نعم المصلى (15) بيت المقدس أعظم مملكة عبر التاريخ

أيمن الشعبان

أعيد بناء مدينة القدس أكثر من ثماني عشرة مرة عبر التاريخ، وفي كل مرة يرحل الغاصب والمعتدي، وتبقى المدينة شامخة راسخة رسوخ الجبال أكثر من سابقاتها، ولكن لابد أن نقف مع حقبة ذهبية وفترة من أروع فترات تلك البقعة، أقيمت عليها أعظم مملكة لتحقيق العبودية والتوحيد.

  • التصنيفات: التصنيف العام - قضايا إسلامية معاصرة - قضايا إسلامية -

الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

فهذه سلسلة حلقات مختصرة للتعريف بمكانة " المسجد الأقصى" من خلال القرآن والسنة الصحيحة، وارتباطه العقدي الإيماني التاريخي، بالوحي ورسالة التوحيد ودعوة الأنبياء، وإحياء تلك الحقائق في نفوس المسلمين، سميتها " نِعمَ المُصَلَّى " أسوة بحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، الذي أطلق عليه هذه التسمية الجميلة.

الحلقات ستكون بطرح سؤال في كل حلقة، ثم نجيب عليه لتكون أرسخ وأثبت وأحفظ وأوعى، من حيث المعلومة والفهم وديمومة الأُثر.

س15/ ما هي أعظم مملكة عبر التاريخ؟

للإجابة على هذا السؤال لابد أن نشير لنقطة غاية في الأهمية؛ أن مدينة القدس مدينة عريقة ومهمة عبر التاريخ، فزمانيا ضاربة جذورها منذ حضارة العرب الكنعانيين، ومكانيا تربط بين قارات العالم، لذلك كانت عرضة للغارات والهدم والحرق أكثر من غيرها.

أعيد بناء مدينة القدس أكثر من ثماني عشرة مرة عبر التاريخ، وفي كل مرة يرحل الغاصب والمعتدي، وتبقى المدينة شامخة راسخة رسوخ الجبال أكثر من سابقاتها، ولكن لابد أن نقف مع حقبة ذهبية وفترة من أروع فترات تلك البقعة، أقيمت عليها أعظم مملكة لتحقيق العبودية والتوحيد.

قال ابن الجوزي في كتابه " المنتظم في تاريخ الملوك والأمم": قَدْ روينا فِي الْحَدِيث عَن مجاهد أَنَّهُ قَالَ: ملك الأَرْض أربعة أنفس: مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان فسليمان بْن دَاوُد، وذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَمَّا الكافران فبخت نصر، ونمرود.[1]

ولتصور عِظم هذه المملكة القوية العظيمة التي أقامها سليمان عليه السلام في فلسطين، لننظر كيف وصف الله عز وجل هذه الدولة منذ بدايتها، قال سبحانه
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [2].

ورث سليمانُ داودَ عليهما السلام، بالعلم والملك والنبوة وتحمل المسؤولية وحقق العبودية،
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [3]، فكانت خلافة إيمانية، ودولة قوية، ومملكة متكاملة؛ فحافظ عليها، وقوَّاها ووسَّع رقعتها، وضم لها بقاعًا أخرى، وطبَّق فيها شرع الله، وأسعد الناس، وسار بهم في طريق مرضاة الله.

فما أعظم هذه المملكة التي جمعت بين الدين والدنيا، العبودية والسلطان وقوة الملك، إذ يبين لنا رب العزة موقفا ومشهدا، لذلك النبي الملك العبد الصالح والقائد الناجح،
{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[4].

فاستجاب الله له كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنها في سنن ابن ماجه وصحح الألباني
«لمَّا فرغَ سُلَيْمانُ بنُ داودَ من بناءِ بيتِ المقدِسِ سألَ اللَّهَ ثلاثًا ومنها: ملكا لا ينبغي لأحد من بعده – أي غيره- فأعطيه»، وأي بناء للمسجد الأقصى يكون في ظل هذه المملكة العظيمة القوية في كل شيء!

لذلك عندما تفلت عفريتٌ من الجن على النبي عليه الصلاة والسلام ليقطع عليه صلاته، تمكن منه وأراد ربطه بسارية المسجد ليراه الصحابة، فتذكر قول سليمان عليه السلام
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِيمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}، قال عليه الصلاة والسلام: فرددته خاسئا.[5]

ثم بين الله سبحانه جانبا من معجزات سليمان عليه السلام، وطبيعة تلك المملكة العظيمة، من تسخير الريح والشياطين منهم من يبني ما يريد، ومنهم من يغوصون له ويستخرجون الدر والحُلي، ومن يعصي ويزغ عن أمره مصيره السجن والتقييد.


{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}[6].

وإذا أردنا مزيد من التصور لعِظم تلك المملكة، لنتأمل طبيعة الجيش والجند لدى سليمان عليه السلام،
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}[7]، بدقة وانتظام لا يتقدم أحد على أحد.

والناظر لطريقة وطبيعة التنقل من وإلى تلك المملكة العظيمة، يجد أمرا عجبا وقدرة إلهية وعناية ربانية،
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}[8]، فَإِذَا أَرَادَ الْإِسْرَاعَ فِي السَّيْرِ سَارَتْ عَاصِفَةً وَإِذَا أَرَادَ اللِّينَ سَارَتْ رُخَاءً، وَالْمُقَامُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَاتَاةُ لِإِرَادَةِ سُلَيْمَانَ.[9]

المتأمل مليا في قصة سليمان وتفقده الهدهد، ثم ما كان من حوار جميل بينهما، وكيف أشارت ملكة سبأ بذكائها وحكمتها وفطنتها لهذا الملك العظيم من خلال رسالته،
{قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}.[10]

فكانت النتيجة أن دخلت بلقيس ومن معها من الملوك والأمراء والجيش في دين الإسلام، لأنهم رأوا عظمة وهيبة الملك، مع الصدق والتوقير والحكمة حسن التعامل، وخضعوا لسلطانه ومُلكه،
{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[11].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المنتظم (1/171).
[2] (النمل:16).
[3] (ص:30).
[4] (ص:31-35).
[5] متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] (ص:36-40).
[7] (النمل:17).
[8] (الأنبياء:81).
[9] تفسير ابن عاشور (17/123).
[10] (النمل:29-31).
[11] (النمل:44).