ألا فتعرضوا لها (4)

أحمد صقر

شهر رمضان يُقبِل علينا بنفحات الجِنَان، وللجَنَات يَحدُونا، تُفَتَّح فيه أبواب عَدنٍ فلا يُغلق منها باب، وتُغَلَّق أبواب النيران، ويُصَفّد فيه كل شيطان، يُنادى مُنادِ الرحمن يا باغي الخير أقْبِل، ويا باغي الشر أقْصِر، فها قد عُقِد سُوق رمضان، رياض القرآن والصيام والقيام، صاحب الريَّان والهُدى والفُرقان، ومَنْ أراد غفران ذنبه لاذ بالاحتساب والإيمان.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

ليلةٌ بَهِيجة ترتدى فيها الأُمَّة أبهى الحُلَل، فتَطُل على الدُنيا كشَامَة بين الأمم مستقبلة حبيب مُفارق، وللناس فيما يعشقون مَذَاهب ولهم فيما يُحِبون مَشارب.

 

فيا مَنْ إكتَواك الحزن ألماً يَعصِف بك في لياليك المُوحشة، الخالية من الأنيس والنَسيم، في بَيَوت خاوية بُطُونها من السعادة، يُخِيفك ظلام النفس في الليالِ المُقمِرة، وفى تلك الأرض فاقدة الوِارَد قاحِلة البَهجة، يُظِلنا ضَيف كريم، يغمرنا هِلاله بالنور والحُبُور، يُبَدد ظلمات اليأس القابعة في أنفس المُستوحشين، يضيء فينا سُرُجَاً ربانية تأخذ بِلجَام النفس إلى حَظيرة العبودية طائعين، طامعين، آملين.

 

ضَيف وَقُور، كريم الخِصَال، يَمُر بدِيَارنا غير آبِهٍ بأخرفة أعمالنا المُرَقَعة، وألْبِسَة عبوديتنا المُمَزقة البَالِية، يحمل بين يديه توبة ومغفرة واستجابة، يجمع حوله كل عبد مُنيب، يسمع بكاء المستغفرين التائبين، يسمع نَحِيب الأُمّ إذا ما ناجَت ربها تسأله الصبر والعطاء والرضا، يُضْفِى على الخَلق عطاءاً وكرماً، ويكسُو أبناء الأرض حُلَّة الفَرَح.. شهر رمضان، فيا ليت شِعْرِى هل ألقاه؟! يُقبِل علينا بنفحات الجِنَان، وللجَنَات يَحدُونا، تُفَتَّح فيه أبواب عَدنٍ فلا يُغلق منها باب، وتُغَلَّق أبواب النيران، ويُصَفّد فيه كل شيطان، يُنادى مُنادِ الرحمن يا باغي الخير أقْبِل، ويا باغي الشر أقْصِر، فها قد عُقِد سُوق رمضان، رياض القرآن والصيام والقيام، صاحب الريَّان والهُدى والفُرقان، ومَنْ أراد غفران ذنبه لاذ بالاحتساب والإيمان.

 

فيه تجارة لن تبَور، فيه سعادة وحبورا، يَلقَى فيه كل عبدٍ نَفْسَه الآبِقَة مِطوَاعة، مستمسكه، هالَتك دُموعها وتعجب من شوقها، ترجو سبيل الوصول، يكسوها الصوم أعمار الليالي، وترجو مقاماً بدار السلام، ولمساعي العباد فيه فوز عاجل وقبول، فشَمِّر عن ساعِدَيك يا باغي الوصول.!

 

أيها المُؤمِّل غروراً، إن قوماً حَاَلت آجَالهم دون الآمَال، وغَرَّهم فيه من العافية والإمهال، فانقضت أعمارهم وشَدُّوا إلى الآخرة رِحَالهم ورَغِمَت أُنُوفهم، فاستيقظ من سُبَاتك وغفلتك، قبل أن ينقضي سوق الرحمات، وانتفض من بَرَاثِن ضَعفِك ورُكُونك.

 

ويا عجباً.. يُغَلُّ عنك عدوك بالسلاسل لتنجو منه، وتبقى أسيراً له؟!، تُفتَّح لك أبواب الجنة فتُشِيح بوجهك عنها، وتُغلَّق أبواب النار فتُصِر على اقتحامها؟!

 

أيها المخذول المحروم، أما رأيت وقد قَسَا قلبك، وتصَلّب فؤادك وكأنه قُدَّ من صَخْر، أما آنَ لعينيك أن تدمعان من قوارع الآيات، ولقلبك أن يَلِين ويخشع للرحمات؟!

 

أعطيت ليلة خير من ألف شهر، دعاءك فيها مستجاب ما سألت الله فيها شيئا إلا أعطيته، وله في كل ليلة عُتَقَاء، ثم تُفَرِط فيها؟!

 

جدد التوبة وتمَسّك بالأوْبة والحق بركب العائدين، فالتوبة أول منازل السائرين إلى ربهم وأوسطها وآخرها، فيا تُرى من المقبُول فنهنئه، ومن المحروم فنُعزيه؟

 

شَهرُ القرآن فلا تَدَعْه يَمُر كأن لم يَجِئك، ومَالك عنه عُدُول

فيه ليلة هي خيرٌ من ألفِ شهرٍ، وكل رَاغِب في العبادة يَصُول

يَجزِى رَبُنا عن كل طاعة وله الصيام، به خير الجزاء ومنه القَبُول

إذا ما هَبَّت النَفَحات فاغتنمها، فلا تدري متى الأَقْدَام تَزُول

تبكي المآقي شوقاً عند لقائه وإن دَنَوا مُرَ الفِرَاق، ولكل قمر أُفُول

فَفِروا إلى الله إني لكم دَاعٍ، وإليه المَآب وله الوُصُول.