(13) قواعد مهمَّة للوصول إلى الجنة

محمود العشري

أنت قويٌّ، فتوكَّل على الله، وأنت تستطيع الكثير، ولست أقلَّ ممن وصلوا إلى المراتب العليا في العلم والعمل، بقي لك الصِّدق والتوكُّل، ثم إذا أخفقت أو فشلت، فأعمِل فكرَك كيف تُجنِّب نفسك الإخفاق مرَّة أخرى.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -
(13) قواعد مهمَّة للوصول إلى الجنة

أخي يا بن الإسلام: بعد هذه النَّصائح الكليَّة، وقبل أن أَذْكر بعض وسائل استثمار رمضان؛ أحبُّ أن أؤصِّل معك بعض القواعد؛ لتنتبه إليها، وتُوليها فِكْرَك، وأنت تعمل على استثمار رمضان الاستثمارَ الأمثل، فأقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: لقبول العبادة شرطان: الإخلاص، ومتابعة الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- وقد قيل: قولوا لمن لم يَكُن مخلصًا: لا تتعنَّ؛ أيْ: لا تُرهق نفسك في العمل؛ لأنَّه سيكون هباء منثورًا؛ فلذلك حرِّر الإخلاص، واجتهد في ذلك، واحرص على أن يكون عمَلُك لله وحده، لا رياء الناس، ولا شهوة، ولا هوى، ولا حظَّ نفس، ولا لطلب الدُّنيا والعلو فيها، والأمر يحتاج إلى جهادٍ وصبر ومُثابرة.

 

ثانيًا: قال -صلى الله عليه وسلم-: «من عمِل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد»؛ والحديث رواه مسلم، فلا تتعبَّد إلا بالوارد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبِفَهم الصَّحابة لأصول العبادات، ولا تبتدع في دينك؛ فالبدعة شرٌّ من المعصية.

 

ثالثًا: التدرُّج أصل هامٌّ في دين الإسلام، فأوغل في الدِّين برِفْق، وراعِ فقه النَّفْس، ولا تُحمِّلها فوق طاقتها، فتستَحْسِر وتترك، ولكن لا يكون التدرُّج تكأةً للتَّفريط، ولا مَدْعاة للكسل، ولا سبيلاً لسقوط الهمَّة، وعدم طلب الأعلى والأكمل والأفضل، قال ابن الجوزيِّ: للنفس حظٌّ وعليها حق، فلا تميلوا كلَّ الميل، وزِنُوا بالقسطاس المستقيم.

 

رابعًا: الصبر أصل آخَر، فلا تظنَّ أنك ستَجِد قُرَّة العين في الصلاة من أوَّل مرة، أو تستشعر حلاوة ولذَّة القيام في البداية، أو تجد الخشوع والدموع عند تلاوة القرآن منذ الآية الأولى، كلاَّ ولا؛ فالأمر يحتاج إلى صبرٍ وصِدق ومعاناة.

 

قال بعضهم: عالَجْتُ قيام الليل سنَة، ثم تمتَّعت به عشرين سنةً، فاصبر سنة وسنوات؛ لتنال الرُّتَب العالية.

 

خامسًا: المُجاهدة والمعاناة أصلٌ مع الصبر والاصطِبار، قال بعض العلماء: مَن أراد أن تُواتيه نفسه على الخير عفوًا، فسينتظر طويلاً، بل لا بدَّ من حمل النفس على الخير قهرًا، وهذا هو الحقُّ المطلوب: أن يحمل الإنسان نفسه على الخير حملاً، وقال بعضهم: عوِّدوا أنفسكم على الخير؛ فإن النُّفوس إذا اعتادت الخير ألِفَتْه، فجاهد نفسك لعمل الخير، جاهد نفسك لتحقيق الإخلاص، جاهِد نفسك لتحسين العمل، جاهد نفسك للارتفاع بمستوى إيمانك، جاهد نفسك لتكون من المتَّقين.

 

سادسًا: تدرَّب ذهنيًّا على العبادات قبل أدائها، بمعنى أنك ينبغي أن تقرأ عن الصَّلاة وفَضْل قيام الليل، وجزاء الصَّائمين القائمين، وعاقبة المتصدِّقين، قبل أداء هذه العبادات، وكذلك قراءة أحوال النبِيِّ والصحابة والصالحين؛ لتكوين صورةٍ لهذه العبادات ذهنيًّا، واستشعارها قلبيًّا، ثم الدُّخول في هذه العبادات بهذا التصوُّر، فيكون الأمر أسلمَ، ويكون ذلك أدعى لتحصيلها على أحسن صُوَرِها، وأكملِ أحوالها.

 

سابعًا: لا تستخِفَّ بقدراتك، وكن مستعِدًّا للمُجازفة، إنَّ عدم المجازفة - نتيجةَ الخوف من الفشل - عائقٌ للنَّجاح، إن العبد الربانِيَّ هو الذي يعتمد على الله، ويتوكَّل عليه، ثم يحزم أمره، وينطلق في عمَلِه، قال -تعالى-:  {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، وقال:  {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

 

أنت قويٌّ، فتوكَّل على الله، وأنت تستطيع الكثير، ولست أقلَّ ممن وصلوا إلى المراتب العليا في العلم والعمل، بقي لك الصِّدق والتوكُّل، ثم إذا أخفقت أو فشلت، فأعمِل فكرَك كيف تُجنِّب نفسك الإخفاق مرَّة أخرى.

