عقيدة البداء على لسان الشِّيَعة

أحمد علوان

يتضح من الروايات أن البداء أصل من أصول الشِّيَعة، وعقيدة من صميم عقائدهم، وبوبوا لها في كتبهم، ولدى مراجع وعلماء الشِّيَعة نصوصاً في ذلك، ومنها ما جاء في الكافي: " ما عبد الله بشيء مثل البداء"[2]، وهذا النص عمدة عند الشِّيَعة للاستدلال به على البداء، وأحياناً أخرى نرى روايات تقول بخلاف ذلك، وتتبرأ ممن قال بالبداء،

  • التصنيفات: مقارنة الأديان -

عقيدة البداء على لسان الشِّيَعة[1]:
يتضح من الروايات أن البداء أصل من أصول الشِّيَعة، وعقيدة من صميم عقائدهم، وبوبوا لها في كتبهم، ولدى مراجع وعلماء الشِّيَعة نصوصاً في ذلك، ومنها ما جاء في الكافي: " ما عبد الله بشيء مثل البداء"[2]، وهذا النص عمدة عند الشِّيَعة للاستدلال به على البداء، وأحياناً أخرى نرى روايات تقول بخلاف ذلك، وتتبرأ ممن قال بالبداء، ومنها: "عن أبي عبدالله
الصادق عليه السلام قال: من زعم أن الله يبدو له في شيء اليوم لم يعلمه أمس، فابرؤوا منه"[3].
 يبدو التناقض واضحاً في النصين السابقين، والروايتان في أمهات كتب الشِّيَعة، وعند أبرز علماء الشِّيَعة في تاريخها، بل هم الذين قام على أيديهم المذهب الشيعي، فالرواية الأولى جاءت عند الكافي وهو–ثقة الإسلام عند الشِّيَعة-والثانية عند ابن بابويه القمي المعروف بالصدوق[4]، وحتى يخرج الشِّيَعة من هذه الإسراف والإسفاف، فيحاول صاحب (عقائد الإِمَامِيَّة) حل هذا الإشكال، فيقول: "البداء في الإنسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله، لأن من الجهل والنقص، وذلك محال على الله، ولا تقول به الإِمَامِيَّة،...غير أنه وردت روايات عن أئمتنا الأظهار توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدم، كما جاء عن الصادق"ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني" ولذلك نسب بعض المؤلفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإِمَامِيَّة القول بالبداء طعناً في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشِّيَعة، والصحيح أن نقول كما قال الله:"يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب"، ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئاً على لسان نبيه أو وليه لمصلحة تقتضي الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما ظهر أولاً مع سبق علمه بذلك "[5].
يتهم المؤلف هنا علماء السنة بأنهم نسبوا هذا القول لهم، وشنعوا عليهم، والحقيقة أن أهل علماء أهل السنة بريئون من هذا الاتهام، فرواياتكم هي التي صرحت بذلك الاعتقاد الغريب الدخيل، ثم حاول أهل السنة أن يوضحوا ذلك، وأن يزيلوا هذا الالتباس ما دام في ذلك سبيلاً بقولهم: "وهذه الروايات-أي التي تقول بعدم البداء- قد تكون من أقوال علماء آل البيت لأنها تعبر عن المعنى الحق، أو أنها من آثار مذهب الشِّيَعة المعتدلة، وعلى أية حال، فإن وجود مثل هذه الروايات تبين مدى تناقض هذه الفرقة في رواياتها، وتوحي بكذب كبير، وافتراء على آل البيت وعلمائهم، لكن الشِّيَعة الاثني عشرية تحل هذا الإشكال بالبداء، فعندما يعرض عليها روايتان متناقضتان تقول: وقع هذا على سبيل البداء"[6].
