بيان لكيفية خلق الإنسان (2)

حنفي محمود مدبولى

  • التصنيفات: الإعجاز العلمي -

اختلاف المفسرين:
لقد اختلف المفسرون الذين فسروا آيات خلق آدم عليه السلام في تعاملهم مع هذا التنوع والتعدد في الكلمات والمفردات التي أوردها القرآن الكريم بشأن أصل المادة التي خلق الله منها آدم:

أما الأستاذ سيد قطب فيقول في تفسير الآية السابقة: (فالتعبير قابل لأن يفهم منه أن الطين كان بداءة وكان في المرحلة الأولى ولم يحدد عدد الأطوار التي تلت تلك المرحلة ولا مداها ولا زمنها، فالباب مفتوح لأي تحقيق صحيح، وبخاصة حين يضم النص إلى نص القرآني الآخر في سورة المؤمنون:  {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12]، فيمكن أن يفهم منه إشارة إلى تسلسل في مرحلة النشأة الإنسانية يرجع أصلاً إلى مرحلة الطين، ويقول في تفسير قوله تعالى:  {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن:14]. (..والصلصال: الطين إذا يبس وصار له صوت وصلصلة عند الضرب عليه، وقد تكون هذه حلقة في سلسلة النشأة من الطين أو من التراب).

وكما جاء في تفسير الكشاف للزمخشري ـ في تفسير قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}: (... فإن قلت: قد اختلف التنزيل في هذا، وذلك قوله عز وجل: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، {مِن تُرَابٍ} ،قلت: هو متفق المعنى ومفيد أنه خلقه من تراب وجعله طيناً ثم حمأ مسنوناً، ثم صلصالاً). وهو نفس المعنى الذي أورده القرطبي في تفسير الآية السابقة حيث يقول: وقال هنا: {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}، وقال هناك:  {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ} [الصافات: 11]،وقال: {كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} ،وذلك متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، ثم انتقل فصار صلصالاً كالفخار).

وأما فى القرن العشرين يقول موريس بوكاي وهو طبيب فرنسى من أصل يهودى ـ في حديثه عن ماهية التراب الذي تكون منه الإنسان انطلاقًا من قوله  عز وجل: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7]. (وعلينا أن نتوقف قليلاً عند ذكر بداية الخلق، بدأ بالطين من الواضح أنه إذا كان القرآن الكريم قد ذكر هنا بداية الخلق ذلك أن مرحلة ثانية ستتبعها).

الخلاصة:

من خلال الآيات والنصوص التي أوردناها نستطيع القول بأن المادة الترابية التي خلق منها الإنسان قد مرت بثلاث مراحل هي:
1 ـ المرحلة الطينية: وهي المرحلة الأولى حيث يستفاد من آية سورة السجدة أن بداية الخلق كانت من مادة الطين  {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} ،هذا الطين يتميز بخاصية وصفة اللزوجة  {مِّن طِينٍ لَّازِبٍ} كما هو واضح في آية سورة الصافات.
2 ـ المرحلة الحمئية: وهي ثانية المراحل حيث تحول الطين إلى مادة أخرى مشتقة منه هي الحمأ أي الطين المتغير أو الطين المنتن كما سبق ورأيناه.
3 ـ المرحلة الصلصالية: وهي المرحلة الثالثة والأخيرة في هذه السلسة حيث انتقلت مادة الحمأ المسنون ـ كما جاء في سورة الحجر ـ إلى صلصال وتخبرنا آية سورة الرحمن أن هذه المادة الصلصالية تشبه مادة الفخار وهو الطين الذي تم طبخه وشيه كما ورد في فقرة سابقة.

ومن هنا يمكن القول أن آدم عليه السلام في مرحلة خلق الجسد قد مر بعدة مراحل بدءا من الطين ونهاية بالصلصال الفخار، وكل هذا نشأ من التراب الذى خلط بالماء فصار طينا وكما بينت من قبل أن التراب لا يمكن تشكله لأنه ناعم أملس غير متماسك وكذلك الماء لا يمكن تشكله لخصوصية انسيابه بينما الطين اللزج والحمأ المسنون يمكن تشكله فلا اشكال إذن فيما ورد فى اختلاف الألفاظ فى الآيات التى تتكلم عن خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام لأن جميعها تعبر عن أصل الخلق وهو التراب والماء ثم من سلسلة من المراحل التى مر بها الطين فالأصل واحد وتطور المراحل من نفس الأصل.

