القرض الحسن في الإسلام

الحل لأمثل لمشاكل أمتنا الاقتصادية والاجتماعية.

  • التصنيفات: التصنيف العام -

أورد القرآن الكريم فى القرض ست آيات فى خمس سور جميعها مدنية أية واحدة فى أربع سور؛ وهي [المائدة:12] و[التغابن:17] و [البقرة:245] و[المزمل:20] وآيتين فى سورة [الحديد 18و11].

وقد عبر القرآن الكريم عن القرض وهو اسم بألفاظ مختلفة مشتقة من الفعل الماضي الثلاثى (قرض) بصيغة الفعل المضارع و الأمر كذلك المصدر كما يلى:
- أقرضتم: {وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة:12]

- وأقرضوا: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} ( [الحديد:11]

- وأقرضوا: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل:20]

- تقرضوا: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [التغابن:17]

- يقرض: وقد ورد مرتين فى آيتين فى سورتين كالتالى:

  1. {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}[البقرة:245]
  2. {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد:11]

- قرضا: ورد لفظ قرضا ست مرات فى سورة البقرة والمائدة والحديد والتغابن والمزمل كما يلى:

- {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة:245}
- {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المائدة:12]
- {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:11]
- {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:18]

- {إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}[التغابن:17]
- {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20]

والقرض لغة معناه قضم الشئ بالناب والقرض أسم لكل من يلتمس عليه الجزاء وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض.

فثواب وأجر القرض عظيم كما أوضحت الآيات فثواب القرض أضعاف مضاعفة؛ وأضعافا كثيرة وأجرا كريما وهو الجنة فضلا عن محو السيئات ومغفرة الذنوب. وفى الأرض كذلك استبقاء للأجر والثواب يوم القيامه جزاء ما قدمت فى الدنيا من صالح الأعمال فإن الدنيا فانية والأخرة باقية.

واستدعاء القرض فى هذه الآيات إنما هو تقريب وتأنيس للناس على ما يفهمونه والله هو الغنى الحميد لكنة تعالى شبه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو ثوابه فى الأخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال فى أخذ الجنة بالبيع والشراء.

وقيل المراد بالآيات الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعه عليهم وفى سبيل نصرة الدين.

إلا أن الله تعالى ببالغ لطفه وكرمه ليستقرض الإنسان من هذا المال الذى هو ماله وعطاؤه تبارك وتعالى ويشتريه من عباده وهو صاحبه فضلا منه.

والحق سبحانه وتعالى جعل لنا فى هذا الإنفاق مراحل فرض الزكاة و جعلها ركنا من أركان الإسلام رعاية لحق الفقير واستبقاء الحياة للعاجز عن العمل وقد عبر القرآن الكريم عن الزكاة فقال: {والّذِين فِي أمْوالِهِمْ حقٌّ معْلُومٌ؛ لِلسّائِلِ والْمحْرُومِ} [المعارج: 24-25] وعبر عن الانفاق فى غير الزكاة فقال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19]

فالمعلوم هو الزكاة الواجبة والمطلق هو الصدقة وهى مقام الإحسان وتلك الزيادة فى الانفاق قرضا؛ والقرض الحسن هو الذي تعطيه طيبة بها نفسك وأن يكون من مال حلال وكسب حلال لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] وألا يكون القرض من خبيث ما تملك {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة:267] وأن تعطيه وأنت تحب العطاء {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8-9] ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى وأن تتصدق فى خفاء كما بين سيدنا محمد صل الله عليه وسلم «حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ وثواب القرض عظيم لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه.

أخرج ابن ماجه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَاب: الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ» وأنت حينما تقرض تحمى المحتاج و ترحم وجهه من مذلة المسألة وطلب الصدقة فحين تعطيه على سبيل القرض تخفف عنه المسأله وبعد ذلك إن قدر على الأداء فبها ونعمت وإن لم يقدر فإنك أمام أمرين: قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].