أما عن اعتقاد اليماني وأنصاره فهو لا يختلف كثيراً عن الاثني عشرية التي كان ينتسب إليها، ويتمذهب بمذهبها، لذا لم يتكلم فيها كثيراً ولم يتعرض أنصاره بالحديث عنها-اللهم إلا صفحة أو صفحتين- ولم يتعرض اليماني وأنصاره-غالباً بالحديث عن البداء إلا متعلقاً بالإمام المهدي الثاني عشر، ففي صفحة واحدة لا تزيد، وهو يستعرض علامات ظهور المهدي المنتظر، تعرض للبداء، وهذا مصداق كلام علماءنا وأساتذتنا الذي سبق بأن موضوع البداء لا علاقة له بالألوهية وإنما موضوعها ونشأتها الأئمة، ففي أحد إصدارات اليماني[7]المنسوبة إليه، وهو يجيب سؤالاً لأحد أنصاره عن الجزئيات التي تضمنتها روايات آل البيت عن الإمام المهدي أو أحداث زمن الظهور، وهل البداء ممكن في الجزئيات؟ فكانت إجابة اليماني-العبد الصالح كما يسميه أنصاره-:"بالنسبة للتفاصيل كلها يحتمل فيها البداء، بل هو الراجح بالنسبة لخطة عسكرية، يراد بها الانتصار على العدو وهو الشيطان وجنده، فحتى الخروج الذي نص عليه أنه يوم واحد فيه البداء، واستدل اليماني براوايتين، وقال: وأما كون المحتوم لا بداء لله فيه، والرواية الأولى، "عن زرارة بن أعين عن عبد الملك بن أعين، قال عند أبي جعفر فجرى ذكر القائم فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفياني فقال: لا والله إنه لمن المحتوم الذي لابد منه"[8]، ثم قال اليماني: وأما كون القائم من الميعاد، وأن المحتوم يكم أن يبدو لله فيه، والرواية الثانية: "عن داود بن أبي القاسم قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم: فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم ؟ قال: نعم، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، قال: القائم من الميعاد"[9]، ثم يعلق اليماني على الروايات في نفس الصفحة بقوله: "ماذا تفهم من الروايات؟ القائم من المحتوم،  القائم من الميعاد، السفياني من المحتوم،  المحتوم ليس فيه بداء، المحتوم فيه بداء، الميعاد ليس فيه بداء، فالمحتوم فيه بداء بمعنى في تفاصيله، وإلا فهذه روايات تبين أن لا بداء فيه، أما أصل وجود سفياني فلابد منه ولكن ممكن يكون فلان أو فلان، ويمكن أن يكون مبدأه من هنا أو من هناك، والقائم من الميعاد ولا بداء فيه؛ لأنه إمام فلا يكون في المعصوم بداء.  إذن، فأصل قيام اليماني والسفياني والخرساني في يوم واحد واقع ضمن مساحة البداء، فكيف يمكن أن يجعله عاقل دليلاً قطعياً لابد من تحققه وهو مما يبدو لله فيه"[10].
فاليماني يؤكد بالبداء في أمور دون أمور، فهناك تفاصيل وجزئيات سيكون فيها البداء، خروج اليماني والسفياني والخراساني في يوم واحد-من العلامات الحتمية لظهور المهدي- من ضمن البداء، وهذا يؤكد ما سبق ذكره، أنه إذا وجدت التناقض بين الروايات فالشِّيَعة يلجأون إلى البداء، وكذا اليماني لما أشكل عليه الأمر في مسألة اليماني والسفياني والخراساني لجأ إلى البداء، وقال: هذا واقع ضمن البداء.
أما الذي ليس فيه بداء فهو القائم الذي هو من الميعاد-باعتباره من الكليات وليس الجزئيات- فليس واقعاً ضمن ساحة البداء، والنتيجة التي يريد اليماني أن يصل إليها، وهي أن البداء قد يقع في الجزئيات والتفاصيل وليس الأشياء المجملة التي تعد من الكليات.
ويوضح هذا أحد أنصاره، فيما لا يزيد عن سطرين، والحديث أيضاً عن الإمام وعلامات ظهوره، فيقول:"السفياني من المحتوم أن أصل وجوده محتوم، وحصول البداء في هذا المحتوم يعني تغير في تفاصيله، فقد يكون السفياني فلان وفلان، أو في مكان حركته أو زمانها"[11].
