يا شعب مصر الأبي: ها أنتم تصنعون فجر الأمة الإسلامية كلها!

ياسمينة صالح

من كان يصدق أن يمشي لهيب الثورة التونسية إلى أرض الكنانة بالذات،
وبهذه السرعة؟ لم يتوقعها أكبر المحللين قدرة على النظر في عمق
الأوضاع الاستراتيجية المتاحة في المشهد السياسي في المنطقة، لكنه قدر
الشعوب التي يريد الله أن ينصرها على ظالميها...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


من كان يصدق أن يمشي لهيب الثورة التونسية إلى أرض الكنانة بالذات، وبهذه السرعة؟ لم يتوقعها أكبر المحللين قدرة على النظر في عمق الأوضاع الاستراتيجية المتاحة في المشهد السياسي في المنطقة، لكنه قدر الشعوب التي يريد الله أن ينصرها على ظالميها، وعلى فجارها وفرعونها..


ما حدث قد يبدو مدهشا، يكاد لا نصدقه، ليس لأننا نشك في قدرة الشعب المصري العظيم على نفض غبار السنوات العجاف الثلاثين التي مرت، ولأن رحمة الله وسعت كل شيء، حدث للمصريين ما كانوا يحلمون به في السر والعلانية، واستطاع هذا الشعب الشجاع، الرائع، والبطل أن يصنع ثورته الشجاعة، وينتصر بفضل الله، ثم بفضل إرادة شبابه على فرعون القرن الواحد والعشرين. فحسني مبارك لم يكن رئيسا عاديا، كان جبروتا بكل ما تعنيه الكلمة من بطش، ومن حب عظمة، ومن ديكتاتورية تجاوزت مخيلة البسطاء من الناس. لقد انتصر المصريون على هولاكو القرن الجديد الذي حاول إحراق مصر، وقتل الروح الشجاعة في نفوس الشباب، وتدمير نزعة الإيمان في قلوبهم..


حاول أن يفعلها منذ ثلاثين سنة خلت، مثلما حاول تكريسها في الأيام التي شهدت فيها مصر أجمل ثوراتها على الديناصور السياسي.. مصر التاريخ، مصر الحضارة، مصر الإنسان الرائع المؤمن الصبور، هي التي انتصرت اليوم، وقدمت أجمل وأرقى صور للجهاد في سبيل تحقيق ذلك الحلم البسيط الذي ظل يداعب المسلمين جيلا بعد جيل: حلم الثورة، لأجل كسر جدار الخوف، والذل، والاستكانة، لأجل مصر، ولأجل الأمة الإسلامية التي لا يمكنها أن تتحرك في غياب الدور الريادي الذي من المفترض أن تلعبه مصر الحرة من الآن فصاعدا !
مبارك الذي أراد إذلال المصريين، فأذله الله !


عندما جاء حسني مبارك إلى الحكم في بداية الثمانينات، فعل ما يفعله أغلب الرؤساء العرب: وعد وعودا كثيرة كان يعرف أنه لن يحققها، ليس لأنها مستحيلة، بل لأنه كان ينظر في الحقيقة إلى أولوياته الخاصة التي صنعت منه "إمبراطورا" على طريقته، فقد أقام حالة الطوارئ التي بموجبها تحول الشعب المصري كله إلى "فيش وتشبيه" وإلى ضحية جاهزة ومشبوهة. ولعل خطابه عام 1985، والذي تحدث لأول مرة عن الإسلاميين صراحة، بدا وكأنه يتمترس على تطبيق أجندة دولية غير مسبوقة، بحيث لم يكن مجبرا وقتها على فعل ما فعله لتأمين "حماية" المصالح الغربية، الأمريكية بشكل خاص، بسبب ما كان الرئيس الأمريكي وقتها "رونالد ريغان" يعتبرها "مساعدات" لمصر، والتي كانت تؤسس لتبعية مذلة، جعلت مبارك يؤسس بدوره لنظام مختلف تماما عما كان يأمله المصريون. كان واضحا منذ منتصف الثمانينات أن الرجل العسكري جاء ليبقى، وأنه سيرفض التزحزح عن الكرسي، إلى درجة أن يتحول الدستور إلى تصميم شخصي يتماشى مع مقاسه، تحول بموجب ذلك إلى القائد الأعلى لكل شيء، وألا يمكن تعديل بند، ولا تغيير نقطة دون الرجوع إليه.


