إتحاف الأريب بسقوط شبهات أهل الصليب (3)

خالد عبد المنعم الرفاعي

كان كتابُ الوحيِ يقرءون القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم-
كغيرهم من قرَّاء الصحابةِ، فلماذا لَم تختلفْ قراءتُهم مع ما أملاه
عليهم -صلى الله عليه وسلم- إذا كان منهم من غيَّر أو بدَّل ؟

  • التصنيفات: اليهودية والنصرانية -


- المقال السابق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحبه ومن والاه.

أما بعدُ:

فلا زلنا بحول الله وقوته نفند شبهات أهل الصليب، وما يلبسون به على بعض الأغرار، ومن تلك الشبهات:

أن النبيَّ كان أميًّا لا يقرأ ولا يَكْتُب، فكيف أنتم واثقون مِن أنَّ مَن أملى عليهم القرآن كتَبُوه بشكْلٍ صحيحٍ، وهو لا يعرف القراءة؟


فهذه شُبهة سخيفة ساقطة بأدنى تأمُّل، ولا تحتاج إلى رد، فهي محض وسوسة هزيلة، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، فكل مَن له أدنى تدبُّر يعلم دحضها، فالخلْق كلهم عاجزون عن تحريف حرف واحد من القرآن، ولا يقدرون عليه، ولا يقدر عليه حتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسُه أن يبدلَ حرفًا، ولا سورةً من القرآن، ولو كان كذلك لظَهَر، ولتبيّنه كُفَّار مكة، الذين كانوا أحرص الناس على إبطال قوله -صلى الله عليه وسلم- مجتهدين بكل طريق.


قال الله -تعالى-: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]، وقال -سبحانه-: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} [الشورى:24]، وقال -تعالى-: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:101-102].


وقال -تعالى-: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس:15-16].


ومَن تأمَّل الآيات السابقة أدْرك أن تلك الشُّبهة جَمَعَتْ بين الجهل وقلة العقل، والزعم الباطل بغَيْر دليل، والكلام العاري عن البرهان لا يُقْبَل عند العُقلاء.

فلو أمكن رسولَ الله أو كتبةَ الوحي تغييرُ حرْفٍ من القرآن، لأمكنَ بقيَّةَ العربِ ذلك؛ لأنَّ القرآن الكريم قد نزل بلُغتهم، وهم أهل اللغة والبيان، وأعلم بها، وقد تحدَّاهم القرآن الكريم في آياته المكيَّة والمدنية أن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا، وكاعوا وعجزوا، مع وجود الداعي وهو كفرُهم، وشدةُ عداوتِهم، وعدمِ المانع، وهو ظهورُهم على المسلمين في ذلك الوقت، وهذا برهانٌ ضروريٌّ.


وقد وردت في القرآن الكريم آياتٌ للتحدي تدلُّ على أنه غيرُ ممكنٍ ولا متصوَّرٍ، أن يُفتَرى هذا القرآنُ على الله -تعالى-، وعلى عجز الخلق أجمعين أن يأتوا بمثله قال -تعالى-: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88]، وقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38]، وفي الآية الأخرى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود:13-14].


وآياتُ التحدي دليلٌ قاطعٌ، وبرهانٌ ساطعٌ، على صحة ما جاء به الرسولُ وصدقِه، حيث تحدى الله الإنسَ والجنَّ أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرةٌ على رد ما جاء به بأيَّ وجهٍ كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهَّلٍ وتمكُّنٍ من ذلك لفعلوه، فعلم بذلك، أنهم أذعنوا غايةَ الإذعان، طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته.


وتأمل معي مناظرة شيخ الإسلام أبي عبد الله بن القيم لأحد علماءِ النصارى؛ لتعلم أنَّ أصحابَ تلك الشُّبهةِ المتهافِتة قد سبَّوا الله مسبَّةً عظيمةً.