ثالثاً: رد أهل السنة على عقيدة البداء:
إن عقيدة البداء مرفوضة كلياً وجزئياً- تعالى الله عما تقوله الشِّيَعة علواً كبيراً- ، ومما سبق يتضح أن في أمهات كتبهم من أنكرها، وتبرأ ممن قال بها، إذاً فمن الشِّيَعة أنفسهم من لا يعترف بتلك العقيدة، وفي ذلك ما يوحي أن الأمر فيه شيء، والشيء أن القول بالبداء لم يكن معروفاً في الأطوار الأولى من  تاريخ المذهب الشيعي، فقد ظهر القول به متأخراً عن نشأة الشِّيَعة، والذي يبين لنا ذلك صاحب كتاب(الشِّيَعة والتصحيح)، إذ يقول:"حدث أن إسماعيل الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق-الإمام السادس عند الشِّيَعة-، قد تُوفي في عهد أبيه، فانتقلت الإمامة إلى أخيه موسى بن جعفر-الابن الأصغر للصادق-، وهذا التغيير في مسار الإمامة التي هي منصب إلهي يسمى بدءاً حصل لله تعالى، فانتقلت الإمامة من إسماعيل إلى موسى ثم أولاده، ولم
تأخذ الطريق الطبيعي، الذي هو انتقال من الأب إلى الابن الأكبر"[12].
وهنا سؤال: لماذا اعتبر الشِّيَعة هذا التغيير في مسار الأئمة بدءاً في حق الله تعالى؟ والإجابة عليه، هي:"أنه قبيل الغيبة الكبرى مباشرة-329ه-، وذلك عندما بدأ المذهب الإسماعيلي[13] يظهر بين الشِّيَعة، والذي يرى أن الإمامة مستمرة في نسل علي وأولاده حسب التسلسل السني، وعليه فإذا مات الوريث الشرعي-إسماعيل بن جعفر-، فلا يحق لأبيه أن يعين موسى، بل تنتقل الإمامة إلى الابن الأكبر من ظهر إسماعيل، وبما أن الشِّيَعة تبنت فكرة الإمامة الإلهية، فلكي تخرج من هذا المأزق قالت بفكرة البداء، ونسبتها إلى الله-تعالى عن ذلك-"[14].
والحاصل: أن عقيدة البداء عقيدة دخيلة حتى على الشِّيَعة الاثني عشرية، حيث لم يكن لها أثر ولا وجود في بدايات المذهب الشيعي، ثم أخذت في التداول بين الاثني عشرية، حتى ترسخت في أذهانهم، والذي يبرهن على أن البداء دخيل على الاثني عشرية، ما قاله الموسوي: "ولا شك أن فكرة البداء من الأفكار الموضوعة التي نسبت إلى الأئمة، وأُدخلت في الكلام، ويعود وضعه على وجه التأكيد إلى عهد الصراع الأول بين الشِّيَعة والتشيع، ...ومن هنا نؤكد إلى غربلة الموروثات التي أُدخلت في العقيدة الشيعية سواء كانت انتقاصاً في حق الله أو في حق
رسوله، أو خلفائه أو أئمة الشِّيَعة"[15].
وأنها-عقيدة البداء- فيها تناقض بَيِّن وواضح، فلو قلنا بالبداء الذي هو نسبة الجهل إلى الله-وهو محال على الله-، فهذا كفر، يقول صاحب الوشيعة:"والبداء في جناب الله محال، ممتنع لله وفي علم الله، وهذه بينة ضرورية، لأن علم الله مطلق في الأزمنة أزلاً وأبداً"[16]، "وحسب الاثني عشرية عاراً وفضيحة أن تنسب إلى الحق جل شأنه هذه العقيدة، على حين تبرئ أئمتها منها، فإذا وقع الخلف في قول الإمام نسبت ذلك إلى الله لا إلى الإمام، وإذا رجعت إلى معتقدهم في توحيد الألوهية والربوبية، والأسماء والصفات، وجدت أن الإمام قد حل محل الرب سبحانه في قلوبهم وعقولهم، بتأثير ذلك الركام المظلم من الأخبار، فعقيدة البداء أثر لغلوهم في الإمام"[17].
