أمريكا و الصين، والطائرة المخطوفة

ملفات متنوعة

في هذا المقال سنحاول فهم طبيعة المشهد السياسي العالمي في الوقت
الحالي، و التغيرات المتوقعة فيه في غضون العقد أو العقدين القادمين.
هذا سيكون مفيدا جدا في وضع الأجندة السياسة والاقتصادية وخطة البناء
لدول المنطقة..

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

في هذا المقال سنحاول فهم طبيعة المشهد السياسي العالمي في الوقت الحالي، و التغيرات المتوقعة فيه في غضون العقد أو العقدين القادمين. هذا سيكون مفيدا جدا في وضع الأجندة السياسة والاقتصادية وخطة البناء لدول المنطقة.

بداية يجب أن نفهم أن العالم في الوقت الحالي ينقسم إلى قسمين: دول مسيطرة (الولايات المتحدة و من معها)، ودول تحت السيطرة. أو ما يسمى بدول المركز و دول الأطراف.
تحرص دول المركز على السيطرة على أربعة محاور لتضمن خضوع الجميع لبرامجها:
- احتكار السلاح النووي، واحتكار السيطرة الجوية. باختصار احتكار التقنية العسكرية.
- احتكار ما يسمى بالشرعية الدولية. في حقيقة الأمر مؤسسات مثل الأمم المتحدة وغيرها هي خاضعة للهيمنة الأمريكية بشكل أو بآخر.
- احتكار الموارد الاستراتيجية مثل النفط والقمح حتى تستطيع التحكم في سرعة نمو الدول الأخرى وإخضاعها لهيمنتها.
- العولمة الثقافية. هوليوود، و الآلة الإعلامية الرهيبة من قنوات فضائية و غيرها ما هي إلا أبواق تستعمل لتوجيه العقول. بل حتى المناهج التعليمية في كثير من بلاد المسلمين تتم مراجعتها من أعدائنا.

تلك القيود أدت إلى أن تصبح أمتنا الإسلامية أشبه ما تكون بالطائرة المخطوفة التي يقودها أعدى أعدائها، ويهوي بها في ظلمات بحر لجي. والواجب علينا كصحوة إسلامية أن نحاول تحرير الطائرة من قيودها و استعادة توازنها لتحلق عاليا و تستعيد مكانتها بين الأمم و تواصل دورها في نشر النور في العالم بعد أن ملأ الظلام أركانه.


أنتم دائما تقدمون للناس نظرية المؤامرة، وإلا فلماذا لا تنطبق هذه القيود على الكيان الصهيوني؟

هذا سؤال من عدة محاور:
- أولا: المؤامرة موجودة بنص القرآن. قال تعالى: "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إن الله عزيز ذو انتقام"

- ثانيا: ليس معنى وجود المؤامرة أن نتخذها حجة لنا لننام عن واجبنا، فقد تآمر اليهود والمشركون والمنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا في سيرته أسوة حسنة في التعامل معهم وبناء أمة الإسلام رغم كيد الكائدين. كما أنه ليس معنى وجود المؤامرة أن كل ما يحدث هو بسببها كما يظن بعض البسطاء ففي النهاية الكون كله بيد الله يصرفه كيف يشاء.

- ثالثا: أما عن الكيان الصهيوني وعدم انطباق هذه القيود عليه، فقد شرحنا آنفا في مقال "طبيعة العلاقة بين الغرب والكيان الصهيوني" أن دوره هو تنفيذ أجندة استعمارية لصالح الدول الغربية، وقدمنا بعض الأطروحات للتعامل مع الأمر في مقال لنا بعنوان "خواطر حول معركة الرأي العام في أوروبا الغربية وأمريكا".


