"وكيف تصبر علىٰ ما لم تحط به خبرا"

محمد علي يوسف

الإنسان السوي يحتاج للفهم، وينبغي اعتبار ذلك الاحتياج.

  • التصنيفات: التصنيف العام - قصص الأنبياء -
"وكيف تصبر علىٰ ما لم تحط به خبرا"

{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}

هذه هي طبيعة البشر الأسوياء وتلك التي أقرها الخضر وتعامل معها وبيّنها لموسى عليه السلام.

الإنسان السوي يحتاج للفهم، وينبغي اعتبار ذلك الاحتياج، وبالفعل موسى لم يستطع تجاوز تلك الحاجة الملحة للفهم والتبين، ولم يستطع صبرا.

قد يصبر الإنسان على عدم إدراك غيب أو عدم الإحاطة بأفعال قوة لا تدركها حواسه القاصرة أو وقد يخضع لعدم إحاطته علم لا يمكنه إحصاؤه من هذا المنطلق يؤمن بالغيب ويتبع الوحي الذي يستسلم لألوهية منزله سبحانه.

لكن ماذا عن إنسان مثله؟

بشر يفعل أشياء لا يفهمها ولا يدرك منطلقاتها فكيف يطالب أن يرضخ له دون قيد أو شرط وأن يوقع له صكا على بياض مقرا كل أفعاله حتى لو كانت تلك الأفعال تخالف ما يستقر في العقول والأفهام.

الخضر عليه السلام لم يكن مجرد شخص عادي لقد كان على الأرجح نبيا وما كانت أفعاله إلا بأمر من الله ولقد أخبر موسى منذ البداية أنه سينبأه بتأويل ما يفعله عليه فقط ألا يتعجل؛ لكنه على الرغم من ذلك قدر عدم استطاعة موسى أن يصبر، وفي نهاية الأمر قد نبأه وبين له حقيقة تلك الأفعال.

البعض لا يريدون التعامل مع تلك الحقيقة ليسوا بأنبياء ولا مرسلين ولا يتنزل عليهم الأمر من السماء لكنهم يظنون أنهم بشيء من العلم حباهم الله به أو شيء من بواطن الأحداث تم إطلاعهم عليه - فإن ذلك يعطيهم الحق المطلق في أن يتم اتباعهم اتباعا مطلقا.


ألا يجرؤ أحد على سؤالهم أو مناقشتهم أو حتى الإنكار عليهم، موسى في مقام التعلم والتواضع لمعلمه أنكر عليه وصرح بهذا الإنكار بلفظه: لقد جئت شيئا نكرا.


أما هؤلاء فتحمر أنوفهم لمجرد استفسار وتكاد تنفجر عروقهم لأي نقد يعتبرونه دوما موجها إلى ذواتهم المتضخمة ولا يكاد يتبقى إلا أن يصرحوا بأنهم لا يفعلون شيئا من أمرهم ولكنه الإلهام والسداد الدائم الذي لا تنقصه في أوهامهم العصمة.

وعلى الأتباع أن يصبروا ويسمعوا ويطيعوا على الدوام، وإن لم يحيطوا خبرا، ويتجاهل هؤلاء وأولئك السؤال الذي أعلنه الخضر 
{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}.