(6) العناية الإلهية

في غَزْوة تَبُوك كان الجيش الإسْلامي يسير في شدَّة حرارة الجَو، وفي جَهْد ومشَقَّة وجُوع، حتى كانوا يستظلون بأيديهم من حَرارة الشَّمس، وكانوا إذا نزلوا وادياً تركوا الشجرة العظْمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسْتَظل بها..

  • التصنيفات: السيرة النبوية -
(6) العناية الإلهية

في لحظات عصيبة، وسَاعَات حَزينة، وأيام كئيبة، وزَفَرات من الآهات والتوجعَات تركتها وخلفتها معرَكة بدْر الكُبرى، التي سحق فيها معسكر الإيمان وكتَائب الرحمَن غطرَسة وكبرياء قريش, فلا تسَل ولا تحدث عن مدى أثر تلك الصدمة والفجيعة في قلوبهم، وفي لحظَات الأنين وحر نار المصيبة، اجتمع اثنان من سَادات قريش تحت ميزاب الكعبة في هدوء وسكون الليل الذي تطيب فيه نفثَات التشَكي، ويُلقى فيه فيض الهم والألم، كانا يتذاكران ويتحَدثان فيما أصيبوا به من فقد أشرَافهم، ومقتل ساداتهم، وكَسر شَوكتهم، فقال عُمير بن وَهب - وكان من شيَاطين قريش -: والله لولا ديْنٌ علي ليس له عندي قضاء، وعيَال أخشى عليهم الضيعة، لركبت إلى محمد حتى أقتله..!!، فقال صَفوان بن أميَّة -وكان قد قُتِلَ أبوه وأخوه في معركة بدر-: عليّ ديْنك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء وأعجَز عنهم!، ففرح عمير واستبشَر وقال لصَفوان: فاكتُم عني شأني وشأنك.

 

ثم انطلق عُمير لبيته وأخذ سيفه وشحذه سماً حتى يبلغ أثره ويتمكن بثقة من القتل، وركب ناقتَه مُسرعاً متعَجلاً إلى المدينة يريد أمراً ويريد الله غيره، فلما دخَل المدينة أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأناخ ناقته عند بابه، وكان لعمير ابنٌ قد أُسِر في بدر، فكان يتَذرع أنه جاء لفك أسره، فلما أناخ رآه عمَر بن الخطاب فاروق الأمة، وكان في جمَاعة من الصحَابة يتحدثون عن كرَامة الله لهم في بدر، فقَام مسرعاً إليه - ووهَج الفراسة يشتَعل في عينيه-، فدخل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقَال: يا رسول الله هذا عدو الله عمير قد جَاء متوشحَاً سيفه..!، فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ. فأقبل إلى عمير فلبّبه بحُمالة سيفه فأدخله, وقال لفتية من الأنصَار: ادخلوا عند رسول الله واحذروا عليه من هذا الخبيث! وفي هذه الأثناء كان صَفوان بن أمية يقول لأهل مكة: أبشِروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيْكم وقعة بدر!، وكان يخرج كل يوم يتلقى الركبَان ويسألهم عما استجَد من الأخبار، فلما دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنعموا صَباحاً. فقال النبي – صَلوات الله وسَلامه عَليه-: قد أكرمَنَا الله بتَحية خير من تحيتك يا عُمير، بالسَّلام تحية أهْل الجنة. ثم قال: ما جَاء بك يا عمير؟! فقال: جئت لهذا  الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنُقك؟ فقال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شَيئاً يوم بدر؟ فقال: اصدُقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك!! فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل قعدت أنت وصَفوان بن أمية في الحِجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْنٌ عليّ وعيَال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً فتحَمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حَائل بينك وبين ذلك!!

 

فقال عمير: أشهَد أنك رسُول الله، قد كنا نكذبك يا رسول الله بما كنت تأتينا من خَبر السمَاء, وما ينزل عليك من الوحي, وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصَفوان! فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله! فالحَمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا السيَاق ثم تشهد شهادة الحق. فقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخَاكم في دينه، وأقرؤوه القُرآن، وأطلقوا له أسِيره.

 

فعَاد هذا الغيظ وذلك الحنق والغضَب، رحمةً وأمناً وسلاماً، ورجع ذلك العدو داعياً إلى الله – عَز وجَل – محملاً بالبشر والنور والقرآن، فلما علم صفوان أقسَم بالله لا يكلمه ولا ينفعه بنفع أبداً.

فلما وصَل عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام , فأسلَم على يده بشَر كثير.

 

وإذا العِنَاية لاحَظَتك عُيونها *** نَم فَالحوَادث كُلهُن أمَانُ 

 

وفي مَعركَة أحُد، أتى عبد الله بن شهَاب الزهري وكان من فرسَان قريش فجعل يصُول ويجُول وهو يقول: دلوني على مُحمَّد، فلا نجوت إن نجا..!!، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَانبه، ما معه أحَد، ثم جاوزه ولم يعلم به ولم يره، فعاتبه في ذلك صفوان وهو يرى أنها فرصَة نادرة ذهَبية، فسيفٌ صارمٌ، وفارسٌ شجاعٌ، ومحمد خال ليس معه أحد، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.

