ما أهجُرُ إلا اسمك (2)

سوزان بنت مصطفى بخيت

ومع ذلك فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مع شدة حبها لرسول الله، ومهما آلمتها غيرتها وآذتها، إلا أن حبه ومكانته في قلبها لم تتغير، وأقصى ما كانت تقدر عليه أن تهجر اسمه فقط

  • التصنيفات: قضايا المرأة المسلمة -
ما أهجُرُ إلا اسمك (2)

ومرت الأيام بعد تلك الدورة ثم جاءتني احداهن قائلة:

"اليوم حدث خلاف بيني وبين زوجي وفوجئت به يقول أني حينما أنفعل فإني أفقد أنوثتي ورقة صوتي، ويبدأ صوتي تدريجيا للتحول إلى صوت به غلظة أشبه بصوت الرجال"

لا أنكر أني انصدمت من مقولة الزوج، وشعرت بضيق للوهلة الأولى لشعورها بالاختناق من رفضه لضيقها.

 

ولكني في نفس اللحظة تذكرت قول عائشة رضي الله عنها "ما أهجر إلا اسمك" وكيف أن حتى نبرة صوتها لم تكن تتغير.

ولأول مرة أنتبه لمعاني أخرى في هذا الحديث، ولأول مرة استشعر أنوثة عائشة رضي الله عنها، تلك الأنوثة الفطرية  التي اندثرت مع مرور الزمان.

 

وهذه المرة أسرعت بالبحث في شروحات الحديث عن الفوائد واللطائف المذكورة فيه ووجدت معاني أعمق وأجمل بكثير مما خطرت ببالي.

 

وجدت أن غضب عائشة رضي الله عنها كان بسبب غيرتها الشديدة على زوجها وحبيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذُكر في كتاب فتح الباري لابن حجر: وقول عائشة: "أجل يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك"..

 

قال الطيبي: "هذا الحصر لطيف جدا لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره، لا تتغير عن المحبة المستقرة، فهو كما قيل: إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل"..

 

وقال بن المنير: "مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودة ومحبة".

 

وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به كما نص عليه القرآن فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف، أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة)

 

وقد أبهرني هذا التعليق كثيرا، فنحن كنساء نعلم كم هي الغيرة عمياء حتى أن الزوجة لا تستطيع التمييز بين الصواب والخطأ حينما تشتعل غيرتها.

 

ومع ذلك فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مع شدة حبها لرسول الله، ومهما آلمتها غيرتها وآذتها، إلا أن حبه ومكانته في قلبها لم تتغير، وأقصى ما كانت تقدر عليه أن تهجر اسمه فقط (مع تألمها من هذا الهجر)، وحتى في ردها عليه قالت في دلال: "ما أهجر إلا اسمك".. ولسان حالها يقول: لا يخطر ببالك تغير قلبي ومشاعري تجاهك أو حتى هجري لذاتك حين أغضب، فوالله لا أهجر وقتها الا اسمك على مضض مني وتألم، فأُظْهِر البعد بلساني لكن قلبي متعلق بكيانك وذاتك وحبي لك ثابت وهواك في نفسي لا يتغير.

 

وهنا وقفت أتأمل الموقف وقد بدأت الصورة تتضح لي رويدا رويدا فهي لم تكن لتستطيع أن تتعامل بهذا الرقي والحب الا لو طغت أنوثتها على كل جوارحها، وكان لديها قدرة كبيرة على إدارة مشاعرها ومعالجتها قبل أن تتفاقم أكثر بداخلها.

 

فلقد امتلأ قلبها حبا وطهارة ونقاء، ولم تسمح لأي مشاعر أخرى أن تسيطر على سلوكها وتتحكم فيها.

 

تماما مثل تلك الممرضة التي ذكرُت قصتها سابقا، لم تكن تسمح لمشاعر الضيق أن تتمكن منها أبدا، بل كانت تعالج مشاعرها فورا وتتخلص من أي أثر لها قبل أن يظهر بنبرة صوتها.

 

وحينما حاولت البحث في ذاكرتي عن أي موقف حدث فيه خلاف شديد بين عائشة رضي الله عنها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث في بيوتنا، خاصة أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مذكورة في السيرة بأدق التفاصيل، لكن ذاكرتي لم تذكر موقف واحد حدث بينهما وغضبت فيه، ولم أجد موقف لأي من أمهات المؤمنين ولا الصحابيات ولا نساء السلف.

 

ثم قلت ربما لأنهن لم يتعرضن لضغوط شديدة مثل التي تمر بها النساء هذه الأيام لكني تذكرت أمهات المؤمنين والظروف التي كان يمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم من همّ الدعوة ومحاربة المشركين، وتذكرتُ …

 

يتبع بعون الله.