وقوله بقرض الله يدلنا على أن القرض لا يضيع لأن القرض يخرجه من مالك على أمل أن تستعيده والله يطمئنك على أنه هو الذى يقترض منك والقرض الحسن مضمون عند الله يضاعفه أضعافاً كثيرة فى الدنيا مالاً وبركة وسعادة وراحة ويضاعفه فى الأخرة نعيماً ومتاعا ورضا وقربة ومرد الأمر فى الغنى والفقر إلى الله لا إلى حرص وبخل ولا إلى بذل وإنفاق وأن الله سبحانه وتعالى سوف يرد ما اقترضه ليس فى صورة ما قدمت ولكن فى صورة مستثمرة أضعاف مضاعفة.

ويجب على المستقرض رد القرض فقرض الأدمى للواحد واحد أى يرد عليه مثل ما أقرضه ولا يجوز أن يهدى من استقرض هدية للمقرض ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن تكون عادتهما ذلك وبهذا جاءت السنة.

سئل أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ طَبَقًا فَلا يَقْبَلْهُ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَلا يَرْكَبْهَا إِلا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» (رواه ابن ماجه).

فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "إن خياركم أحسنكم قضاء" و يقول النبى صلى الله عليه و سلم: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رواه البخاري).

والقرض من المال الذى لديك يتناقص فلذلك الله يعطيك أضعاف مضاعفه وذلك مناسبا لقوله تعالى:  {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245] أي أن المال الذى تقرض منه ينقص فى ظاهر الأمر ولكن الله تعالى يزيده ويبسطه أضعافاً مضاعفه وفي الآخرة يكون الجزاء جزيلاً.

وبعد هذا العرض الواضح لمفهوم القرض فى الإسلام نجد أن القرض يعتبر حلا مثالياً لمشاكل أمتنا الاقتصادية والاجتماعية حيث ينتظر ملايين الشباب من خريجى الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الفنية وغيرهم من الأفراد الذين فقدوا وظائفهم بسبب تسريح العمال وتصفية أعمال شركاتهم فرصة عمل لا يجدونها ويصبحون فى أمس الحاجة للعون والمساعدة فى إيجاد فرصة عمل عن طريق المشروعات الصغيرة وهى كثيرة ومتنوعة وتناسب قدرات كل شخص على حدى وتشمل أوجه النشاط فى الحياة كالمشروعات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها فضلا عن مشاكل العشوئيات وما ينقصها من خدمات أساسية تتعلق بحياة هؤلاء السكان من مياه صالحة للشرب وصرف صحى وتلوث بيئى بسبب القمامة  التى تتراكم وغيرها .

والقرض فى الإسلام كما أوضحنا هو أنسب الطرق وأهم الوسائل التى تؤدى إلى نهضة المجتمع وإشاعة الأمن والسلام فى ربوعه وتؤدى إلى الرواج الاقتصادى وحل المشكلات الاجتماعية وذلك لما نستخلصه مما سبق ذكره:

  • أولا: أن القرض يحفظ كرامة الإنسان المقترض من ذل السؤال ويفتح له باب الأمل فى عمل يعيش منه أولاً ورد القرض للمقرض  فضلاً على أن المقرض لا يحب أن يمن بما قدمه وأن يخفى القرض ولا يفصح عنه.
  • ثانياً: أن رد القرض مضمون وواجب على المقترض رده فإن تعثر: {"فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280]
  • ثالثاً: أن الله سبحانه وتعالى يرد القرض على المقرض أضعافاً مضاعفه وأضعافاً كثيرة فثوابه أعظم من الصدقة ونهيب بالجهات الرسمية والمعنية بالدعوة إلى الله كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والعلماء والداعين إلى الله أن يبينوا لعموم المسلمين معنى القرض الحسن وأثره على أمن المجتمع وشيوع المحبة فى ربوعه.

وختاماً نقول لكل مسلم رزقه الله مالاً ووسع عليه نقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[البقرة:245]

وأخيراً تقبل الله منا وجعله خالصاً لوجهه تعالى.

==================

أعده: د./  جلال عبدالله المنوفى