الرجعة عند اليماني و فرقته

أحمد علوان

عقيدة الرجعة من العقائد الأساسية عند الشِّيَعة الإِمَامِيَّة الاثني عشرية، بل صارت الرجعة من المسائل المسلم بها ومن الضرورات في مذهبهم، وبها قال المهديون، وإن كان بينهم وبين الاثني عشرية خلاف بسيط، لكن الفريقين يؤمن بالرجعة ويعتنقها مذهباً

  • التصنيفات: مقارنة الأديان -

إن عقيدة الرجعة من العقائد الأساسية عند الشِّيَعة الإِمَامِيَّة الاثني عشرية، بل صارت الرجعة من المسائل المسلم بها ومن الضرورات في مذهبهم، وبها قال المهديون، وإن كان بينهم وبين الاثني عشرية خلاف بسيط، لكن الفريقين يؤمن بالرجعة ويعتنقها مذهباً.
أولاً: التعريف بالرجعة[1]:
لغة: " يُقَال: رَجَعَ يرجع رجعاً ورجوعاً، رجعته إِلَى أَهله: أَي رَددته إِلَيْهِم، وَيُقَال: إِلَى الله U مرجعك ورجوعك ورجعاك، وَفِي التَّنْزِيل: ]إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى[[العلق:8]، والرجعة: مذهب طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء، يقولون: إن الميت يرجع إلى الدنيا ويكون فيها حياً"[2].
فمعنى الرجعة في اللغة يدور حول الرجوع والعودة، وكما جاء في القرآن الكريم، بأن الرجوع سيكون إلى الله.
اصطلاحاً: يعرف علماء الشِّيَعة عقيدة الرجعة، بأنها:"رجوع الأموات إلى الدنيا كأنهم خرجوا منها ورجعوا إليها، وقد تستعمل فيمن غاب وآب، فإنه خرج من أهله ورجع إليهم، وهل الرجعة التي قال بها الإِمَامِيَّة وأنكرها المخالفون ظهور الحجة عليه السلامفي الدنيا بالسيف يدعو إلى الله؟ أم ظهور الأئمة مع أمير المؤمنين  عليه السلام ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  ورجوعهم إلى الدنيا مع من شاء من أولائهم وأعدائهم؟ احتمالان ناشئان من اختلاف ظواهر الأخبار من إطلاق الرجعة على
ظهور صاحب الزمان مع من يظهر معه"[3].
ويأتي تعريف الرجعة من صاحب (عقائد الإِمَامِيَّة) أكثر وضوحاً فيقول:"إن الذي تذهب إليه الإِمَامِيَّة أن الله تعالى يعيد أقواماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقاً ويذل فريقاً آخر، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم والظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه السلام، ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد"[4].
والأدلة على الرجعة عند الشِّيَعة والمهديين كثيرة، ومن أبرز ما يستدلون به: "عن مثنى الحناط، عن جعفربن محمد،عن أبيه -عليهما السلام-، قال:"أيام الله عزوجل ثلاثة: يوم يقوم القائم، ويوم الكرة[5]، ويوم القيامة"[6].
هذا ما استدل به الشِّيَعة واليماني على اعتقادهم الشِّيَعة في الرجعة، وفي الحقيقة هي دخيلة على المسلمين، حين يقول أحد برجعة الأموات الذين ماتوا إلى الدنيا قبل أن تقوم القيامة، إن هذا لشيء عجاب.
إن فهم الشِّيَعة للرجعة يتعارض مع فهم اليماني وأنصاره لها، فالرجعة عند الشِّيَعة علامة ودلالة لظهور المهدي، فالرجوع سيكون للأموات وذلك عند قيام الإمام المهدي وبعده، فما جاء عن الشيخ السند يوضح ذلك فيقول بعد أن ذكر عدداً من الروايات لإثبات الرجعة:"والمراد من الروايات هو ظهور وقيام دولة آل محمد، الدولة الموعودة باستمرارها إلى يوم القيامة يتعاقب الأئمة الاثنا عشر عليها، ويصطلح في روايات أهل البيت على الإمام الذي يتم على يديه إقامة هذه الدولة أنه المهدي من آل محمد"[7]،  وهذا يهدم الدعوة اليمانية حيث لا يماني، ويقضي على فكرة المَهْدِيّين الاثني عشر-بعد الأئمة الاثني عشر- حيث لا مهدي أول يعقب الإمام الثاني عشر، وفي ذلك يذكر السند:"ومن الواضح أن عقيدة رجعة الأئمة الاثني عشر بعد الإمام الثاني عشر تبطل توهم أن المَهْدِيّين (المَهْدِيُّون) الاثني عشر أو الاثنا عشر مهدياً هم غير الأئمة الاثني عشر"[8].
وعنه فحتى يخرج اليماني وأنصاره من هذا الجحر اتهموا علماء الشِّيَعة بفهمهم الخاطئ للرجعة، فقال صاحب كتاب (الرجعة): "بل تمادى بعضهم بجهله ليجعل من الفهم المغلوط للرجعة وموضعها سبباً في إنكار إمامة اثني عشر وصياً من آل محمد (وهم المَهْدِيُّون الاثني عشر(، بالرغم من النص عليهم في وصية رسول الله المقدسة ليلة وفاته"[9].