الأدلة العلمية على خلق الإنسان من التراب والماء

الأدلة العلمية على خلق الإنسان من التراب والماء من خلال ثلاثة ركائز أساسية وهى:
أولًا: تحليل العناصر في جسم الإنسان والأرض
ثانيًا: حالة التيبس الرمى بعد الوفاة 
ثالثًا‏:‏ تغذية الإنسان من النطفة إلى اللحد من التراب والماء
وإليك تفصيل كل ركيزة من هذه الركائز الثلاثة

أولا: تحليل العناصر في جسم الإنسان والأرض

1- يتركب جسم الإنسان من عناصر من التراب والماء قال تعالى:  {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم:20]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} [الفرقان:54]، ففي الآية الأولى إشارة على خلق الإنسان من تراب وفي الثانية من الماء.

2- في آيات كثيرة تبين خلق الإنسان من طين على اختلاف مراحله منها قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12]: وما الطين سوى مزيج من التراب والماء.

3- وهكذا ففي الآيات السابقة إشارة إلى أن أصل الإنسان ومعدنه الأساسي هو من طينة هذه الأرض والطين من تراب مخلوط بالماء والتراب يحتوى على مجموعة من العناصر تصل إلى مائة عنصر ويزيد.

4- إذا كان التراب به أكثر من مائة عنصر فهل جسم الإنسان به كل هذه العناصر ؟ وتجيب الآية من سورة المؤمنون على هذا التساؤل وبشكل دقيق للغاية من قوله تعالى : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] والسلالة هى الخلاصةٌ. إذن كلمة "سلالة" تعنى خلاصة مافى الأرض من أفضل عناصرها، وفى مختار الصحاح :سلال  الشيء ما * استل * منه والنطفة * سلالة * الإنسان . وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} أي: من الصفو الذي يسل من الأرض، وقيل: السلالة كناية عن النطفة تصور دونه صفو ما يحصل منه. وهذا المعنى "سلالة" يستخدم عند انتخاب السلالات النقية من الحيوانات والطيور والأسماك كما يوضح علماء الإنتاج الحيوانى والداجنى والهندسة الوراثية عند بيان كلمة "سلالة" فهي تعني انتقاء أفضل السلالات ليتم التهجين منها لتنتقل أفضل العناصر من كل سلالة إلى الذرية منهما وبذلك يتم انتقاء وانتخاب سلالة عالية الجودة في الإنتاج.

5- ويمثل الماء أعلى نسبة في مكونات الجسم ويتكون الماء من أكسجين (O) وهيدروجين  (H)، ونسبة الماء 65ـ70% من وزن الجسم، ويدخل الماء في تكوين الدم وخلايا الأنسجة الطلائية والمبطنة لأجهزة الجسم والخلايا الإفرازية التى تفرز الهرمونات والإنزيمات ،كما يدخل في تكوين النخاع والسوائل المصلية في الجسم وفي تركيب خلايا العضلات، ومن هنا نجد أهمية الماء بالنسبة إلى الجسم فلا يستطيع الإنسان أن يستمر حيًا أكثر من أربعة أيام بدون ماء، رغم ما يمتلكه من إمكانيات التأقلم مع الجفاف، و ينطبق ذلك على جميع الكائنات الحية فتبارك الله إذ يقول  {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَالْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]،  فالماء هو عصب الحياة وبدونه تتوقف الحياة ومن رحمة الله بخلقه أنه جعل ما يقرب من4/5 اليابسة ماء وهذه النسبة تقريبا هى التى توجد في الإنسان وفي معظم الكائنات الحية فسبحان الخالق المقتدر.

6- لم يكتشف سوى 25عنصرًا رئيسيًا في تركيب جسم الإنسان، وقد أشار لذلك القرآن حيث قال:  {وَلَقَدْ خَلَقْنَاالْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} وقد بينا أن السلالة هي انتقاء أفضل العناصر التى موجودة في التراب فماذا يقول لنا المخبر عن ذلك ؟.