قال- رحمه الله- في "الصواعق المرسلة" (1/327):

"وقريب من هذه المناظرةِ ما جرى لي مع بعض علماءِ أهْل الكتاب، فإنه جَمَعني وإياه مجلسُ خلوةٍ، أفضى بيننا الكلام إلى أن جرى ذكر مسبَّة النصارى لربِّ العالمين مسبَّةً ما سبَّه إياها أحد منَ البشر، فقلتُ له: وأنتم بإنكاركم نبوةَ محمدٍ قد سببتم الربَّ -تعالى- أعظمَ مسبةٍ، قال: وكيف ذلك؟ قلتُ: لأنَّكم تزعمون أن محمدًا ملِكٌ ظالمٌ ليس برسولٍ صادقٍ، وأنه خرج يستعرض الناس بسَيْفه، فيستبيحُ أموالَهم ونساءَهم وذراريَهم، ولا يقتصرُ على ذلك حتى يَكْذبَ على الله، ويقولَ: الله أَمَرَنِي بهذا وأباحَه لي، ولَم يأمُره الله، ولا أباح له ذلك، ويقولَ: أُوحِي إليَّ، ولَم يوحَ إليه شيءٌ، وينسخَ شرائعَ الأنبياءِ مِنْ عنده، ويبطلَ منها ما يشاء، ويُبقيَ منها ما يشاء، وينسبَ ذلك كله إلى الله، ويقتلَ أولياءَه وأتباعَ رسلهِ، ويسترقَّ نساءَهم وذرياتِهم، فإما أن يكونَ الله -سبحانه- رائيًا لذلك كله، عالمًا به، مطلعًا عليه أو لا.


فإنْ قُلتم: إن ذلك بغير علمه واطلاعه، نسبتموه إلى الجهْل والغباوةِ، وذلك مِنْ أقبح السبِّ.


وإن كان عالمًا به رائيًا له، مشاهدًا لما يفعله، فإمَّا أن يقدرَ على الأخذ على يديه ومنْعه مِن ذلك أو لا، فإن قلتم: إنه غيرُ قادرٍ على منعِه، والأخذ على يده، نسبتموه إلى العجْز والضعف، وإن قلتم: بل هو قادِرٌ على منعه، ولم يفعلْ، نسبتموه إلى السفَه والظُّلم والجور.


هذا؛ وهو من حين ظهر إلى أن توفاه ربُّه يجيبُ دعواتِه، ويقضي حاجاتِه، ولا يسأله حاجة إلا قضاها له، ولا يدْعوه بدعوةٍ إلا أجابها له، ولا يقوم له عدُو إلا ظفر به، ولا تقوم له رايةٌ إلا نصرَها، ولا لواءٌ إلا رفَعَه، ولا مَن يناوئه ويعاديه إلا بتَره ووضعَه، فكان أمره مِن حين ظهر إلى أن تُوفِّي يزداد على الأيام والليالي ظُهُورًا وعلوًّا ورفْعة، وأمْرُ مخالفيه لا يزداد إلا سفولاً واضمحلالاً.


ومحبته في قلوب الخلْق تزيد على مَمر الأوقات، وربُّه -تعالى- يُؤَيِّده بأنواع التأييد، ويرفع ذكْره غاية الرفع، هذا وهو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررًا على النَّاس، فأيُّ قدح في رب العالمين وأي مسبةٍ له وأيُّ طعن فيه أعظمُ مِنْ ذلك؟!


فأخَذ الكلامَ منه مأخذًا ظهَر عليه، وقال: حاش لله أن نقول فيه هذه المقالة! بل هو نبي صادق، كل مَن اتَّبعه فهو سعيدٌ، وكل مُنصفٍ منَّا يُقِرُّ بذلك ويقول: أتباعُه سعداءُ في الدارَيْن.


قلتُ له: فما يمنعُك من الظفر بهذه السعادةِ؟ فقال: وأتباعُ كل نبيٍّ مِن الأنبياء كذلك، فأتباع موسى أيضًا سعداء.

قلتُ له: فإذا أقررتَ أنه نبيٌّ صادقٌ، فقد كفَّر مَن لَم يتبعه واستباح دمه وماله وحكم له بالنارِ، فإن صدقته في هذا وجَب عليك اتِّباعه، وإن كذَّبته فيه لَم يكن نبيًّا، فكيف يكون أتباعه سعداءَ؟! فلم يُحِرْ جوابًا!".اهـ.