لكن نستطيع القول بأنها بالمعنى السابق لا تتعلق بالعقيدة، وإنما بالأئمة، فقد يلجأون إلى البداء كبديل عن التقية، وهذا ما سبق تأكيده، حتى أن اليماني استعملها عند الحديث عن الإمام المهدي وظهوره، ويؤكد هذا المعنى الدكتور مصطفى مراد، فيقول:"وما أرى أن الشِّيَعة تذهب إلى نسبة أحد المعاني إلى الله  سبحانه وتعالى  وإلا لأجمع المسلمون على الحكم عليها بالكفر، ولا علاقة لعقيدة البداء بمسألة الألوهية، إنما موضوعها وأصل نشأتها الأئمة، فهي أحد الحلول-أو الحل الثاني بعد التقية-التي يستخدمونها إذا نسبوا إلى الأئمة أخباراً لم تقع كما أرادوا، فمرة يفرون من المنكرين عليهم بالتقية وتارة أخرى يفرون منهم بالبداء، ومعناها عندهم يدور حول النسخ"[18].
وهذا يؤكد مرة بعد مرة تناقض الشِّيَعة في عقائدها، فوجدنا في كتبهم روايات تقول بالبداء، وأنها أصل من أصول عقائدهم، وعبادة يتقربون بها إلى الله، وفي كتبهم أيضاً روايات
تنقضها وتدحضها، وهذا من أبلغ النقض، أن تنقض عقائدهم من كتبهم.

------------------------------------------------------------ 

[1] للمزيد حول عقيدة البداء، انظر: التوحيد، للصدوق، باب البداء، ص323، وانظر: النسخ والبداء في الكتاب والسنة، محمد حسين الحاج العاملي، ص32، تاريخ الطبعة: 1418ه = 1997م، بدون رقم، دار الهادي، بيروت-لبنان، وانظر: تاريخ العقيدة الشيعية وفرقها، ص153، وانظر: مع الشِّيَعة الإمامية في عقائدهم، ص101، وانظر: بحوث عقائدية في ضوء مدرسة أهل البيت‡، نصوص مختارة من مؤلفات أبو القاسم الخوئي، إعداد: إبراهيم الخزرجي، ص46، ط1/1427ه، مؤسسة السبطين العالمية، قُم-إيران.
[2] أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب البداء، ص148.
[3] كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي-الصدوق-، صححه وقدم له: حسين الأعلمي، ص75، ط1/1412ه = 1991م، مؤسسة الأعلمي، بيروت-لبنان.
[4] لقد برز في عهد السفراء علماء للشيعة، منهم محمد بن يعقوب الكليني، وقد عاش في زمن السفراء، ومات قبل السفير الرابع بسنة، وبرز بعده الشيخ الصدوق، ثم برز بعده الشيخ المفيد، ثم تلميذه الشريف المرتضى، ثم تلميذه الشيخ الطوسي، والذي أسس حوزة النجف الأشرف، فهؤلاء الخمسة بعد السفراء الأربعة، أكثر المراجع تأثيراً. انظر: عصر الشِّيَعة، للكوراني، ص127(باختصار)(مرجع سابق).
[5] عقائد الإِمَامِيَّة، ص40و41(مرجع سابق).
[6] دراسات في الفرق الإسلامية، ص336(مرجع سابق).
[7] مع العبد الصالح، ص25(مرجع سابق).
[8] الغيبة للنعماني، ص312(مرجع سابق).
[9] بحار الأنور للمجلسي، ج25 /250(مرجع سابق).
[10]  مع العبد الصالح، ص25.
[11] رسالة في وحدة شخصية المهدي والقائم واليماني، ص5، هامش رقم(4).
[12] انظر: الشِّيَعة والتصحيح-الصراع بين الشِّيَعة والتشيع-، الدكتور موسى الموسوي، ص148(بتصرف)، تاريخ الطبعة: 1408ه =  1988م، بدون رقم ونشر.
[13] وهؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر، وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل، وافترق هؤلاء فرقتين: الأولى: منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه، الثانية قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر حيث إن جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل. انظر: الفَرْق بين الفِرَق، ص62و63.
[14] المرجع نفسه، ص148و149(باختصار).
[15] راجع: الشِّيَعة والتصحيح: ص150(باختصار).
[16] الوشيعة في نقد عقائد الشِّيَعة، ص111.
[17] أصول مذهب الشِّيَعة الاثني عشرية، ص952.
[18] دراسات في الفرق الإسلامية، ص336.