7- يقول التحليل المخبري: إنه لو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية، لوجدناه أشبه بمنجم صغير،يشترك في تركيبه حوالي (25) عنصرًا، رئيسياوهى) أ)ـ أكسجين (O)، هيدروجين ( H) على شكل ماء.(ب)ـ كربون ©، وهيدروجين ( H) وأكسجين (O) وتشكل أساس المركبات العضوية من سكريات ودهون، وبروتينات وفيتامينات، وهرمونات أو خمائر(ت) ـ مواد جافة:ـ منها سبعة مواد أساسية: الكلور ( CL)، الكبريت (S)، الفسفور (P)، والكالسيوم  (Ca)والماغنسيوم (MG) والبوتاسيوم (K)، والصوديوم (Na)، وهي تشكل 60 ـ 80 % من المواد الجافة، ومنها ست مواد بنسبة أقل هي : الحديد (Fe)، والنحاس (Cu) واليود (I) والمنجنيز (MN) والكوبالت (Co)، والزنك  Zn) ) والمولبيديوم (MO)، ومنها ستة عناصر بشكل زهيد هي : الفلور ( F)، والألمنيوم (AL)، والبوروم (B)، والسيلينيوم (Se)، الكادميوم (Cd) والكروم. ©أما نسب هذه العناصر فى جسم الإنسان فهو يتكون أساسا من الماء‏ (65%‏ إلي أكثر من‏75%)‏ بالاضافة إلي نسبة من الدهون‏ (‏من‏14%‏الي‏26%),‏ والبروتينات‏(‏ من‏11%‏ إلي‏17%)،‏ والكربوهيدرات‏(‏ في حدود‏1%)‏ وعددمن العناصر والمركبات غير العضوية ‏(‏تتراوح نسبتها بين‏5%‏ - ‏6%).‏وبرد كل ذلك الي عناصره الأولية يتضح أن جسم الإنسان يتكون من العناصرالتالية‏:الاكسجين‏65%‏،الكربون‏18%‏الهيدروجين‏10%‏،النيتروجين‏3%الكالسيوم‏1.4%‏،الفوسفور‏0.7%‏الكبريت‏0.2%‏البوتاسيوم‏0.18%‏، الصوديوم‏0.10%‏،الكلور‏0.10%‏، المغنيسيوم‏0.045%‏،عناصرنادرة‏0.014%‏وتشمل العناصر النادرة كلا من اليود‏،‏ الفلور‏،‏ البروم‏،‏الحديد‏،‏ النحاس‏،‏ المنجنيز،‏ الزنك، الكروم‏، الكوبالت‏،‏ النيكل،‏ الموليبدينوم‏،‏ القصدير‏،‏ الكادميوم‏،‏ والألومنيوم‏. ‏وهذاالتركيب يشبه في مجموعه التركيب الكيميائي لتراب الأرض المختلط بالماء‏-‏ أي الطين‏.‏

8- إن العناصر التي كانت موجودة في جسد أبينا آدم‏(‏عليه السلام‏)‏ منذ خلقه من تراب الأرض‏‏ هي التي موجودة في نسله إلى أن تقوم الساعة وذلك لأن جميع بنيه من عهده إلي اليوم وحتي قيام الساعة كانوا في صلبه لحظة خلقه‏  لقول الله عز وجل فى سورة الأعراف: {وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172:173].

9-  إن الجنين في بطن أمه يتغذى علي دمها المستمد من الغذاء الذي تأكله المستمد من التراب.

10- إن نمو الطفل بعد ميلاده علي لبن أمه لمدة عامين مستمد من غذائها المستمد من التراب.

11- نمو الطفل بعد فطامه إلي وفاته علي ما يتناول من طعام‏ مستمد أصلا من تراب الأرض‏.

ثانيا: حالة التيبس الرمى بعد الوفاة 

شاهد علمى آخر على أن الإنسان خلق من الطين وهو حالة التيبس والتحلل الرمى بعد الوفاة فنجد الصورة العكسية للخلق بدءا من خروج الروح  وتحلل جسده يعود إلي تراب الأرض‏.‏

فسلسلة الطعام تبدأ من تراب الأرض وتنتهي إليه وكذلك سلسلة الخلق تبدأ من تراب الأرض وتعود إليه، وهذا مشاهد ومحسوس في دنيا الناس، ولذلك نجد بعد خروج الروح انتفاخ الجسد فإذا ما قرعته تسمع له صلصلة، ثم يتحول هذا الجسد المنفوخ إلى طين أسود نتن وهو يشبه الحمأ المسنون، ثم يتحول هذا الطين الأسود النتن إلى طين لازب ثم يتبخر الماء منه فيعود ترابا يختلط بتراب الأرض ولذلك قال ربنا‏ سبحانه وتعالي‏: {‏وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم:20]، وقال‏ تعالى في سورة طه:‏ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55].‏وقال تعالى في سورة هود:‏ {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود:61]. ‏وقال تعالى في سورة نوح:‏ {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح:17:18]. 

ولذلك أيضا أخرج الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري‏‏ رضي الله عنه‏ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ " «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها منجميع الأرض‏ ،‏ فجاء بنو آدم علي قدر الأرض‏.‏ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبينذلك‏ ، والخبيث والطيب وبين ذلك» [صحيح أبي داود: 4693]

ثالثا‏:‏ تغذية الإنسان من النطفة إلى اللحد من التراب والماء
الإنسان يتغذى علي ما يخرج من الأرض من خضر وبقل وثمار وفاكهة وكل ذلك بدوره يتغذى ويكون محتوياته على عناصر الأرض والماء قال تعالى فى سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآَيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99]. كما أنه  يتغذى على ما أحل الله من لحوم الأنعام والطير‏ وكلا منهما يتغذى على ما يخرج من الأرض والماء،‏ وكذلك الألبان ومنتجاتها وهي خلاصة ما يتغذى عليه الحيوان من الأرض يقول الله تعالى في سورة النحل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ . وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 66:67].

 كما أنه يتغذى على ما يخرج من بطون النحل وهي بدورها تتغذى على رحيق الأزهار وهي بدورها تتغذى على مافي الأرض من عناصر الأرض لقوله عز وجل فى سورة النحل:  {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68:69].

كما أنه يتغذى على الكائنات البحرية وما يخرج من البحار والأنهار لقوله عز وجل فى سورة فاطر: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر:12] والكائنات البحرية تتغذى على ما ينبت على شواطىء البحار والأنهار وفي أعماقها وجميعها ينبت من الأرض والماء. وهذا يؤكد أن غذاء الإنسان من عناصر الأرض ومن الماء وهذه الأغذية هي التى تكون جسده ، فيكون غذاء الجسد على المادة التى خلق منها ولا يكون بأى حال من الأحوال على غيرها وإلا كان الضرر.

إن خلايا التكاثر في الإنسان مستمدة من غذائه‏، وغذاؤه مستمد من تراب الأرض‏، ولقد جعل الله‏‏ سبحانه وتعالي‏ تكاثر الإنسان عن طريق التزاوج بين ذكر وأنثي حيث تتلاقح النطف الذكرية من الأب مع النطف الأنثوية من الأم‏،‏ وكلاهما من خلايا الجسد التي تتكون وتنمو عن طريق التغذية المستمدة أصلا من تراب الأرض‏ ومائه. ‏وتكون هذه النطاف‏،‏ وتسلسلها من الأصل الواحد‏ وهو‏ آدم عليه السلام‏ وحتي قيام الساعة هو من أعظم الدلائل علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏، والتقاء النطفة الذكرية بالنطفة الأنثوية في نطفة مختلطة يسميها القرآن الكريم باسم النطفة الأمشاج يخلق منها الجنين فتعطي هذا التنوع البديع في الخلق منأصل واحد (خلق من تراب الأرض) هو من الآيات الناطقة بالشهادة للخالق سبحانه وتعالي‏ بكمال العلم والحكمة‏،‏ وطلاقة القدرة،‏ وتعاظم اتقان الصنعة،‏ وهي منصفات الألوهية‏ والربوبية، ومن دلائل الوحدانية المطلقة للإله الخالق الذى خلقهم في زوجية واضحة‏ من اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان‏ حتييبقي ربنا‏‏ تبارك وتعالي‏‏ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.

‏وباستمرار التناسل من الأصل الواحد للإنسان الذي خلقه الله‏‏ تعالي‏ ابتداء منالتراب وباستمرار تغذية ذلك الإنسان‏ ونموه‏،‏ وتكون جميع خلايا جسده ومنها خلايا التكاثر من تراب الأرض انتشر الجنس البشري في كل من المكان والزمان حتي وصل عدد سكان الأرض اليوم إلي سبعة مليارات نسمة‏،‏ هذا عدا المليارات التي عاشت وماتت‏،‏ والمليارات التي سوف تأتي من بعدنا إلي قيام الساعة‏، وكلها جاءت من صلب رجل واحد هو آدم عليه السلام‏ الذي خلقه الله‏ تعالى ‏من تراب‏.‏ ولذلك قال ربنا‏‏ تبارك وتعالي‏ فى سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم: 20].