 

ثامنًا: اطلب النتيجة لا الكمال، إنَّ المسلم الحكيم هو الذي يطلب النتيجة الصحيحة عبر مقدِّماتها الصحيحة دون أن يُبالغ في مطلبه، فيَنْزع إلى اشتراط الكمال في مواهبِه، فإذا وجد قصورًا في نفسه - وهو لا شكَّ واجدٌ - سارعَ إلى إصلاحه، واجتهدَ في تصحيحه، وليس شرطًا أن يصير صحيحًا مائة في المائة، لا بدَّ من قصور؛ ((فاستمتِع بها على عوج))؛ لأنَّ الانشغال بتحسين نتائج العمل خيرٌ ألف مرَّة من اشتراط الكمال في الأعمال؛ لأنَّ ذلك مثبِّط عن الأعمال، ودافعٌ إلى الانقطاع والاستِحْسار.

 

تاسعًا: تكامُل الشخصيَّة الإيمانية بتكامُلِ أعمال الإيمان، قالوا: لو أنَّ للنُّفوس بصماتٍ، لكانت أشدَّ اختلافًا من بصمات الأصابع، ومن ثَمَّ فليس كلُّ علاج موصوفٍ يناسب جميع النُّفوس، وقد علم فاطِرُ النُّفوس - سبحانه - أن خلقه هكذا، فجعل مَراضيه - سبحانه - متعدِّدة، تُناسب إمكانات النفوس، وطاقاتِها وقدراتها، فشرع - سبحانه - الصِّيام، والصلاة، والذِّكْر، والصَّدقة، والقرآن، وخدمة المسلمين، وطلب العلم، وتعليم الناس، والحجَّ، والعمرة... كل هذه العبادات وعشرات غيرها، منها فرائض ومنها نوافل، وجعل الفرائض بقدر ما لا يشقُّ على النفوس، ثم فتح الباب في النوافل يستزيد منها من يشاء، ولا حرج على فضل الله، فقُم بالفرائض فأدِّها كما ينبغي، ثم اعمد إلى النوافل فاستزِد مما تجد في نفسك رغبة وهِمَّة إليه، قال -تعالى- في الحديث القدسي الذي رواه البخاريُّ: «ما تقرَّب إلَيَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه».

 

فزِدْ في النوافل قدر ما تستطيع، ولكنَّ لكل نفس بابًا يُفْتَح لها من الخير، تَلِج فيه إلى منتهاه، فإذا وجدت من نفسك هِمَّةً ونشاطًا في جانب من جوانب العبادة فاسلُكْه ولا تتوانَ، وزد فيه، ولا تتأخَّر؛ لعلَّ الله يجعل فيه زكاة نفسك، والتزم جميع الجوانب بقدر الإمكان؛ فإنَّها مكملات لشخصَّيتك الإيمانية.

 

عاشرًا: المتابعة أمُّ المُداومة، والاستمرار أبو الاستقرار؛ لا بدَّ لك من شيخٍ متابع، أو أخٍ كبير مُعاون، أو على الأقل زميل مُشارك، لا تكن وحدك؛ «فإنَّما يأكل الذِّئب القاصية»؛ كما روى أبو داود، وحسَّنه الألباني.

 

والنَّفس بطَّالة، وبالسوء أمَّارة، فليكن لك شيخٌ يتابعك إيمانيًّا؛ كان رسول الله يُتابع أصحابه يوميًّا، فيقول: «مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟ من أطعم اليوم مسكينًا؟ من عاد اليوم مريضًا؟» كما روى مسلم، وقد أمره ربُّه بذلك في أصل أصول التربية، فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28].

 

فابحث لك عن شيخٍ، وبالإخلاص تُرزَق، وابحث عن أخٍ كبير تستشيره، فهو ذو خِبْرة سابقة تنفعك، وائتَلِف مع مجموعة من الإخوة الأقران، يكونون عونًا لك على طاعة الله ورسوله، فتكونون:  {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].

 

حادي عشر: لا تَمْنُن تستكْثِر: اعلم أخي الكريم أن التحدُّث بالعمل لا يخلو من آفات؛ فإمَّا أن يكون إظهار العمل للرِّياء والفخر والسُّمعة، فيحبط عملُك، أو تُحسَد، فالإيمان يتعرَّض للحسد، فتحصل الانتكاسة، فاكتُمْ عملك، وأَسِرَّ بقرباتك، ولا تُحدِّثْ بطاعاتك تَسْلَم، ونصيحة أخرى: أنت لا تدري أي أعمالك حاز القبول، ونِلْت به الرِّضا، فمهما كثر عملك، فلتكن على وجل خوف الردِّ، وعدم القبول، أو حذر الحسد وإفساد الأحوال، ولا تَفْتُر فتهلك، نعوذ بالله من تكدير الصافي، ونسأل الله السلامة والمُسامحة.

 

الكاتب: محمود العشري.