أمَّا كونه -صلى الله عليه وسلم- كان أميًّا مثْل الأمة التي بُعِث فيهم، فهو من أعظمِ المعجزات الخارقةِ للعادة، فكان -صلى الله عليه وسلم- لا يقرأ ولا يحفظ كتابًا مِنَ الكُتُب، لا المُنَزَّلَة ولا غيرها، ولا يكتب ولا ينسخ شيئًا مِنْ كُتُب الناس المُنَزَّلة ولا غيرها، مَنْ يتعلم من غيره إمَّا أن يحفظ أو يكتب، وهو لَم يفعل هذا ولا ذاك، فصارت هذه الصفةُ أبعد مِن تَوَهُّمِ الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، وأقربَ إلى صدقه؛ قال -تعالى-: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، فعلَّم -صلى الله عليه وسلم- الناس ما يكتبونه، وعلَّمه الله ذلك بما أوْحاه إليه، وهذا الكلام الذي أُنزل عليه هو آية معجزة مبهرة للألباب، وبرهان على نبوَّته، فإنه لا يقدر عليه الإنسُ والجن، وكانتِ البشارةُ به في الكُتُب السابقة قد تقدَّمَتْ بأنه النبيُّ الأميُّ، وقد عاش في بيئةٍ أميةٍ؛ قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2].

وقال -تعالى-: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197]، وعلماء بني إسرائيل يعلمون ذكر إرسال محمد ونزول الوحي عليه؛ كما قال -تعالى-: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف:157]، وقال: {وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام:114]، وقال: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]، وقال: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:53].

وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- بمثْل ما أخبرت به الرسل قبله، من توحيد الله وصفاته وعرشه وملائكته وخلقه السماوات والأرض وغير ذلك، وأَمَر بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وبالعدْل والصِّدْق والصلاة والزكاة، كما أمرت الرُّسُل قبْله، ونَهى عما نهت منِ الشِّرْك والظلم والفواحش.

والسُّور المكيَّة نزلتْ بالأُصُول الكليَّة التي اتَّفقتْ عليها الرُّسُل، وهي الإسلام العام الذي لا يقبل الله مِن أحدٍ منَ الأولين والآخرين دينًا غيره، والسور المدنية فيها هذا وفيها خصائص الشريعة الإسلاميَّة.


قال العلامة ابن عاشور:

"وفي وصْف الرسول الأمي بأنه يتْلو على الأُميين آيات الله -أي: وحيه- ويزكّيهم ويعلمهم الكتاب؛ أي: يلقّنهم إياه، كما كانت الرسلُ تلقن الأمم الكتاب بالكتابة، ويُعلمهم الحكمة التي علّمتها الرسل السابقون أممهم في كلِّ هذه الأوصاف -تحدٍّ بمعجزة الأمية في هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أي: هو مع كونه أمّيًّا قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرُّسل غيرُ الأميين أُمَمَهم، ولَم ينقصْ عنهم شيئًا، فتمحضت الأميةُ للكون معجزةً حصَل من صاحبها أفضلُ مما حصل منَ الرسل الكاتبين مثلِ موسى".


وقال: "هذا استدلالٌ بصفة الأُمية المعروف بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودلالتها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة، وقد ورَد الاستدلال بها في مواضع؛ كقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى:52]، وقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس:16]، ومعنى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} [العنكبوت:48]، إنك لَم تكن تقرأ كتابًا حتى يقولَ أحدَ: هذا القرآنُ الذي جاء به هو مِما كان يتلوه مِن قبل؛ {وَلَا تَخُطُّهُ}؛ أي: لا تكتبُ كتابًا، ولو كنتَ لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلُّم، وهما: التعلُّمُ بالقراءةِ، والتعلُّمُ بالكتابةِ، استقصاءً في تحقيقِ وصفِ الأميةِ، {بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49]؛ أي: بل القرآنُ آياتٌ ليستْ مما كان يتلى قبل نزوله". اهـ؛ "تفسيره التحرير والتنوير" (13/209) باختصار يسير.