 إن كل هذه المليارات من البشر التى عاشت وماتت من قبل والتى تعيش الآن، والتى تأتى بعد ذلك إلى قيام الساعة (وهى فى صورة أبيها آدم عليه السلام وهو الإنسان الأول) جاءت في أحسن تقويم وأتم قامة واعتدالا لم تتغير صورته، ولم يمش على أربع ولم يكن في أى زمان أو مكان على بساط الأرض متحولا من قرد أو غيره من الحيوانات إلى إنسان بل هو الإنسان الأول بجيناته الموروثة، وصفاته المألوفة، ما تغيرت ولا تبدلت ولم يحدث ذلك فى المستقبل، لأن الذى حكم بذلك هو أحكم الحاكمين ربى وربكم ورب العالمين {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]. كل هذه الشواهد هي الحق المبين الذى يشهد له وحده عز وجل بالربوبية والألوهية والوحدانية والكمال المطلق.

والآية الكريمة كما تنطبق علي البشرية كلها وهي في صلبأبيها آدم‏‏ عليه السلام‏‏ لحظة خلقه‏،‏ تنطبق علي تناسل الناس من بعده إلي اليوم‏،‏ ومايخرج من أصلابهم من ذريات تنتشر في المكان والزمان إلي يوم الدين‏، ‏وهي حقائق لم تصل إلي علم الإنسان إلا بعد تطور علم الوراثة الإنسانية في القرن العشرين . وورودها في كتاب أنزل علي نبي أمي‏ ولم تكن أدوات العلم في ذلك الوقت متوفرة بشهادة علماء الأرض قاطبة، والسجلات الموثقة لتاريخ الأمم والشعوب، وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل أربعة عشر قرنا لما يقطع بأن هذا الكتاب لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏،‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏، وإلي أن يرث الله‏ تعالي‏ الأرض ومن عليها حتي يكون حجة علي الناس جميعا إلي يوم الدين‏.‏

الإعجاز العلمى في الآيات التى تتكلم عن خلق الإنسان من التراب ومن الطين:  قوله تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم: 20]
بين الله عز وجل فيما أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منذ 1437 سنة أن آدم وحواء عليهما السلام وذريتهما من بعدهما خلقوا من تراب، وجاء العلم الحديث في القرن العشرين ليثبت هذه الحقيقة العلمية، ويؤكد من خلال التحليل الكيميائى لجسد الإنسان في المعامل المختصة بذلك أن العناصر التى يحتويها هي من بعض عناصر الأرض وليس كل عناصرها وهذا واضح فى قوله عز وجل (من سلالة من طين) أى من أفضل عناصر هذا الطين الذى هو عبارة عن تراب مخلوط بالماء. فهل كان محمد  صلى الله عليه وسلم عنده علم بالتحليل الكيميائى للتراب حتى يقول هذا الكلام المعجز؟ وهل كان فى زمنه صلى الله عليه وسلم مثل هذه العلوم وهذه الأجهزة الدقيقة للتحليل البيوكيميائى حتى يستشهد بها؟ أبدا لم يكن محمد  صلى الله عليه وسلم عنده هذه العلوم ولا تعلمها من غيره من البشر وإنما هي وحى من العليم الخبير.

وقد بينت الآيات مراحل الطين وهي الطين اللازب أى الملتصق بعضه ببعض فهل لهذه الصفة في جسم الإنسان شاهد على خلق الإنسان من الطين اللازب أقول وبالله التوفيق أن جميع خلايا جسم الإنسان لها هذه الصفة فكرات الدم الحمراء أو البيضاء لها صفة اللزوجة وخلايا العضلات لها صفة اللزوجة ويلتصق بعضها ببعض وجميع الأعضاء والأنسجة بجسم الإنسان لها صفة اللزوجة ويلتصق بعضها ببعض والسوائل التى بجسم الإنسان سواء كانت البلازما أو الهرمونات أو الإنزيمات أو غيرها لها صفة اللزوجة، والإفرازات التى تخرج من الإنسان لها صفة اللزوجة وتلتصق مكوناتها بعضها ببعض كالمخاط الذى يفرزمن الأنف والقصبة الهوائية والشعب الهوائية، والخارج من السبيلين، والسائل المنوى والمذى والمدى كلها لها نفس الصفة مما يشير إلى خلقها من الطين اللازب فسبحان من هذا كلامه.

