قلوبٌ محطّمة!

سحر المصري

هي صرخة أطلقها لكل من وعى.. أحسِنوا اختيار الأزواج والزوجات.. لا
تركّزوا على المادة فقط وتتناسوا كل المعايير الأُخرى.. ولئن أعمتكم
المادة في البداية فستَعمى عنكم السعادة فيما بعد.. فلا تخاطروا
بحياتكم من أجل عَرَضٍ زائل!

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة -



التقيتها بعد سنوات من الفراق.. فكنت في شوق لسماع أخبارها والاطمئنان عليها.. ولكنني فوجئت بتغييرات جذرية قد أصابت شخصيتها المتفائلة النشِطة لتتحوّل إلى "شبه إنسان"!
كانت تحاول إخفاء تعاستها وراء قناعٍ رسمت عليه ابتسامة هادئة.. وفي داخلها ثورة وبركان.. ويأس من أيامٍ قادمة ستمضي كما مضت سابقاتها.. من غير روح!
علِمَت أنه لم تنطلِ عليّ حيلة الابتسامة.. فقالت لي: لم أعد أحيا من أجلي.. وإنما نذرت حياتي للأولاد.. أريدهم أقوياء.. وحين يشتد عودُهم ويتسلّحون بشهادات عالية تمكّنهم من إدارة حياتهم بقوة فسأكون قد حققت مرادي من هذه الحياة.. وسأعرف أنهم سيتغلّبون على زواج قاهرٍ إن ابتلُوا به ولن يرضخوا كما رضخت لأنني لا أملك شهادة ولا مالاً ولا عائلة تحتويني إن طلبتُ الطلاق!
أخبرتني عن خروج زوجها المستمر من البيت.. عن طعنه لها بكلمات تهدّها هدّاً: أنتِ سمينة أخجل من أن أمشي معك في الطريق.. لا تفهمين.. لا تفقهين.. وهي تعيش تصحّراً عاطفياً معه منذ فترة طويلة جداً.. ولا مكان للترفيه في حياتها.. فلا خروج ولا سفر ولا تنفس: فالحالة ضيّقة!
أنهت تعليقها على حياتها بقولها: جثةٌ هامدةٌ أنا.. أذوب يوماً بعد يوم.. ولا وهج ضوء في حياتي إلا أولادي.. فقط!
توقفتُ عند حكاية هذه الأخت لأتلمّس أسباب هذه الحال.. فظهرت لي أسبابٌ عديدة يتحمّل العديد من الأشخاص وزر النتيجة، وعليهم أن يتحملوا أيضاً محاولة الإصلاح.. إن استطاعوا إصلاحاً..
فمَن يتحمّل المسؤولية هنا؟ الأهل؟ الزوج؟ الزوجة؟ هم جميعاً شركاء ..
هذه الفتاة تزوجت وكان عمرها خمسة عشر عاماً.. وهو يكبرها بعشرين أو يزيد.. اختارت لها أمها مَن اعتقدت أنه يستطيع انتشالها من فقر وضيق حال.. دون النظر إلى العمر واختلاف البيئة ودون التمحيص في شخصية ذلك الخاطب الوافد ... ما نتج عنه تباين اجتماعي وشخصيّ كبير بينهما.. وحين ضاقت به الحال مادياً ظهر التفاوت الخطير بينها وبينه.. فلم يكن ثمّة شيء يجمعهما إلا.. الأطفال!
هو مشغول دائماً بأصحابه.. يخرج إلى الأسواق ويرافق الأصحاب في حلِّهم وترحالهم.. يسهر إلى ساعة متأخرة في مواقع مشبوهة وأمام فضائيات ملوّثة.. طيب القلب ولكن لم يطلها من ذلك شيء! وكلما رأته مسمّراً أمام هذه الحثالة انهارت أكثر..
حاوَلَت استعادته عن طريق لفت نظره والتزين وحسن المعاملة.. وعن طريق جذبه لأطفاله والاعتناء بهم ولكن دون جدوى..
ولكني متيقنة أنهم لم يُحسِنا استخدام لغة المصارحة.. والحوار.. والتفاهم.. واحتواء المشاكل والاختلافات بينهما..
وها هي الحياة تستمر دون طعم ولا لون ولا رائحة!
كم هو مؤلمٌ أن تكون طوال حياتك على قيد الموت.. تقبع في "كهف الحياة".. فلا أنتَ حي.. ولا أنت ميْت!
لا أنت تتمنى الحياة.. ولا أنت تتمنى الموت.. تبقى واقفاً صامداً ولا تدري متى يحين أوان الانهيار!
تتوهّم أنك شمعة تذوب لتنير للآخرين.. ولا أدري حقيقة معنى أن يكون المرء شمعة تذوب وتحترق لتنير ما حولها.. وهذا الكائن "المنير" يعيش ظلاماً حالكاً.. فهل فاقد الشيء يعطيه؟
هي صرخة أطلقها لكل من وعى.. أحسِنوا اختيار الأزواج والزوجات.. لا تركّزوا على المادة فقط وتتناسوا كل المعايير الأُخرى.. ولئن أعمتكم المادة في البداية فستَعمى عنكم السعادة فيما بعد.. فلا تخاطروا بحياتكم من أجل عَرَضٍ زائل!
في دورات اختيار الزوج التي نقيمها في مناطق عدّة تلفتني أسئلة تتساءلها الفتيات وتنبؤ عن مفاهيم خاطئة راسخة في عقولهنّ.. منها أن الفتاة لا بد أن يقع عليها "نصيبها" مهما حاولت التفكير.. فهي خُلِقت من ضلع زوجها مذ وُجِدَت وبالتالي "نصيبها" ينتظرها ولا يد لها فيه! وهذا حقيقة مفهوم خاطئ جداً فلا يوجد شيء اسمه "نصيب" لأرمي عليه سوء اختياري وألوم بعدها "القدر".. كنا فيما مضى نعتقد أننا مسيّرون في الحياة والموت والزواج.. ثم أدركنا أن الحياة والموت لا يد لنا فيهما أما الزواج فهو اختيار والله جل وعلا بسابق علمه يعلمه ولكنه أتاح لنا فرصة اختيار من نريد في هذه الدنيا ليشاركنا حياتنا.. فحين نسيء الاختيار فلا نلومنّ إلا أنفسنا!
أما مسألة خلق المرأة من ضلع زوجها.. ففي المسألة كلام يطول.. قال الله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وخَلَقَ منها زَوْجَهَا" وقال صلى الله عليه وسلم: "إن المرأة كالضِّلَع، فإذا ذهبْتَ تُقِيمُها كَسرْتَها، وإنْ تَركْتها استمتَعتَ بها وفيها عِوَجٌ". وقال أيضاً: "واستوصُوا بالنساء فإنَّ المرأة خُلِقت من ضِلَع، وأنَّ أعْوَجَ ما في الضِّلَع أعلاه، إن ذهبْتَ تُقِيمه كَسَرْته، وإن تَركْته لم يَزلْ أعْوجَ، استوصوا بالنساء خَيرًا" وقال في رواية لمسلم "وكَسْرُها طَلاقُها"..

هو نداء للمقبلين على الزواج أن اختاروا بشكل دقيق ووِفق معايير صحيحة.. وإلا فزواج تعيس ويأس وتعب!
وللمتزوجين الذين يعيشون حالة مماثلة حاولوا أن تستعيدوا نبض هذه الحياة الزوجية وإلا فنذير الطلاق الفعليّ قريب قريب.. والضحية الأولى : الأبناء!

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام