المسلمون والاحتفال بالسنة الميلادية

ومن جملة ما قلد فيه المسلمون الغرب، الاحتفال برأس السنة الميلادية فانشغلوا بهذا الاحتفال انشغالاً كبيرًا، واتخذوا اليومَ الأولَ من السنة الميلادية عطلة وعيدًا!!

  • التصنيفات: مناسبات دورية -

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، هو الله الذي لا إله إلا هو القائل في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24]، والصلاة والسلام على النبي الصادق الأمين القائل صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (مجموع الفتاوى: 25/331)

 

 معاشر عمار بيت الله:

إن المتأمل في أحوال الشعوب، ينكشف له أن الأمة القوية الغالبة القاهرة، تتبعها الأمم الضعيفة المغلوبة المقهورة، وأفرادُ المجتمعات المغلوبة، تعيش التبعية والتقليد، للمجتمعات الغالبة ومحاكاتهم في شعائرهم وعاداتهم، وتلك سنة تظهر لمن قرأ التاريخ، أن النفس أبدًا تعيش التبعية وتنقاد لمن غلبها.

 

 

وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم، تنكشف له هذه الحقيقة، ويلاحظ أن كثيرا من المسلمين اليوم، أصبحوا يعيشون التبعيةَ والتقليد للغرب ومن هو على شاكلتهم، يعيشون ذلك إما عن قصد ووعي، وإما عن جهالة وضلال، فقلدوهم في كل شيء حتى فيما هو سافلٌ منحط من الأقوال والأفعال، ويا حبذا لو قلدوهم في نافعٍ أو صالحٍ من العلم والاختراع والصناعة والابتكار والانضباط والجد.

 

 

ومن جملة ما قلد فيه المسلمون الغرب، الاحتفال برأس السنة الميلادية فانشغلوا بهذا الاحتفال انشغالاً كبيرًا، واتخذوا اليومَ الأولَ من السنة الميلادية عطلة وعيدًا!! وجعلوه معيارًا يسير عليه التاريخ، بدل اعتمادِ التاريخ الهجري الذي يجعل المسلمين مرتبطين بأصولهم، ومطلعين على تاريخهم المملوء بالأمجاد والبطولات والمفاخر.

وما طُمست تلك الأمجاد والبطولات والمفاخر إلا يوم تنكر لها أهلها.

 

فترى القوم كلما اقترب رأس السنة الميلادية الجديدة إلا وانشغلوا بها وتهيؤوا لها أفرادا وأسرا وجماعات، بما لا يتهيؤون به لأعيادهم الدينية، عيد الفطر وعيد الأضحى، فيقتنون كل ما يلزم ليلة الاحتفال، ومنهم من يحجز مكانه في الفنادق، فتخرج الأسرة بكل أفرادها: الأب والأم والأبناء والبنات، متلهفين لإحياء تلك الليلة ومشاركة النصارى لحظة الصفر، التي تنطفئ فيها الأضواء على إيقاع الخمور، والرقص المختلط، والغناء الماجن والاختلاط وهتك الأعراض.. وسبب هذه التبعية، ضعف الإيمان في قلوب من ينتسبون للإسلام، سبب ذلك، التقليد الأعمى للغرب واتِّباع سيرتهم ونهجهم في كل ما يفعلونه وما يعيشون عليه.

 

 

سبب هذه التبعية، أن القوم ضيقوا مفهوم الدين وحصروه واختزلوه في عبادات وشعائرٍ سطحية ليس إلاًّ تؤدى أداءً شكلياً، فطُمست حقيقته وأصالته وشموليته، بل تناسى القوم أبعاد الدين التي تُغطِّي كل جوانب الحياة، فأصبحوا مستعدين لقبول أي شيء يأتيهم بعيداً ولو كان على حساب الدين.

 

 

ولعلَّ أخطر ما في هذه القضية، إضافةً إلى اقتراف ما نهى الله تعالى عنه، التأثيراتُ النفسية على قومٍ فعل فيهم الغزوُ الفكري فعلَه، فهانتْ عليهم شخصيتُهم وانتماؤُهم، وفرّطوا في تميُّزهم العَقدي، فما عادوا يعتزون بالإسلام، بل صاروا يبتغون العزة في ملل منحرفة وفلسفات هدامة، رغم ما يرون بأعينهم ويلمسون بأيديهم ما نقلهم إليه هذا التحول إلى غير ظل الإسلام من ذل ومهانة وانفصام.

 

لقد أصبحنا نعيش في زمن عمت فيه المصائب، وصار الاحتفال بالأعياد الوثنية النصرانية اليهودية الوثنية ظاهرا معلنا، وتساهل كثير من المسلمين في حضورها والمشاركة فيها والإعانةِ عليها، والتهادي بمناسبتها والتهاني بها، باسم التسامح والحرية والانفتاح.

 

والذي زاد الأمر سوءا، الانفتاح الإعلامي بين كافة الشعوب، حتى غدت شعائر النصارى واليهودِ والوثنيينَ وعاداتُهم وفضائحُهم، تُنقل مزخرفة مزينة بالصوت والصورة الحية من بلادهم إلى بلاد المسلمين عبر الفضائيات ووسائل الاتصال المتطورة، فاغتر بزخرفها وزينتها كثير من المسلمين وخاصة الشباب.

 

وهذا الذي يحصل، وهذا الذي تعيشه الأمة الإسلامية من التبعية والتقليد، أخبر عنه الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع وواقع لا محالة في الأمة.