ومرحلة أخرى من الخلق من الحمأ المسنون وكما بينت أن الحمأ هو الطين المتغير الرائحة فهل جسم الإنسان متغير الرائحة؟ أقول نعم فإن الإنسان يعرق ورائحة عرقه وبوله بحسب ما يأكل، والمسنون هو الشئ الأملس والمصبوب على صورة وهذا شاهد آخر على خلق الإنسان من الطين فجسد الإنسان له صورة وجلده أملس ليس مغطى بالريش كالطيور، ولا بالقشور كالبرمائيات والزوحف والأحياء المائية كالسمك وغيرها مما يعيش فى البحار والأنهار والمحيطات ، وليس له جلد سميك عليه شعر أو صوف أو وبر كالحيوانات البرية والأليفة وهذا يدل على دقة اللفظ القرآنى والإعجاز البيانى له، وشاهد على الخلق من الحمأ المسنون. وأما مرحلة الخلق من الصلصال كالفخار فهي شاهدة أيضا على الخلق من الطين لأن من صفات الصلصال كالفخار هي المسام التى تنفذ السوائل من داخله إلى خارجه والصلصلة أي الصوت عند الطرق عليه. وهاتان الصفتان موجودتان فى جسم الإنسان فجسمه به مسام في الداخل والخارج ألا تجد تعرقه من الجلد علام يدل هذا ؟

إنما يدل على وجود مسام بالجلد وهذا ما أثبته علم الأنسجة، كما أن جميع الإفرازات من عصارات وإنزيمات وهرمونات وسوائل مخاطية أو غيرها كلها تنفذ من داخل الخلايا والأنسجة -عبر المسام التى عليها- إلى خارجها حتى هرمونات الغدد الصماء، وإذا تم الطرق على الجسم حيا أو ميتا تسمع له صلصلة أى صوت نتيجة وجود تجاويف بها هواء أو سوائل. كل هذه الألفاظ الدقيقة في معناها اللغوى ووصفها العلمى إنما تدل دلالة قطعية على أن القرآن الكريم هو كلام العليم الخبير رب العزة سبحانه وتعالى وعز وجل. 

كما تبين من الأمر المشهود والمحسوس والمعروف لدى الناس جميعا أن الإنسان بعدما يوارى في التراب يتحلل جسمه ويعود مرة أخرى إلى التراب ولذلك لا نعجب أبدا أن الذى دل قابيل على دفن أخيه هابيل بعد أن قتله هو الغراب، وهذه إشارة أخرى من الغراب الذى علمه ربه عز وجل أن يبين هذا لقابيل ليدله على أن الإنسان يعود إلى أصله وهو التراب مرة أخرى.

الإشارة الثالثة لبيان خلق الإنسان من التراب هو تغذيته على ما يخرج منها واختلاط عناصر هذا الغذاء بخلايا وأنسجة وسوائل جسمه ولو كانت هذه العناصر ضارة له ما قبلها هذا الجسم. 
عبر وآيات وعظات من خلق آدم عليه السلام:
1- خلق الإنسان من التراب وهو شىء ضعيف يدل على مدى ضعف الإنسان وهذا ما بينه الله عز وجل فى قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28].

2-  لا يظن الإنسان مع ضعفه هذا أن الشيطان أقوى منه أو يستطيع أن يتغلب عليه وهذا ظن خاطىء بل الحقيقة أن كيد الشيطان دائما ضعيفا وقد بين الله عز وجل هذا في قوله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}  [النساء: 70].

3- أن الإنسان بإيمانه بربه وبإخلاصه في عبادته له، هو أقوى من إبليس باعتراف إبليس نفسه بذلك، وهذا ما بينه الله عز وجل فى كتابه العزيز حاكيا هذا الحوار الذى دار بينه سبحانه وتعالى وبين إبليس اللعين عندما رفض السجود لآدم كما أمره الله تعالى وبين عداوته لآدم عليه السلام ولذريته من بعده : { قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40:39]، وفى قوله :  {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82:83].والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة لله رب العالمين ولم يشركوا أحدا مع الله في عبادتهم ووافقوا سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، ويقول سبحانه وتعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}  [آل عمران:32]، وقال القاضى عياض وهومن قضاة المالكية إن الله لا يقبل عملا إلا إذا كان خالصا وصوابا، وخالصا ليس فيه شرك وصوابا موافقا لسنة النبى محمد صلى الله عليه وسلم. والإنسان بإيمانه بربه قوى والمؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والشيطان يفر من المؤمن القوى كما فر من عمر بن الخطاب وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» [صحيح مسلم: 2664]، وفى قوله لعمر بن الخطاب: (إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك) كما فى الحديث الصحيح: «محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر أضحك الله سنك يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال عمر فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ثم قال عمر يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك» [صحيح البخاري: 3683].