وقال شيخ الإسلام في "الجواب الصحيح" (5/422):

"قد علمتِ الخاصَّةُ والعامةُ من عامَّةِ الأُمم علمًا متواترًا أنَّه هو الذي أتى بهذا القرآن، وتواترتْ بذلك الأخبارُ أعظمَ مِن تواتُرِها بخبَر كل أحد من الأنبياءِ والملوكِ والفلاسفةِ وغيرِهِم، والقرآن نفسه فيه تحدِّي الأممِ بالمعارضةِ، قال -تعالى- في سورة الطور: { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور:33-34]، فهنا قال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} في أنه تقوّله، فإنه إذا كان محمد قادرًا على أن يَتَقَوَّله كما يقدر الإنسان على أن يتكلم بما يتكلم به مِنْ نظْم ونثر، كان هذا ممكنًا للناس الذين هُم مِنْ جنسه، فأمكن الناس أن يأتوا بمثله، ثم إنه تحدَّاهم بعشر سور مثله؛ فقال -تعالى-: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13]، ثم تحدَّاهم بسورة واحدة منه؛ فقال -تعالى-: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:37-38]، فطَلَب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات هم وكل من استطاعوا من دون الله، ثُمَّ تحداهم بسورة واحدة هم ومن استطاعوا، قال: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [هود:14].


وقال: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس:37]؛ أي: ما كان لأن يفترى، يقول: ما كان ليفعل هذا، فلم ينف مجرد فعله، بل نفى احتمال فعله، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع؛ بل يمتنع وقوعه، فيكون المعنى: ما يمكن ولا يحتمل ولا يجوز أن يُفترى هذا القرآن من دون الله، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق، والمخلوق لا يقدر على ذلك، وهذا التحدِّي كان بمكة، فإن هذه السور مكية: سورة يونس، وهود، والطور، ثُم أعاد التحدِّي في المدينة بعد الهجرة، فقال في البقرة، وهي سورة مدنية: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة:23-24]، فذَكَر أمرَيْن: أحدهما قوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}، يقول: إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حقٌ، فخافوا الله أن تكذبوه، فيحيق بكم العذابُ الذي وعد به المكذبين، وهذا دُعاء إلى سبيل ربِّه بالموعظة الحسنة بعد أن دعاهم بالحكمة، و(لن) لنفي المستقبل، فثبت الخبر أنهم فيما يُستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله، كما أخبر قبل ذلك، وأمره أن يقولَ في سورة "سبحانَ"، وهي سورة مكية، افتتحها بذكر الإسراء، وهو كان بمكة بنص القرآنَ والخبرِ المتواترِ، وذكر فيها من مخاطبته للكفار بمكة ما يبين بذلك بقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88]، فعَمَّ بالخبر جميعَ الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا كلُّهم لا يأتون بمثل هذا القرآنِ، ولو تظاهَروا وتعاوَنوا على ذلك، وهذا التحدي والدعاءُ هو لجميعِ الخلقِ، وهذا قد سمعه كل من سمع القرآن وعرفه الخاصُّ والعام، وعلم مع ذلك أنهم لَم يعارضوه ولا أتوا بسورةٍ مثله، ومن حين بعث وإلى اليوم الأمر على ذلك، مع ما علم من أن الخلق كُلَّهُمْ كانوا كفارًا قبل أن يُبعثَ، ولما بعث إنما تبعه قليل.


وكان الكفَّارُ من أحرصِ الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكلِّ طريق يمكن، تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمورٍ من الغيب، حتى يسألوه عنها، كما سألوه عن قصةِ يوسف وأهلِ الكهف وذي القرنين -كما تقدَّم-.

فإذا كان قد تحدَّاهم بالمعارضة مرةً بعد مرةٍ، وهي تبطل دعوته، فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها لفَعلوها، فإنه مع وُجُود هذا الداعي التامِّ المؤَكدِ إذا كانت القدرةُ حاصِلةً، وجب وجود المقْدور، ثم هكذا القول في سائر أهْل الأرض، فهذا القدر يوجب علمًا بيِّنًا لكل أحدٍ بعجْز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلةٍ وبغيرِ حيلةٍ، وهذا أبلغ من الآيات التي يكرر جنسها؛ كإحياءِ الموتى، فإن هذا لَم يأت أحد بنظيره، وكونُ القرآنِ أنه معجزةٌ، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط؛ بل هو آية بينة معجزة من وجوه مُتعدِّدة من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله -تعالى- وأسمائه وصفاته وملائكته وغيرِ ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:89]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54]، وقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر:27-28].