وقد يسأل البعض هل ستسمح الولايات المتحدة لنا بفك القيود عن طائرتنا المخطوفة؟

هناك عدة نقاط يجب أن تكون واضحة وضوح الشمس:
- أولها: و أهمها أن الكون كله بيد الله سبحانه وتعالى يدبره كيف يشاء، وما الولايات المتحدة و غيرها إلا عبيد لله لا يقدرون على أن يضرونا بشيء لم يكتبه الله علينا. و ليس محاولة خصوم الإسلام حربه وإعاقته بشيء جديد، بل هي سنة من سنن الله أن يمتحن عباده المؤمنين "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم".

- ثانيها: لأولئك الذين يصيبهم "الأمريكوفوبيا" أي الرعب من أمريكا. نقول لهم أن الولايات المتحدة الآن تمر بمرحلة من الضعف بعد الحروب الخاسرة التي خاضتها و أضعفتها عسكريا واقتصاديا وأيديولوجيا. وتلك فرصة مثالية للبدء في مشروع نهضوي في أمة الإسلام بعد السقوط المدوي للكاوبوي.

- ثالثها: أن العالم مقبل على مرحلة من تعدد الأقطاب مرة أخرى. وليس هذا كلامي فحسب، فالمتابع لتقارير المخابرات الأمريكية و تصريحات رئيس الجهاز يدرك أن هناك رعبا متزايدا من ظاهرة صعود قوى سياسية عظمى مثل: روسيا، والصين، والهند. لقد استغلت تلك الدول حالة الضعف التي مرت بها الولايات المتحدة وانشغالها في حربين فاشلتين في العراق وأفغانستان وما ترتب عنهما من أزمة اقتصادية لتعيد بناء نفسها مرة أخرى. تعدد الأقطاب هذا من الممكن أن يستغله المسلمون لبناء أنفسهم وتحرير طائرتهم المخطوفة في ظل انشغال القوى العالمية بأولويات أخرى.


هل يمكن إعطاء أمثلة لذلك التغير في موازين القوى العالمية حتى يصدق البعض هذا الأمر؟

صعود روسيا مجددا:
- عرف العقد الأخير من القرن العشرين تقدماً أمريكياً ملحوظاً باتجاه مناطق وأراض كانت "محتكرة" طوال مئات من السنين للنفوذ الروسي، الأمر الذي جعل موسكو تخضع لهذا المنطق الأمريكي في حينه، لأنها كانت محتاجة لواشنطن لأسباب مادية واقتصادية.

- لكن شهر شباط/ فبراير من سنة 2009، شهد قراراً غير مسبوق لجمهورية قيرغيزستان الموالية لروسيا، وبموجبه تم إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية التابعة لسلاح الجو، وهي القاعدة التي شكلت التموين الكافي للعمليات العسكرية الأمريكية في قلب الأراضي الأفغانية، وتكتسب هذه القاعدة العسكرية أهمية قصوى في ضوء إغلاق نظيرتها في أوزبكستان سنة 2005.

- ما حصل حين اقتحمت القوات الروسية الأراضي الجورجية، وتحدت تماما الولايات المتحدة، ونجحت في فرض شروطها على الأرض.

- لم تكن هذه الأمور لتحدث أبدا منذ عشر سنوات مضت، لولا تغير موازين القوى على الأرض.

- هذا الرابط يشرح لك تطور الصراع الدائر في الخفاء بين روسيا والولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=34161


صعود الصين الصاروخي:

- أيضا إذا انتقلنا للصين لرأينا العجب، فخلال 25 سنة من عام 1978 إلى عام 2003، حقق الاقتصاد الصيني معدل النمو السنوي %9,4، وزاد كل من اجمالي قيمة الناتج المحلي (1400 مليار دولار) وحجم التجارة الخارجية (851,2 مليار دولار) واحتياطي النقد الأجنبي (403,3 مليار دولار) بـ10 و40 و2400 مضاعفة على ما كانت عليه في عام 1978. و يتربع الحجم الإجمالي لاقتصاد الصين المكانة السادسة في العالم (بعد الولايات المتحدة واليابان والمانيا وبريطانيا وفرنسا) ويحتل إجمالي قيمة التصدير والاستيراد المرتبة الرابعة في العالم. هذا كان إحصائيات عام 2003.

- أما عن الوضع الحالي: فقد أظهرت بيانات رسمية أن الصين أصبحت أكبر مصدر للبضائع في العالم عام 2009 متجاوزة ألمانيا. ووفي نفس الوقت يقدر اقتصاديون أن الصين في الطريق لتنتزع من اليابان موقعها كثاني أكبر اقتصاد عالمي. موقع الجزيرة - فبراير 2010.

- نعم، الصين تحصر مواجهتها مع أمريكا في الوقت الحالي في نطاقها الإقليمي (تايوان مثلا)، وتحاول الاستفادة من أخطاء الولايات المتحدة في نشر قاعدة اقتصادية كبيرة لها خارج الصين. ولكن الأمر من المتوقع أن يتطور في غضون سنوات قلت أو كثرت. هنا يرى كيسنجر، وهو أحد أكبر مفكري الولايات المتحدة أن صعود الصين هو كارثة للولايات المتحدة فيقول: "حين يتحرك مركز الجاذبية من منطقة لأخرى وتصبح دولة أخرى فجأة قوية جدا علمنا التاريخ ان الصراع حتمي".

- و أظن أن الولايات المتحدة تعي ذلك جيدا منذ زمن فيذكر التاريخ أن الولايات المتحدة قد وضعت في اعتبارها أن الصراع مع اليابان محتمل جدا قبل الحرب العالمية بسنوات طوال (تصل إلى 10 سنوات على ما أذكر)، وبدأوا في إعداد السلاح البحري اللازم لتلك المعركة. لذلك فأنا على يقين شبه تام أن الولايات المتحدة على مستوى القيادات تضع في اعتبارها هذا الأمر جيدا.

هذا يعني أن هناك صراعا على الأبواب سيبدأ اقتصاديا و سياسيا، وفي غالب الأمر قد تحدث مواجهات عسكرية في نهايته. نعم قد تكون المواجهات غير مباشرة مثل ما حدث في جورجيا، وقد يتطور الأمر لأكثر من هذا.


أرجو ألا يفهم البعض أن الصين وروسيا دولا صديقة وأنهم حمائم سلام مثلا، فمازلنا نذكر أفعال وفظائع روسيا في الجمهوريات الإسلامية وأفعال الصين في تركستان الشرقية. فنحن بالنسبة إلى كل هذه القوى مجرد مجموعة من المصالح. أنا فقط أريد أن أقول أن هذا وقتا ذهبيا من الممكن أن نستفيد منه، ومن الصراع الدائر بين القوى الكبرى لكسب بعض الأوراق.

لكن هل يمكن القول أن الدول التي نجحت في بناء نفسها هي فقط الدول ذات الحجم الكبير مثل الصين وروسيا والهند، وأن الدول الإسلامية لن يسمح لها أبدا بهذا الأمر؟

ليس هذا صحيحا، فدول مثل تركيا و إيران قد استطاعت بناء نفسها من الداخل وبدأت تلعب دورا واضحا في السياسة الإقليمية. وصدقا، أنا سعيد جدا بصعود تركيا، لكني في غاية الخوف من إيران و مشروعها الإقليمي. ثم كيف يفكر مسلم بهذا الشكل و رسولنا صلى الله عليه وسلم قد قال "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك". إن علينا أن نبذل كل طاقاتنا في هذا الوقت، وكل مسلم صادق يساهم في البناء فليطمئن إلى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وهناك بشرى يحدثني بها قلبي أن الفجر قد بدأ يلوح في الأفق من بعيد.


حتى لا يأخذنا الحديث، دعني ألخص لك النقاط التي أريد أن تكون واضحة من هذا المقال:
- الولايات المتحدة وإن كانت الدولة الأقوى في العالم، فإن الله هو العلي الكبير و هو الذي يدبر كونه كيف يشاء : {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].

- إذا كانت بعض القوى قد نجحت في بناء نفسها، فإنه أولى بنا كأمة الإسلام أن نبني أنفسنا.

- أن الوقت الحالي يشهد تغيير في موازين القوى العالمية، وفي الغالب سينتج صراعا بعد 10-15 سنوات بين الولايات المتحدة وأعوانها من ناحية و روسيا والصين و حلفائهما من ناحية أخرى.

- لو نجحت أمة الإسلام في بناء نفسها في هذا التوقيت فستسعى كل الأطراف لتنال رضاها في وقت الصراع، أما إن ظلت على الهامش فستكون فريسة سهلة لأيهما. هذا الوقت يعتبر منحة إلهية لبناء أمة الإسلام من جديد لانشغال أطراف الصراع عنا. هذه الفرصة لا ينبغي لنا أن نضيعها لتحرير طائرتنا المخطوفة. بل لعلنا نقول أن الصراع بين فارس و الروم قديما و ما نتج عنه كان مما قدمه الله ليهيىء الأرض لدينه. وأسأل الله أن يغفر لي إن أخطأت التعبير.

- ينبغي أن نحرص على أن تصل إلى المواطن الأمريكي رسالة واضحة: أن انشغال بلاده في خوض حرب ضدنا كأمة إسلامية أنهكت اقتصاده وأعطت فرصة لأعداء أقوياء للظهور. هذه الصورة إن أجدنا عرضها فأظن أن ذلك سيكون مفيدا.
- كتب أفرايم هاليفي رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق في تقديم الترجمة العبرية من كتاب (عالم ما بعد أمريكا... تغير القوى العالمية): "كل من يريد التطلع نحو مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عليه قراءة هذا الكتاب، لا سيما وأنه يضع خريطة طريق لبناء علاقات دولية لإسرائيل في مرحلة ما بعد أمريكا، ما يحتم عليها استخلاص الدروس والعبر السياسية والتاريخية". و الآن الكيان الصهيوني يقوم بتعاون عسكري وثيق مع الصين، بل ويقدم منح كبيرة للصين، وصلت إحداها مؤخرا ل500 مليون دولار. وبالتأكيد ذلك استعدادا لقيام عالم ما بعد أمريكا.

- لابد من استغلال تغيير ميزان القوى العالمية لكسب بعض النقاط، وبالتأكيد لست أدعو لتقديم منح للصين، ولكن أدعو لتطوير سياسة ذكية تستفيد من موازين القوى الجديدة.

- هناك سؤال يطرح الآن في الولايات المتحدة حول كون إسرائيل عبئا عليهم. هذا السؤال يجب أن يطرح في إطار التغيير في موازين القوى العالمية. إذ أن الولايات المتحدة تخسر العالم الإسلامي بأكمله وهي مقبلة على صراع كبير جدا في غضون سنوات. ولكن لا أتوقع أن يحقق الطموحات التي يظنها البعض ولكنه سيحقق شيئا محدودا وسيكون مفيدا بإذن الله. و قد تناولت العلاقة بين الغرب و الكيان الصهيوني في مقال "طبيعة العلاقة بين الغرب والكيان الصهيوني" لأهمية هذا المحور.


قدمت ما عندي اليوم فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمن النفس و من الشيطان.
وفقنا الله وإياكم إلى ما فيه الخير، وصلى اللهم وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

محمد نصر
22 - رجب - عام 1431
04 - يوليو - 2010

المصادر:
- تعبير الطائرة المخطوفة هو ماركة مسجلة للدكتور عبد الله النفيسي، مثله مثل محاور السيطرة الأربعة المذكورة سابقا.
- عرض كتاب: عالم ما بعد أمريكا... تغير القوى العالمية. عدنان أبو عامر - مركز الزيتونة.
http://www.alzaytouna.net/arabic/?c=138&a=117700