4- لقد رأت الملائكة آدم وهو جسد من طين ورأوه بشرا سويا بعد نفخ الروح فيه ورأه معهم إبليس فهل يستطيع أحد منهم أن يخلق مثل ما خلق الله عز وجل ؟ ويأتى الجواب شافيا كافيا من عند العليم الخبيريرد على الظالمين الجاحدين الذين يتخذون الملائكة أو النبين أربابا من دون الله : {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [بقمان: 11]. وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}  [آل عمران:80:79].

5- وسؤال آخر فى غاية الأهمية هل يستطيع أحد كائنا ما كان أن يعدل أو يغير في هذا الخلق ؟ وما هي النتيجة ؟ وتأتى الإجابة ساطعة مضيئة تنير الطريق للحيارى والمتخبطين في ظلمات الجهل، فيقول تعالى محذرا من مغبة ذلك: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30]. ومن الشواهد الحسية المعلومة عند تغيير فطرة الحيوانات في أوروبا من أكل العشب والكلأ إلى أكل مسحوق اللحم والدم والعظم ظهر عليها مرض جنون البقر والذى انتقل بدوره للإنسان الذى أكل من لحوم هذه الأبقار من قبل أن تظهر عليها أعراض المرض،  وعندما حاول علماء بيولوجيا الخلية وعلماء التكاثر الاستغناء عن أحد الزوجين في الحيوانات عند عملية التزاوج واستبدلوها بالاستنساخ ظهرت النسخ المشوهة وطالب العالم أجمع علماؤه ومفكروه، وعلماء الدين سواء من اليهود أو المسيحيين أو الإسلاميين، والساسة بعدم الخوض في أبحاث الاستنساخ التكاثرى للمشاكل الخطيرة التى نجمت عنه.

6- تتضح عظمة الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته فى خلق آدم عليه السلام فما استطاع أحد ممن شهد خلقه أن يخلق مثله، ولا يستطيع أحد مهما أوتى من علم أن يغير في هذا الخلق لأنه فوق قدرة الخلق جميعا ويؤكد الله عز وجل هذا المعنى بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ . إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ . لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}  [النحل: 17:22].

7- بل لا يستطيع أى مخلوق أن يحيى أي شيء  مات ولكن الإحياء والإماته هي بقدرة الله عز وجل {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}  [يس:78:79]، وقوله تعالى في سورة البقرة: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] لأن الخلق والإحياء والإماته هي من صفات ربوبية الله عز وجل ولا يقدر على ذلك إلا هو سبحانه وتعالى.

8- أن خلق الإنسان والتفكر في كيفية هذا الخلق لطريق عظيم يدل على وحدانية الله عز وجل. فكيف يعبد من لا يستطيع أن يخلق وهو مخلوق ويترك الخالق سبحانه وتعالى إن هذا لشىء عجاب !!!

9- قد يعترف الإنسان بعجزه عن خلق مثله أو تعديل خلقه فهل يقدر على خلق ما هو دونه وتأتى الإجابة لتخبرنا بعجز الإنسان عن خلق ذبابة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ  مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:73:74].

10- وإذا نظرنا إلى هدف الإنسان من الحياة وماذا يريد منها نجد أن الإنسان يريد شبعا بلا جوع، وكساءا بلا عرى، وريا بلا ظمأ، وظلا بلا شمس يريد الإنسان الخلد والملك وبين الله عز وجل لآدم وحواء طريق الخلد ومعالمه بقوله عز وجل: إِ {نَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طه:118:119]، ولكن الإنسان خلق ضعيفا ومن هذا الضعف التصديق بمن يقسم بالله حتى ولو جاء القسم من العدو وقد بين الله عز وجل هذه النقطة في قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ . فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 20:22]. 

11- إن التغرير بآدم وحواء عليهما السلام من إبليس ووساوسه ببيان طريق الخلد والملك: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} وبالقسم وأنه لهما ناصح أمين: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} كانوا أسبابا لوقوعهما في المعصية لأن البديهى أن لا يقسم أحد بالله كذبا وزورا وبهتانا وهذا ما أخذ به آدم وحواء عليهما السلام ظنا منهما أن هذا اللعين إبليس لا يمكن أبدا أن يقسم بالله كذبا وزورا لأن قدر الله عز وجل عندهما عظيم، وهذا هو حال المؤمن بربه دائما أن يعرف قدر الله عز وجل، بينما حال الكافر هو عدم تقديره لذات الله عز وجل وقد بين الله عز وجل ذلك فى كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:73:74]. ومن هاتين الآيتين يتبين أن الشركاء والألهة من دون الله لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابا ولواجتمعوا لخلقه بل لن يستطيعوا أن يستنقذوا ما سلبهم الذباب من طعامهم أو شرابهم أو أبدانهم أو من أى شىء هم يعرفوه وهم مع ذلك كله ما قدروا الله حق قدره وهو القوى العزيز.

12- أن الله عز وجل بين أنه هو وحده خالق كل شىء وأنه سبحانه له مقاليد السموات والأرض، وما ادعى أحد أنه قادر على الخلق والإيجاد أو أنه متصرف في أمر السموات أو الأرض  إلا أن الكافرين المعاندين والمستكبرين ما قدروا الله حق قدره فكيف يعبد غيره؟ وكيف يؤمر بذلك؟ إن هذا لجهل عظيم بذات الله عز وجل. إن من يعبد الله ويشرك أحدا في عبادته إياه يحبط عمله وهو ف الآخرة من الخاسرين قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ . وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:62:66].

13- أن من ينكر رسالات الرسل ما قدر الله حق قدره، وهو أرحم الراحمين بخلقه إذ أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتاب والحكمة ليدلوا الناس على طريق رب العالمين وعلى ما يسعدهم فى دنياهم وأخراهم فقال عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام:91:92]. نعم ما قدروا الله حق قدره في ذاته وهو سبحانه وتعالى في قبضته جميع الأرض وما فيها ومن عليها والسموات بما فيها من مجرات ونجوم وكواكب مطويات بيمينه، وما قدروا الله حق قدره في أسمائه وصفاته وهو أرحم الراحمين بخلقه إذ رحمهم بإرسال الرسل وإنزال الكتاب والحكمة سبحانه وتعالى عما يشركون.

14- أن المعصية تؤدى إلى تكشف السوءات وإلى التخبط والتيه والحيرة والغي والضلال ويدل على ذلك ما حدث لآدم وحواء عندما عصيا أمر الله عز وجل فقد بدت لهما سوءاتهما يقول الله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى . فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:120:121].

15- عداوة إبليس للإنسان ظاهرة منذ أن خلق الله عز وجل آدم عليه السلام وقد حذر الله منها آدم وحواء عليهما السلام : {فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:117]. ومع ذلك عصى آدم ربه مع أنه أول أمر يتلقاه آدم عليه السلام من ربه عز وجل وذلك لأن الشيطان استمر في الوسوسة والتغرير والوعد بالملك والخلد، ولكن رحمة الله عز وجل بآدم وبذريته من بعده أوسع وأشمل. نعم أن رحمة الله عز وجل بعباده أوسع وأشمل وحلمه سبحانه وتعالى سبق غضبه: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122].

16- من رحمة الله عز وجل أنه حذر بنى آدم حتى لا يقعوا فريسة لهذا الشيطان اللعين فقال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 60:61]، وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6]. ومع ذلك فإن الشيطان مستمر في قسمه بإغواء بني آدم . وأرحم الراحمين لم يجعل له سلطانا على المؤمنين بل سلطانه على من اتبعه من الغاوين قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99:100].

17- اعلم عبد الله يرحمك الله أن الخير والشر خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا حتى تقوم الساعة فاختر لنفسك طريق الخير وهو طريق الرحمن الذى بينه على ألسنة رسله الكرام عليهم وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة والتسليم، ولا تختار طريق الشر وهو طريق الشيطان الرجيم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. واعلم أن من رحمته عز وجل أنه فتح باب التوبة لعباده حتى تبلغ الروح الحلقوم فبادر بالتوبة يرحمك الله.