فالرجعة في مذهب عموم الشِّيَعة ستكون برجوع المهدي-محمد بن الحسن العسكري-، وأن أقواماً سيرجعون إلى الدنيا في صورتهم التي كانوا عليها وذلك عند قيام الإمام المهدي، منهم الحسين وسيدنا علي-رضي الله عنهما-، أما في فكر اليماني فهي لا تختلف كثيراً، لكن ثمة تخبط كما هو الأمر عند عموم الشِّيَعة، فتارة يقول اليماني بأن الرجعة رجعتان: "رجعة في قيام القائم بمَثلهم، ورجعة في عالم الرجعة الأولى بأنفسهم وبأجساد تناسب ذلك العالم بعد أن ينسيهم الله حالهم والامتحان الأول والثاني[10]"[11]، وتارة يقول:"بقي يوم الرجعة فأكيد أنه عالم آخر، وإلا لما خص بكونه يوم أي وقت وآن مستقل مقابل الحياة الجسمانية والقيامة فهو ليس منهما"[12].
فما هو حقيقة هذا العالم الآخر الذي دلل به اليماني على الرجعة، أليس هذا من الغموض الذي يظلل بغيومه على هذه الأفكار اليمانية، والتي صارت أكثر غموضاً عن فهوم الشِّيَعة، وتتوالى الألغاز والإشكالات في مسألة الرجعة عند اليماني وأنصاره، ففي تفسير لليماني لقول الله تعالى:إنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر:35] يقول:"أي القيامة الصغرى، والوقعات الإلهية الكبرى الثلاث هي: القيامة الصغرى-قيام قائم آل محمد-، والرجعة، والقيامة الكبرى"[13].
وجاء عن اليماني أيضاً في قول الله تعالى:  وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:7]، قوله:"وهي يوم قيام القائم ويوم الرجعة ويوم القيامة الكبرى"[14].
ولفهم هذه الألغاز نرجع إلى أنصار اليماني ليفصحوا عنها ولتبيين المقصود بمرادفات الرجعة بيوم الكرة والعالم الآخر وإحدى الوقعات الإلهية الكبرى الثلاث وفي مقابلتها للحياة الجسمانية والقيامة، حيث قال صاحب (الرجعة):"إن إفراد الرجعة يوماً آخر بعد الموت وقبل القيامة هو ما أكدته روايات أخرى"[15].
ومن أوجه الاختلاف بين عموم الشِّيَعة والمهديين، أن الشِّيَعة يقولون بأن الرجعة ستكون في الدنيا وقبل الآخرة، أما المهديون فلأن الرجعة عندهم عالم آخر لذا فلا تكون في الدنيا، وأعلنها اليماني متهماً علماء وفقهاء الشِّيَعة بأنهم لا يفقهون شيئاً حين قال:"سألفت انتباهك إلى مسألة في الرجعة، فالعاقل عندما يطلع على روايات الرجعة وكيف تكون الحياة فيها، وكم يولد للشخص الواحد...الخ، يحكُم بأنها عالم آخر، فالعقل والواقع لا يقبل أن هذا يكون في هذه الدنيا بحدودها هذه، وهذا الفهم غير مقبول عند العقلاء ولكن ماذا نفعل لهؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً،... إن هذا الفهم الساذج للمسائل العقائدية سواء المرتبطة منها بالمهدي أم الرجعة يُبين سفاهة من يتبنونه ومدى ضعف إدراكهم، ولابد من تبيين ذلك ليعرف من يسمعهم مستواهم الفكري والعلمي ولا ينخدع بهم"[16].
وللإنصاف فقد وُجِدَ ثمة اختلاف عند الشِّيَعة حول تصوراتهم عن الرجعة، فالاحسائي في كتابه-الرجعة- كما سبق في تعريفه لها، ذكر لها احتمالين، أولهما: ظهور الحجة-المهدي العسكري، وثانيهما: ظهور الأئمة الاثني عشر مع سيدنا أمير المؤمنين-الإمام الحسين- وسيدنا علي ورسول الله، وبدا مثل هذا الاختلاف والاحتمال عند علّامتهم-المظفر[17]- في عقائد الإِمَامِيَّة، فقال أولاً على وجه العموم: إن أقواماً سيرجعون إلى الدنيا، ثم قال ثانياً على وجه الخصوص: بأن الذي سيرجع هم من بلغ درجة عالية في الإيمان، ومن بلغ دركة عالية في الفساد.
"ومن مظاهر اختلاف الشِّيَعة حول الرجعة ما جاء عن بعض أعلامهم ومرجعياتهم، أن ولاة المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة هم الذين سيرجعون للاقتصاص منهم، وقيل الرجوع سيكون لعامة الناس ويخص منهم من محض الإيمان محضاً-عموم الشِّيَعة-، ومن محض الكفر محضاً-كل الناس عدا المستضعفون كالنساء والبُله- بل ذهب بعض المعاصرين إلى الاعتراف بأنها لم تكن أصلاً من أصول الشِّيَعة، وبعض المعاصرين أنكرها بالجملة"[18].

------------------------------------------------

[1] لمزيد من التفصيل عن الرجعة: انظر: تاريخ العقيدة الشيعية وفرقها، للزنجاني، ص158، وانظر: عقائد الإمامية، للمظفر، ص94، وانظر: تاريخ ما بعد الظهور، لصادق الصدر، 659وما بعدها، وانظر: عصر الشِّيَعة، علي الكوراني العاملي، ص229، ط1/1430ه =  2009م، بدون نشر، وانظر: الرجعة بين الظهور والمعاد، للمحقق آية الله محمد السَنَد، تحقيق: أحمد بن حسين العبيدان الأحسائي، ص294، ط1/1393ه، دار زين العابدين، إيران، وانظر: الرجعة، للميرزا محمد مؤمن بن دوست محمد الحسيني الإسترابادي، تحقيق: فارس حسون كريم، ص33، ط1/1415ه، دار الاعتصام، قُم-إيران.
[2] انظر: جمهرة اللغة، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، المتوفى: 321ه، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، ج1/461، مادة(رجع)، ط1/ 1987م، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2/202، مادة(رجع)(مرجع سابق).
[3] الرجعة بحوث مفصلة حول قيام الإمام المهدي ورجوع النبي محمد وآله، الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، إشرف ومراجعة: الشيخ مجتبى السماعيل، والشيخ راضي الإحسائي، ص59، ط1/1427ه = 2006م، مؤسسة فكر الأوحد، بيروت-لبنان.
[4] عقائد الإِمَامِيَّة، ص94(مرجع سابق).
[5] والمقصود بها رجعة الأئمة، لكن بين الكرة والرجعة عموم وخصوص، فالرجعة أعم من الكرة، والكرة أخص من الرجعة، فالكرة هي الرجوع الذي يتضمن حروباً ومواجهات واقتتالاً بمناسب الأصل اللغوي لمادة الكر بخلاف الأصل اللغوي للرجوع. انظر: الرجعة بين الظهور والمعاد، ص66(بتصرف).
[6] معاني الأخبار، للشيخ الصدوق، ص366.
(([7] المَهْدِيُّون الاثنا عشر، مقام الرجعة للأئمة الاثني عشر، الشيخ محمد السند، ص15.
[8] المرجع نفسه، ص28.
[9] الرجعة، ثالث أيام الله الكبرى، أجوبة السيد أحمد الحسن، إعداد: علاء السالم، ص4، ط1/1433ه = 2012م، إصدارات أنصار الإمام المهدي عليه السلام ، العدد(164).
[10] قد يقصد به امتحان الرجعة الأولى، وامتحان الرجعة الثانية.
[11] مع العبد الصالح، السيد أحمد الحسن، إعداد: أبوحسن، ص34، ط2/1433ه = 2012م، إصدارات أنصار الإمام المهدي عليه السلام ، وملحق به: بيان الحق والسداد من الأعداد.
[12] الرجعة، ثالث أيام الله الكبرى، ص5(مرجع سابق).
(([13] المتشابهات، سؤال رقم 144، ص219(مرجع سابق).
[14] الجواب المنير عبر الأثير، سؤال رقم 59، ص110(مرجع سابق).
[15] الرجعة، ثالث أيام الله الكبرى، ص15.
[16] راجع: المرجع نفسه، ص16و17.
[17] هو: محمد رضا بن الشيخ محمد رضا المظفر، ولد في مدينة النجف الأشرف سنة 1904م، ونشأ بها، وتتلمذ على مراجع الدين، وأساتذة الحوزة العلمية، وأصبح المظفر فقيهاً أصولياً، وأديباً شاعراً، وفيلسوفاً متكلماً، وتوفي عام 1964م. انظر: المفصل في تاريخ النجف الأشرف، الأستاذ الدكتور حسن عيسى الحكيم، ج10/34 بتصرف، ط1/1387ه، المكتبة الحيدرية، قم.
[18] دراسات في الفرق الإسلامية، ص340 (بتصرف).