لقد شكلت تلك الحقبة من حكم مبارك الحالة الأخطر في طريقة إدارته للحكم، جعلت الكثير من الضباط السابقين يستقيلون، منهم من نفي خارج مصر، ومنهم من زج به في السجن، ولعل شهادة الراحل "سعد الدين الشاذلي" تظل النقطة الأهم في مسار حسني مبارك، عندما تكلم عن مساره السياسي وطريقته في تصفية منافسيه، بمن فيهم في المؤسسة العسكرية، عبر السجن أو الترهيب، أو المساومة التي كانت تنتهي بالمنفى الطويل.. في التسعينات، كان مبارك قد نجح في تصفية العديد من منافسيه الحقيقيين والافتراضيين..


فمبارك ذو تاريخ بوليسي بامتياز، لقد عاش حسني مبارك على أحلام قديمة، بأنه صانع التحرير، مع أن أصدقائه القدامى المبعدين من الضوء، والضباط الذي كانوا موجودين ميدانيا استنكروا أن يتكلم عن تحرير سيناء، وقد كان طيارا ضمن مجموعة من الطيارين الذين لم يقولوا أنهم حرروا، بل أدوا واجبا وطنيا، وأنهم كانوا أقل مساهمة من الجنود الميدانيين الذين زحفوا على بطونهم وعلى آمالهم للتحرير ! لم يكن الأمر صدفة، فقد ظل حسني مبارك يمنّ على شعبه أنه فعل كل شيء لأجله، وأنه لولاه لم كانت مصر قوية ! مع أن سنوات مبارك الثلاثين كرئيس كانت مليئة بالخسائر التي تكبدها الشعب المصري، ومليئة بالإذلال، والتبعية..


مصر العظيمة المقدامة، الغالية، الكبيرة في أعيننا وفي قلوبنا حولها حسني مبارك إلى مجرد فريق كرة قدم، ليبيع لشعبه جرعات من التخدير، إلى درجة أن مكانة مصر الحقيقية تراجعت كثيرا، وصل الأمر إلى أن تتجرأ دولة مثل إثيوبيا وتتحدى مصر في قضية مياه نهر النيل قائلة على لسان رئيسها المدعوم من "إسرائيل" أن: " إثيوبيا قادرة على تأديب مصر"! والحال أن هذا التمادي، لم يكن إلا لأن حسني مبارك جعل من مصر مزرعته الخاصة، على حساب أكثر من ثمانين مليون مصري أغلبهم كان يعيش حالة إحباط مزمنة بسبب كل ما يسمعه وما يراه. ففي مصر العروبة والإسلام، وفي قلب قاهرة المعز لدين الله توجد سفارة الكيان الصهيوني، ممتدة على طول شارع يضم العديد من البنايات المملوكة لـ"إسرائيليين" كشفت مجلة "جيرماني نيوز" الأمانية عبر موقعها الالكتروني أن أغلبهم ضباط في الموساد، وأن عدد العاملين في الموساد داخل مصر يتجاوز الـ41 شخصا، منتشرين في العديد من المحافظات المصرية، وبعلم من الرئيس مبارك نفسه، بحيث أن قضية الشاب الذي ضبطه ضباط جمارك في ميناء الإسكندرية وفي جعبته عملة أجنبية مزورة، تم إطلاق سراحه إثر تعليمات من فوق (بعد اتصالات عالية المستوى من قيادات صهيونية لمبارك)، ليتضح أن بائع العملات المزورة ما هو إلا ضابط في الموساد "الإسرائيلي"، وهو ما يفسر تراجع الشخصيات الجهادية الفلسطينية من دخول مصر في السنوات الماضية، حسبما ذكر نفس الموقع الالكتروني الألماني.


لقد تجاوز حسني مبارك كل الخطوط الحمراء في مسألة بقائه في الحكم، ليس داخليا فقط، بل وخارجيا أيضا، بالخصوص إزاء موقفه الكامل من القضية الفلسطينية، ومن غزة التي اعتبرها في حوار مسجل بالصوت والصورة منشور على "اليوتيوب" أن غزة تابعة لـ"إسرائيل"، وأن "بتوع حماس مجرد مرتزقة وخارجين عن القانون" !
مبارك الذي كان يستقبل الصهاينة ليفرش لهم السجاد الأحمر، كما لو كانوا أبطالا، هو نفسه الذي ساهم في تدمير البنية التحتية لغزة عام 2009، فقد كشفت وثائق كويليكس أن حسني مبارك كان على علم بالضربة الجوية "الإسرائيلية" ضد قطاع غزة، وأنه أعلم بعض زملائه من الرؤساء العرب الخونة بهذه الضربة، وأنه ظل طوال الحرب يساند الأطروحة الصهيونية، مديرا ظهره لشعبه الذي خرج غاضبا بالملايين طوال أيام القصف الجوي على القطاع!


حسني مبارك الذي جوّع شعبه، وكدس أكثر من سبعين مليار دولار في البنوك الأجنبية، لم يكتف بالإهانات اليومية ضد شعبه، ولم يكتف بكل التقارير الرهيبة عن السجون السرية في مصر، وعن الطريقة البشعة في عملية تعذيب المعتقلين، بمن فيهم معتقلي الرأي العام في البلد (موت عشرات الشباب تحت التعذيب في مخافر الشرطة فقط)، أراد فوق ذلك أن يفرض ابنه على المصريين قائلا لهم تحت السطور" هذا هو الذي سيحكمكم من بعدي!" مع أنه يعرف أن ثلاثين سنة كانت كثيرة جدا، وأن المصريين لن يسكتوا أكثر مما سكتوا، ليس لأن جرائمه وصلت للعنق، بل لأنه حان وقت التغيير، وأن شعب مصر لن يكون أقل شجاعة، ولا كرامة، ولا إرادة، ولا إيمانا من الشعب التونسي الذي صنع ثورته الأولى وجعل من "شين الهاربين" عبرة للطغاة العرب!
لقد انتهى مبارك قبل عشرين سنة على الأقل، وانتهى أكثر عندما أصر على أن يكون "فرعونا" على شعبه أولا، عبر سنوات الإذلال اليومية، والنهب المستمرة في الأراضي والموارد التي أوصلها إلى "إسرائيل" عبر ضخ الغاز إلى تل أبيب، على مرأى من المصريين وكأنه يتحداهم أن يثوروا أو أن يتحركوا من مكانهم!


في حوار أجرته معه البي بي سي (يمكن الرجوع إليه عبر اليوتيوب) قال مبارك ردا على سؤال حول طريقة حكمه؟ قال: أنا أحكم الشعب المصري بيدي! ورفع يده في قبضة صغيرة، ليوحي أنه يعني "حبه لهم" !، وضحك ضحكة كبيرة ! حسني مبارك الزعيم الأوحد الذي ظل يعتقد طوال ثلاثين سنة أن مصر لم تنجب أفضل منه، سقط سقوط الجبارين، والطواغيت، عندما رفسه شعبه في غضبة تظل الأجمل في العالم، بحيث خرج من الحكم صغيرا، محاطا بتاريخ طويل من الخزي ربطه بعصابة البلطجية التي أخرجها ضد المتظاهرين لإرعابهم، دون جدوى.


فقد وصل الشعب المصري إلى سن الرشد الحقيقي، سن الثورة الحقيقية، سن البطولة التي جعلتنا جميعا نحترمه أكثر فأكثر، ونعتز به ونقول في نفس اللحظة: الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، سبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون..."


فيا شعب مصر الأبي، ثورتكم حررتنا كلنا من الخوف، ومن التبعية، وريحكم سوف تصل إلى أقصى الأمة الإسلامية، فلا شيء يجبر الشعوب على الصمت بعد اليوم، من المحيط إلى الخليج، فقد حان وقت التغيير، وها قد صارت القدس على مرمى من حلمنا الواحد والمشترك، وذلك لعمري أجمل وأعظم جهاد في سبيل الله يا أمة الإسلام، فتحرروا من قيودكم الداخلية للتحرير الأكبر إن شاء الله.
 

9/3/1432 هـ
 

المصدر: موقع المسلم