأربعين سنة من الآن عاد العلماء من جديد لإصلاح ما أفسده الإنجليز من عقائد الناس وأخلاقهم، ومقاومة المد التنصيري التخريبي الذي انتشر انتشاراً كبيراً بسبب الدعم الكبير من مجلس الكنائس العالمي، والجمعيات التنصيرية الغربية، حتى إنهم كانوا إذا نصّروا مسلماً أو وثنياً واحداً في بلد ليس فيها نصارى ابتنوا له على الفور كنيسة مزخرفة؛ لترسيخ الشعائر النصرانية؛ ولجذب فقراء المسلمين والوثنيين إليها.



واستمر العلماء والدعاة عقب الاستقلال في نشر العلم، وبث الوعي في المسلمين، وتحذيرهم من المخاطر المحدقة بهم، وكان للصحوة الإسلامية وانتشار المد الأثري السلفي أثره الكبير في عودة الوعي للأمة النيجيرية، وكان لدروس العلامة النيجري أبي بكر جومي رحمه الله تعالى ومن معه من العلماء والدعاة أثر كبير في اقتناع حكام الولايات الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية، واستفادوا من ثغرات في الدستور تسمح لهم بذلك، وكون نظام الحكم في الدولة فدرالياً، بمعنى أن كل ولاية تدير شئونها الداخلية حسب رغبة حكومتها وشعبها. وقبل عشر سنوات أعلنت ثنتي عشرة ولاية نيجيرية اعتماد الشريعة حَكَماً بين الناس مما أقض مضاجع الغربيين، واستنفروا جهودهم للحيلولة دون ذلك، والضغط على الحكومة المركزية لمنعه، وشحن النصارى والوثنيين ضد المسلمين، وإثارة الفتن الطائفية والعرقية بين الناس، كعادتهم في تخريب البلدان، وإشعال الفتن والحروب.

وطبقت الشريعة الإسلامية في بعض الولايات، فكان للمسلمين من تطبيقها موقفان، كما كان للنصارى والوثنيين موقفان، فأكثر المسلمين فرحوا بذلك واستبشروا به وأيدوه، وقليل من المسلمين رفضوا ذلك وقاوموه، منهم التغريبيون، ومنهم الشهوانيون، ومنهم من يملكون مصانع الخمور وحانات الزنا، وقاعات السينما؛ فخافوا على تجارتهم الخبيثة من الكساد إذا عم تطبيق الشريعة سائر البلاد، فقدموا دنياهم على دينهم.



وأما النصارى والوثنيون فأكثرهم عارضوا ذلك وقاوموه، وكثير منهم ينطلقون في ممناعتهم من توجيهات الغربيين ووعودهم لهم بالتمكين لهم في البلاد. وبعض النصارى والوثنيين فرحوا بتطبيق الشريعة لما رأوا من أثرها في توطيد الأمن، وفي حفظ أبنائهم من الخمور والفجور؛ حتى نقلت الصحف وقتها أن امرأة نصرانية في ولاية زمفرا شكرت للشريعة؛ لأن زوجها الآن يرجع إلى البيت في أول الليل خلافاً لما كان يصنع سابقاً من قضاء أكثر الليل في حانوت الخمر، وذكرت المرأة كذلك أن أهل البيت صاروا يحصلون على قدر أكبر من المئونة؛ لأن الزوج لا يجد الخمر حتى يصرف ماله فيها.

وما هذه الأحداث التي يشعلها النصارى في نيجيريا بين حين وآخر مدفوعين بوعود الغرب ودعمه وتأييده إلا لوأد التحاكم إلى الشريعة الربانية، والقضاء على الشعائر الإسلامية، وإرهاب المسلمين بانتهاك حرماتهم، وقتل أطفالهم، وبقر بطون حواملهم، وإحراقهم أحياء، وما نقلته الشبكات التلفازية قبل أيام ليس يخفى على متابع.


