خير ما اكتنز الناس (1)

خالد سعد النجار

القلب الشاكر قلب عامر بالإيمان، خال من أدران الشرك والمعاصي، ولأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. كان الشكر من أجل المقامات، وقد أمر الله عباده به، ونهى عن ضده، فقال تعالى: {وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل:114] وقال تعالى: {وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة:152]

  • التصنيفات: التصنيف العام - شرح الأحاديث وبيان فقهها -

بسم الله الرحمن الرحيم


عن أبي أمامه -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  «قلب شاكر، ولسان ذاكر، وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك، خير ما اكتنز الناس» (1)

كلمات إيمانية تكتب بماء الذهب، وأحاديث محمدية كالواحة الغناء، يشعر ساكنيها أنهم في سكينة وروحانية، لذتها تفوق كل لذة، ويتعجبون من هؤلاء المعرضون عن هذا الخير، أو من الباحثين عن طريق النجاة ذات اليمين وذات الشمال، وهو أمامهم في كتاب ربهم وهدي نبيهم

القلب الشاكر(2)

القلب الشاكر قلب عامر بالإيمان، خال من أدران الشرك والمعاصي، ولأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. كان الشكر من أجل المقامات، وقد أمر الله عباده به، ونهى عن ضده، فقال تعالى: {وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[النحل:114] وقال تعالى: {وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة:152]

وقسم سبحانه وتعالى الناس إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله، فقال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان:3]

كما قرن الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به، فقال جل ذكره: {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً} [النساء:147] 

بل جعله الله تعالى غاية خلقه وأمره، فقال تعالى:  {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78] وقال: {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}  [العنكبوت:17]

وأخبر سبحانه أن رضاه في شكره، فقال تعالى: {وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}  [الزمر:7] 

وأن أهل الشكر هم المخصوصين بمنته عليهم من بين عباده، فقال تعالى:  {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53] 

وأثنى جل شأنه على أهل الشكر، ووصف به خواص خلقه، فقال تعالى في إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ} [النحل:120-121] وقال عن نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء:3] وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته، إشارة إلى الإقتداء به، فإنه أبوهم الثاني، لأن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلا إلا من ذريته، فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر، فإنه كان عبدا شكورا.

واشتق تبارك وتعالى لأهل الشكر اسما من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور، وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكوراً، فالشكر هو غاية الرب من عبده، وأهله هم القليل من عباده، وهم خواصه، فقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[سبأ:13] 

فمن يشكر الله فقد عبده حق العبادة، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته تعالى، {وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[البقرة:172]

ولعظم مكانة الشكر كان هدف إبليس الأول هدمه في نفوس العالمين، فقال تعالى إخبارا عن إبليس اللعين: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16] قيل هو طريق الشكر {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17] 

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا»  (3)

وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، إني والله لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»  (4)

وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:  «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (5) فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ} [التوبة:72] في مقابلة شكره بالحمد

والشكر قيد النعم وسبب المزيد، كما قال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله عز وجل" (6)

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال لرجل من همزان: "إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" (7) 

وكان أبو المغيرة إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: "أصبحنا مغرقين في النعم، عاجزين عن الشكر، يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنا، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون" (8)

وعن سفيان في قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}  [القلم:44] قال: "يسبغ عليهم النعم، ويمنعهم الشكر" وقال غيره: "كلما أحدثوا ذنبا، أحدث لهم نعمة". (9)

وحقيقة الشكر هي: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. ولابد أن يكون فرح العبد بنعمة الله تعالى من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه تعالى، والنزول في جواره، والنظر إلى وجهه على الدوام، وأمارته أن لا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة ويعينه عليها، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى وتصده عن سبيله، لذلك قال أحد العلماء: "شكر العامة على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، أما شكر الخاصة فعلى التوحيد والإيمان وقوت القلوب".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان  عن أبي أمامة. ج4 ص 104 برقم 4430( صحيح) انظر حديث رقم: 4409 في صحيح الجامع للسيوطي.‌ تحقيق الألباني، ورواه ابراهيم بن محمد الحسيني في البيان والتعريف ج2 ص 132 ط دار الكتاب العربي وعزاه للبيهقي  

(2) انظر عدة الصابرين ــ لابن القيم ص 93 ــ الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الإيمان والباب العشرون في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر

(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ابن حجر / كتاب تفسير القرآن باب 328 برقم 3859 عن المغيرة بن شعبه

(4) رواه النسائي / كتاب السهو برقم 1286، وأبي داود / كتاب الصلاة 1301، وأحمد / مسند الأنصار برقم 21103 بألفاظ متقاربة  

(5) رواه مسلم عن أنس بن مالك / كتاب الذكر والدعاء برقم 4915

(6) شعب الإيمان / البيهقي ج4 ص 130 برقم 4546

(7) المصدر السابق ج 4 ص 127 برقم 4532

(8) حلية الأولياء للأصبهاني ج 6 ص 248

(9) حلية الأولياء / الأصبهاني ج 7 ص 7