 

 

روى البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُن سنن الذين من قبلكم شبرا بِشبر وذراعا بِذراع حتى لو سلكوا جُحر ضَب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فَمَنْ.؟» أي: «فمن» ؟ ‏هو استفهام إِنكارٍ، والتقدير: فمَن هم غيرُ أُولئك.

 

وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر واستشرى وتفاقم وتعاظم في كثير من البلاد الإسلامية هذا الإتباع، إذِ اتبع كثير من المسلمين غيرَهم في كثير من عاداتهم وسلوكياتهم وقلدوهم في شعائرهم واحتفلوا بأعيادهم التي لا تمت للأمة الإسلامية بأية صلة لا من منطلقاته العقائدية ولا من أنماطه السلوكية الأخلاقية، لقد لعبت الأهواء بهؤلاء القوم وساقتهم حيث تشاء، فزاغوا عن طريق الحق، وانحرفوا عن أخلاق دينهم السامية وفرطوا في قيمهم، وسلكوا طرق أهل الضلال والإغواء، فحلت بهم المصائب وتسلط عليهم الخصوم والأعداء.

 

وكان المصير، النتيجة التي لا يُنكرها إلا مكابر، التأخر والهامشية والإقصاء، والسير في ركاب الغالبين الأقوياء.. وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم يرى ذلك تماما، وتظهر له هذه الحقائق جلية.

 

فأين عزة الإسلام؟ أين الهوية الإسلامية؟ أين ما ينبغي أن يتربى عليه أطفال المسلمين وشبابُهم؟

إن عزة هذه الأمة، كرامة هذه الأمة، رفعة هذه الأمةِ بدينها وفي دينها، فلا عزة ولا كرامة ولا رفعة إلا بالدين وفي الدين الذي ارتضاه الله لعباده الصالحين، وصدق رب العزة جل جلاله إذ قال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]. صدق رب العزة جل جلاله إذ قال:{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[آل عمران: 139]، فَنحنُ قومٌ أعزنا الله بهذا الدينِ، أنعمَ علينا بدين الإسلامِ وأَعزّنا بهِ، وأكرمَنا من أجلِه، يقولُ تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] وفي مقابل ذلك يقول سبحانه:{وَمَنن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكرِمٍ [الحج: 18].

 

وصدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما قال: كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يقول ربنا جل جلاله:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ويقول تقدس عدله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران: 85]، ويقول عز فضله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22].

 

فالإسلام الذي شرفنا الله به وجعلنا بالانتساب إليه خير أمة أخرجت للناس، هو دين يدعو إلى الحياة التي لا تموت، ويدعو إلى العزة التي لا تستعبد ولا تذل، وإلى العمل النافع الصالح الذي لا ينقطع.

شعاره: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". الإسلام بهذا حياة لأنه روح، وقوة لأنه عقيدة، ودستور لأنه شريعة، وإنسانية لأنه أخلاق، وجمال لأنه حضارة، وسِلم لأنه محبة.

 

هو دين فرد ودين جماعة، ما ترك من شيء تنصلح به شئون هذه الحياة الدنيا، أو يَكفل للناس سعادة الحياة الأخرى، إلا وبينه أوضح البيان، ودعا إليه أشد الدعوة وأبلغها.

 

فما بال أقوام يتركون ما فيه عزّهم ورفعتهم وشرفهم ويولون وجوههم شطر الذين ضلوا وأضلوا عن الصراط المستقيم ينشدون لديهم أسباب الراحة، والسرور والنعيم، ورغد العيش في الدنيا والآخرة؟ مع أنهم يزعمون أنهم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 

الذين ولوا وجوههم شطر هؤلاء يقلدونهم، ويتشبهون بهم، أنهم ما نظروا إلى الإسلام ولا إلى نبي الإسلام، ولا إلى القرآن الكريم إلا نظرة تنقيص، بل نظرة سوداء قاتمة، من كثرة ما غشيها من الجهل والهوى والشهوات، فتراءى لهم الإسلام من وراء هذه النظرة على غير حقيقته وفي غير صورته ونظروا إلى أولئك الذين انحرفوا وزاغوا نظر الرضا والسرور والإجلال والتعظيم لما بأيديهم وما عندهم من ملاذ، فوقع من نفوسهم موقع الإعجاب والاستحسان، فبعثهم على التقليد والتشبيه، ثم أخذوا يعللون أنفسهم بالمعاذير الباطلة والأوهام الفاسدة، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.

 

 

وتأكيدا لما سبق، أقول ناصحا: إن من الواجب على كل مسلم أن يعتز بدينه وعقيدته، وأن ينأى بنفسه عن مشاركة النصارى واليهود والوثنيين، في الاحتفال بهذه الأيام، وخاصة ليلةَ رأس السنة الميلادية. وعليه أن لا يكون إمّعة، لا رأي له ولا عزم، يقلد غيره تقليدا أعمى، ويقول أنا مع الناس، بل عليه أن يستخدم عقله، ويوطن نفسه، بحيث إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا اجتنب إساءاتهم، وعليه قبل ذلك وبعده أن يسترشد بتعاليم دينه الحنيف، ويحرصَ على الاستقامة عليها، ولا يجاري المنحرفين في انحرافهم ولا الضالين في ضلالهم... ثم عليه أن يدرك ويستيقن أن ما يُرتكب في تلكم الليلة من المنكرات والموبقات يتبرأ منها ومن مقترفيها عيسى بن مريم عليه السلام الذي تتم باسم ميلاده تلكم الاحتفالات الصاخبة التي تغضب الرحمن وترضي الشيطان.

فلنعد إلى ديننا، ولنتب إلى ربنا، ولنُصلح ديننا يُصلح الله دنيانا وآخرتنا.

 

الرهواني محمد.