والأحداث الأخيرة اشتعلت بسبب تجديد بناء مسجد قديم في قرية يسكنها أكثرية نصرانية، فثأر متعصبون منهم بإحراق بيوت المسلمين وقتل خمس مئة نفس فيهم أطفال ونساء، ورمي جثثهم في الآبار، وشهدت بعض المنظمات الدولية الحقوقية: أنهم رأوا هؤلاء المتعصبين أحرقوا بعض المسلمين أحياء وقتلوا آخرين أثناء محاولتهم الفرار، ونقلت المنظمة عمن رأى المجزرة: أن الذين قاموا بالمجزرة هم نصارى بسيوف قصيرة وأسلحة نارية وعصي وحجارة، وأن الأطفال كان يجرون والرجال كانوا يحاولون حماية النساء، والذين فروا إلى الأدغال قُتلوا والبعض أحرقوا في المساجد، والبعض ذهبوا إلى البيوت وأحرقوا، وقال: شاهدت جثث عشرين إلى ثلاثين طفلاً، بعضها كان محترقاً، والبعض قطعت بالمناجل. وقال أحد أئمة المساجد: إنه تم إلقاء الكثير من الجثث في الآبار، وكانت متناثرة حولها ولا يزال عشرات الأشخاص مفقودون.


وتُرك هؤلاء المجرمون يومين يعيثون في المسلمين قتلاً وإرهاباً؛ لأن أكثر المتنفذين في الحكومة الفدرالية من النصارى، رغم أن المسلمين تقارب نسبتهم ثمانين في المئة من عدد السكان الذي يقترب من مئة وخمسين مليوناً، ولكن المسلمين أكثرية مستضعفة مستضامة، كحال المسلمين في سائر أرجاء الأرض؛ فإن عددهم يفوق المليار مسلم ولكنهم مستضعفون. وصدق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ».

نسأل الله تعالى أن يعيد لهذه الأمة مجدها، وأن يحقق لها عزها، وأن يرفع رايتها، وأن يذل أعداءها، وأن يحفظ المسلمين أينما كانوا، وأن ينصرهم على أعدائهم، إنه سميع قريب..

أقول ما تسمعون وأستغفر الله...


الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.


أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281].

أيها المسلمون:
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم السؤال عن أحوال المسلمين، والتألم لآلامهم، ومشاركتهم همومهم وأحزانهم.. كان صلى الله عليه وسلم يمر بآل ياسر وهم يعذبون في رمضاء مكة فيحس بعذابهم، ويُثبتهم على إيمانهم فيقول:«صبرا آل ياسر موعدُكم الجنة». ولما اشتد أذى المشركين في مكة أمر صلى الله عليه وسلم المستضعفين من المؤمنين بالهجرة إلى الحبشة وقال لهم: «أن بها ملكاً لا يظلم الناس ببلاده في أرض صدق فتحرزوا عنده حتى يأتيكم الله عز وجل بفرج منه، ويجعل لي ولكم مخرجاً».

إن الرحمة فطرة سوية في القلوب البشرية، ولا يَرى سوي من البشر أعزل يقتل، أو مكتوفاً يساق لحتفه بلا جريرة، أو طفلاً يؤذى، أو امرأة تهان إلا تحرك قلبه بالرحمة للضحية، والغضب على المعتدي، فكيف بحال المسلم مع إخوانه المسلمين المستضعفين؟!

إن أعظم شيء تميزت به هذه الأمة المباركة في النواحي الاجتماعية قوة الرابطة الدينية، والأخوة الإيمانية بين أفرادها، حين حصر الله تعالى الأخوة في الإيمان {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فهم إخوة وإن تباعدت ديارهم، وتباينت لغاتهم، واختلفت أجناسهم، ثم كرَّس النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى العظيم في كثير من الأحاديث فقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عليهم أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ على من سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ على مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيهِمْ على قَاعِدِهِمْ...» رواه أبو داود.

إن مقتضى الإخوة في الدين أن يسأل المسلم عن حال إخوانه، ويفرح لفرحهم، ويحزن على ما يصيبهم، ويبذل لهم ما يستطيع من العون المادي والمعنوي؛ فيرفع الجهل عنهم بالعلم والدعوة، ويزيل الفقر عنهم لئلا يفترسهم المنصرون بالمال الذي يقدمونه مع الكفر، وقد قيل:(إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر: خذني معك) وأعظم شيء يُبذل للمستضعفين من المؤمنين الدعاء؛ فإنه سلاح المؤمن، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قَتلت قبائلُ من نجد قُرَّاء الصحابة رضي الله عنهم لجأ إلى الله تعالى يدعو عليهم فما رأوا خيراً. {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].

وصلوا وسلموا...
 

ألقيت بتاريخ: 5/3/1431هـ
 

المصدر: موقع الألوكة