نِعمَ المُصَلَّى " 2 " الأقصى في حياته عليه الصلاة والسلام؟

أيمن الشعبان

لقد فصل عليه الصلاة والسلام من فضائل وأحداث ودقائق الأمور المتعلقة بالأرض المباركة حتى نهاية العالم، فقد بشر بفتحه وذكر معجزة يوسف كما في قصة عجوز بني إسرائيل، وما حصل مع موسى عند وفاته ومعرفته بمكان قبره، ونقله لمعجزة يوشع عند فتح بيت المقدس.

  • التصنيفات: دعوة المسلمين -

الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

فهذه سلسلة حلقات مختصرة للتعريف بمكانة " المسجد الأقصى" من خلال القرآن والسنة الصحيحة، وارتباطه العقدي الإيماني التاريخي، بالوحي ورسالة التوحيد ودعوة الأنبياء، وإحياء تلك الحقائق في نفوس المسلمين، سميتها " نِعمَ المُصَلَّى " أسوة بحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، الذي أطلق عليه هذه التسمية الجميلة.

الحلقات ستكون بطرح سؤال في كل حلقة، ثم نجيب عليه لتكون أرسخ وأثبت وأحفظ وأوعى، من حيث المعلومة والفهم وديمومة الأُثر. 

س2/ كيف كان الأقصى في حياته عليه الصلاة والسلام؟

المسجد الأٌقصى شغل حيزا كبيرا ومساحة واسعة في حياته عليه الصلاة والسلام، لما له من المكانة العقدية والبعد الشرعي الإيماني، ولو لم يكن محركا لنا للاهتمام بقضية الأقصى إلا التأسي وحسن الاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام في ذلك لكفى محفزا ودافعا ومسوغا!

كيف لا وربنا سبحانه يقول ( { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } )[1]، يقول ابن كثير في تفسيره: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ.

على الرغم من أن حياته عليه الصلاة والسلام كانت بين مكة والمدينة، إلا أن فؤاده وبصره ووجدانه شاخصة نحو الشام باتجاه بيت المقدس، في دلالة واضحة وإشارة كبيرة لأهمية تلك الأرض لما لها من بركة وقداسة واصطفاء رباني.

المتأمل في أحواله عليه الصلاة والسلام مع الأرض المقدسة، يجد اهتماما كبيرا وتعلقا عجيبا وارتباطا وثيقا، حتى باتت تلك الأرض المباركة جزءا لا يتجزأ من سيرته وحياته ومواقفه ومعجزاته وأخباره ووجدانه.

كانت بدايته عليه الصلاة والسلام متعلقة بشكل وثيق ومتين بتلك الأرض المقدسة، كما في حديث العرباض بن سارية قال عليه الصلاة والسلام:( « وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ لَهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» )[2].

يقول ابن كثير[3]: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها.

لقد فصل عليه الصلاة والسلام من فضائل وأحداث ودقائق الأمور المتعلقة بالأرض المباركة حتى نهاية العالم، فقد بشر بفتحه وذكر معجزة يوسف كما في قصة عجوز بني إسرائيل، وما حصل مع موسى عند وفاته ومعرفته بمكان قبره، ونقله لمعجزة يوشع عند فتح بيت المقدس.

وما أخبر به عليه الصلاة والسلام من تعبد داود عليه السلام وبناء سليمان للمسجد الأٌقصى، حتى ذكر دقائق الأمور من نزول عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، حتى يدرك المسيح الدجال في فلسطين فيقتله بمدينة اللد.

ولتثبيت هذه العلاقة وترسيخ الارتباط في أصعب الظروف وأحلكها؛ كان عليه الصلاة والسلام وهو في مكة قبل الهجرة، يصلي إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ.[4]
جهز عليه الصلاة والسلام أكبر جيش إسلامي في حينها ثلاثة آلاف مقاتل، في معركة مؤتة سنة 8هـ، ثم شارك بنفسه عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك سنة 9هـ، على حدود الجزيرة المقابلة للشام.
ولأهمية تلك الأرض الطيبة المباركة، كان آخر بعث للنبي عليه الصلاة والسلام هو بعث أسامة بن زيد، إذ جهز جيشا كبيرا في صفر سنة 11هـ لإخراج الروم من أرض فلسطين.
لو لم تكن إلا رحلة ومعجزة الإسراء والمعراج، وما حصل فيها من آيات مبهرة وأحداث عظيمة، واجتماع جميع الأنبياء فيها للصلاة مقتدين بنبينا عليه الصلاة والسلام، لكفى هذه الأرض تشريفا ومكانة وتعظيما، كيف لا وقد قال عنها عليه الصلاة والسلام: ولَنِعمَ المصلى.
تخيلوا منزلة مكان قال عنه عليه الصلاة والسلام " ولنعم المصلى"، فكيف هو في وجدانه وحياته؟!
 
2/3/2017م

 


[1] (الأحزاب:21).

[2] مشكاة المصابيح 5759.

[3]تفسير ابن كثير(1/444).

[4]أخرجه أحمد بسند صحيح، وصححه الألباني في الثمر المستطاب ص836.