ولو قدر أن واحدًا صنَّف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا يقدر أمثاله أن يقولوا مثله، وتَحَدَّاهم كلهم فقال: عارضوني، وإن لم تعارضوني فأنتم كفار، مأواكم النار، ودماؤكم لي حلال، امتنع في العادة ألا يعارضه أحد، فإذا لم يعارضوه كان هذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة، والذي جاء بالقرآن قال للخلق كلهم: أنا رسول الله إليكم جميعًا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أبيح لي قتل رجالهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، ووجب عليهم كلهم طاعتي، ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق، ومن آياتي هذا القرآن، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله، وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله لمعاني القرآن لا في الحقيقة ولا في الكيفية ولا الكمية؛ بل يظهر التفاوت لكل مَن تَدَبَّر القرآن وتدبر الكتب، وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه، ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله؛ كعجْز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدِّي النبيِّ وإخباره بعجزهم، فإن هذا أمرٌ ظاهرٌ لكل أحد". اهـ، مختصرًا.


وختامًا أُحبُّ أن أُنَبِّه على أُصُولٍ عامَّة:

أولاً: هذا القرآن الذي عجزَ العربُ والعجمُ، والإنسُ والجنُّ، مجتمعين ومنفردين، عن الإتيان بمثله، وباءت كلُّ المحاولاتِ بالفشلِ على مدارِ أربعةَ عشرَ قرنًا من الزمان هو في حد ذاته معجزةٌ دالةٌ على صدقِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنَّه نبيٌّ مرسلٌ من الله -عز وجل- وعلى ذلك فيلزم كلَّ إنسانٍ على وجه الأرض -ومنهم مثيرو هذه الشبهةِ السخيفةِ- أن يَعْتَرِف بصدقه -صلى الله عليه وسلم- ويؤمنَ بكل ما جاء به جملةً وتفصيلاً، ومن جملةِ ما جاء به قولُ الله -عز وجل-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، فهل يتكفَّلُ الله بحفظه ثُم يتركُ من يغيّرُ أو يبدلُ فيه؟! مَن قال ذلك فقد سبَّ الله -عز وجل- والعياذ بالله.


ثانيًا: هل كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُملي القرآنَ على الصحابة جهارًا نهارًا؟ أم أنه كان ينتظرُ حتى يأتيَ الليلُ وينامَ الناسُ، ثم يمليه على بعضهم خُفْيةً حتى يتمكَّنَ الكاتبُ من التحريفِ والتبديلِ، دونَ أن يراه أحدٌ من الناسِ؛ لئلا يفتضح أمر هذا الكاتبُ إذا غيَّرَ أو بدَّلَ؟! وأترك للقارئ الكريمِ الجوابَ على هذا السؤال.


ثالثًا: كان كتابُ الوحيِ يقرءون القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- كغيرهم من قرَّاء الصحابةِ، فلماذا لَم تختلفْ قراءتُهم مع ما أملاه عليهم -صلى الله عليه وسلم- إذا كان منهم من غيَّر أو بدَّل، ثم يستمر هذا التغيير والتبديل ثلاثةً وعشرين عامًا، هي مدةُ رسالته -صلى الله عليه وسلم- ولا يظهرُ له أثرٌ ولو قليلاً؟! ألا ترى معي أنه لو حدث شيءٌ من هذا، لطار به أعداءُ الإسلامِ، وهدموا به الدعوةَ الإسلاميةَ من أساسِها دون عناءٍ، أو إراقةِ دماءٍ؟!


رابعًا: الناظر في كتب التفسير والفقه الإسلاميِّ، يجدُ أنه ما من أمر يحتملُ الخلافَ، وتعدُّدَ وجهاتِ النظر -ولو من بعيدٍ- إلا وجدتَ فيه الخلافَ، وتعدُّدَ وجهات النظر فيه، بقدر ما يحتملُ من الوجوه، ولكن الغصةَ في حُلُوقِ الأفاكين، أن الأمةَ لم تختلفْ في كلمةٍ واحدةٍ من كلماتِ القرآنِ، هل قالها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هكذا أو هكذا؛ فلو كان هناك أدنى تبديلٍ أو تغييرٍ في القرآن، لكان ذلك أولى بأن نجد الاختلاف فيه في التراثِ الطويلِ العريضِ للمسلمين الذين لم يجدوا أيَّ مجالٍ للخلافِ وتعدُّدِ الآراءِ إلا اختلفوا فيه وتعددت آراؤهم؛ ولذلك كان إجماعُ هذه الأمةِ حجةً قاطعةً.

واللهُ الموفقُ والهادي إلى أقومِ سبيل، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام