العقل البشري والعقل الإلكتروني

ومن الأمور المسلَّم بها عند العلماء، والمثبَّت تأكيدها بالتجرِبة: أن قدرات العقل البشري تزداد وتنمو بالمران والتفعيل؛ فالعقل كما يصفونه كالبالون، كلما ازداد حشوه، ازداد حجمه ووزنه.

  • التصنيفات: وسائل التكنولوجيا الحديثة -

بعيدًا عن الأرقام الفلكية لخلايا المخ العصبية، وبعيدًا عن الطفرة الكبرى في صناعة المعالجات الدقيقة في أنظمة العقل الإلكتروني "الكمبيوتر"، سيكون حديثُنا عن العلاقة بين العقل الإلكتروني والعقل البشري، وهل هذه العلاقة تكاملية؟ أو هذا على حساب ذاك؟

 

لا يختلف اثنان في أن الحاسب الآلي "الكمبيوتر" أعظمُ اختراعٍ أنتجتْه عقولُ البشر؛ فبواسطة هذا الجهاز استطاع الإنسان أن يتجاوز حدود المستحيل في عصر ما قبل الحاسب.

 

فإجراء بلايين العلميات المعقدة في تسيير الأنظمة العالمية الملاحة، الاتصالات، الأسواق المالية، المستشفيات... إلخ تتم في ثوانٍ معدودة، وبدقة تصل نسبةُ الخطأ فيها إلى صفر %.

 

إضافة لذلك، ففي عصر الحاسب الآلي وبسببه، بلغ التقدمُ الصناعي منتهاه؛ فالجودةُ تضاعفتْ مئات المرات، والتخطيطُ ازداد دقةً، والإمكانات في زيادة مطردة... إلخ من النقلات الكبرى التي يصعب حصرُها.

 

ومن الأمور المسلَّم بها عند العلماء، والمثبَّت تأكيدها بالتجرِبة: أن قدرات العقل البشري تزداد وتنمو بالمران والتفعيل؛ فالعقل كما يصفونه كالبالون، كلما ازداد حشوه، ازداد حجمه ووزنه.

 

مثال على ذلك: من يتقن لغة أجنبية، يسهل عليه تعلُّم أخرى، ومراكز الترجمة المتنقلة أشخاص يتقنون أكثر من ثلاث لغات اليوم لا تخطئها العين.

 

مثال آخر: كثير من حفظة كتاب الله، تجد في جعبتهم الكثيرَ من المتون العلمية، إضافة إلى مئات إن لم تكن ألوفًا من الأحاديث النبوية الشريفة، وليس من هذا العجب، فالعجيب أنك عندما تتقصى عن وظائفهم، تجد منهم الطبيب، والمهندس، والطيار، إلى غيره من التخصصات العلمية الدقيقة.

 

وبعمل العكس مما سبق، سنحصل على النتيجة العكس، وهنا نصل لنقطة التماس في موضوعنا، وهي: تأثير العقل الإلكتروني على العقل البشري تأثيرًا سلبيًّا؛ نتيجةً لإحالة كثير من الأعمال الذهنية للعقل البشري إلى العقل الإلكتروني.

 

في لقاء تلفازي مع رسام كبير، وبعد أن عَرَضَ الرسامُ أعماله الفنية، والتي من خلالها اتضح إبداعُه للجمهور، سأله المذيع: هل أنت تستخدم "الكمبيوتر" في أعمالك الفنية؟ فأجاب إجابة طريفة،

قال: أنا أكبر عدو للكمبيوتر، وعلَّل ذلك بأن الكمبيوتر سببٌ كبير في تعطيل القدرات والمهارات عند الإنسان؛ بسبب البُعد الذي يُحدِثه "الكمبيوتر" بين الإنسان والممارسة الفعلية لما يتقن من مهارة.

 

ولنأخذ مشهدًا كثيرًا ما يتكرَّر في حياتنا اليومية، ندلِّل به على صحة ما تفوه به هذا الرسام، عندما يذهب الواحد منا للسوق للتبضُّع، وتصادفه مسألةٌ حسابية لا تتجاوز أصفارُها الخانتين، يبادر هذا الواحد وعلى عجل بإخراج هاتفه الجوال، واستدعاء برنامج آلة الحساب الرقمية، ويقوم بإجراء تلك العملية اليسيرة، وهو بذلك يعطل مهاراته في الحساب من حيث لا يشعر.

 

فإعمال الذهن مطلبٌ لا غنى عنه؛ بل إن التفكر والتفكير لا حصر لفوائده، فضلاً عن الحاجة الملحَّة له،

فمن فوائده: اتِّساعُ المدارك، وحضورُ الفهم، وقوةُ الحفظ، وحسنُ التدبير، ورفعُ الهمة، وزيادةُ الثقة بالنفس، وغيرها من الفوائد الجمة.

 

ولا ننسى قبل أن نختم هذا المقال أن نَذكُر الجانب المشرق من العلاقة بين العقل الإلكتروني والعقل البشري، حيث إن هناك كثيرًا من البرامج الماتعة والمفيدة في زيادة سرعة الاستجابة، وتنشيط الذاكرة، والتمرين على الحفظ، والكثير والكثير من البرامج المفيدة في هذا المجال، فالحاسب كغيره من التقنيات الضررُ منها يكون من سوء الاستخدام.

_____________________________________

الكاتب: محمد فهيد الدوسري.