 

ومن يكُن الإلَه لَه حَفيْظَاً *** فَحَاشَا أن يُضَيِّعهُ الإلَه

 

ونعيش في هذا الحدث مع ألمع أناس سطروا أروع الأمثلة وأبرز الوسَائل في الخيانة والغَدر، فتاريخهم حَافل وناصِع بخياناتهم وغَدرهم، وكذبهم وبهتانهم، فهم أعلام هذا الميدان فلا مسَابق ولا مجاري لهم في ذلك، ولعلهم سبقوا إلى الذهن فلا أسبق منهم في هذا المجال.

 

 وبدايَة القصة أن عَمرو بن أمية الضَّمْري وكان صَحَابياً عدّاءً لا يُسبق، خرج من المدينة فلقي رجلين نائمين فقَتلهما وظنهما مشركين ولم يعلم بإسلامهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المال لديتهمَا، فأتى إلى يهود بني النَّضير ليعينوه في الدية وكان ذلك من بنود المعَاهدة التي عاهدهم عليها، فلما دخَل عليهم وجلس معهم فأخبرهم لما أتى إليه فأبدو اسْتعدادهم وتهيؤهم وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب دار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعَدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.

 

وخَلا اليهود بعضُهم إلى بعض، وسَول لهم الشيطَان الشقَاء الذي كتب لهم، فتآمَروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحَى، فيصعد فيلقيها على رأسه فيشدَخه بها؟  فقال أشقاهم وهو عَمْرو بن جِِحَاش: أنا. فقال أحد عقلاءهم وهو سلَّام بن مِشْكم: لا تفعلوا فو الله ليُخبَرنَّ بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، ولكن إبليس جثَم على قلوبهم فأبوا إلا إمضَاء خطتهم!! وقربت سَاعة التنفيذ، وأخذ عمرو الرحى، وتأهب ليقوم  بأداء دوره ومهمته، ووجَم اليهود انتظاراً لما سيحدث، وترقباً لما ستنتهي عليه هذه الخطة الماكرَة... وفي هذه اللحظة الفاصِلة نزل رُوح القدس – عليه السَّلام – إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم يخبره بما همّ به القوم من الغدر، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحَابه وقد فجَأهم قيامه وذهابه، فقالوا: نهضتَ ولم نشعر!، فأخبرهم بما همت به اليهود. ثم قدم عليهم بجُند الله في موكب تحفُّه الملائكة ويحيط به الأبرَار ويؤيده الله، فزلزلت حصونهم هيبةً ورعباً حتى نزلوا على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلاهم من المدينة.

 

كَأنه وهو فَرد في جَلالَتِه *** في مَوكِب حين تلقَاه وفي حَشَمِ

عِنَاية الله أغنَت عن مُضَاعَفَة *** من الدرُوْع وعَن عَال من الأُطُم

 

وهذا شَيْبة بن عُثْمان بن أبي طَلحة يقول: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللِّواء!، فلما فتح الله مكة أيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخَلت العَرَب في دينه فمتى أدرك ثأْري منه؟! فلما اجتمعت هوَازِِن في حُنَين قصدتهم لأجد منه غرَّة فأقتله، فلما انهزم الناس عنه وبقي مع من ثبت معه جئت من ورائه، فرفعت السَّيف حتى كدت أحطه بين كتفيه فغشي فؤادي، ورفع لي شواظٌ من نار فلم أُطق ذلك، وعلمت أنه ممنُوع فالتفت إلي وقال: أدنُ يا شيب فقاتل. ووضع  يده في صدري فصار أحبَّ الناس إلي، وتقدَّمتُ فقاتلتُ بين يديه ولو عَرَض لي أبي لقتلته في نصرته، فلما انقضى القتال دخلت عليه فقال لي: الذي أراد  الله بك خَير مما أردته لنفسِك!، وحدثني بجميع ما زوَّرتُه في نفسي، فقلت: ما اطلع على هذا أحَدٌ إلا الله!! فشَرح الله صَدري للإسْلام فأسلمْت.

 

وفي غَزْوة تَبُوك كان الجيش الإسْلامي يسير في شدَّة حرارة الجَو، وفي جَهْد ومشَقَّة وجُوع، حتى كانوا يستظلون بأيديهم من حَرارة الشَّمس، وكانوا إذا نزلوا وادياً تركوا الشجرة العظْمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسْتَظل بها، ولو استطاعوا أن يحجُبوا أشعَّة الشَّمس عنه بأيديهم لحجبوها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة لتقيه حر الظَّهيرة والقَائلة، فنزع ثوبَه وبقي في إزار وردَاء، وعلَّق السَّيف عنْد رأسه ونام، فجاء رجل مشرك فظٌّ غليظ يتربَّص الدَّوائر برسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتنم هذا الموقِف  فرسول الله نائم، وليس عنده أحَد من أصحَابه، وسيفُه معلَّق، فاخْتَرط تلك اللحظة وبخفَّة سيفه وأيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فتح عينيه وإذا بلمعان السَّيف يكاد يخطِف بصَره، وإذا العدُو محتَرز متمكن فقال:

 

من يمنعك مني يا محمَّد؟!! فقال وهو سيد المتَوكلين:"اللَّـه" فاهتَز الأعرابي وانتفَض وسقط السَّيف منه، ثم أخذه عليه صلوات الله وسلامه  فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ يا محمَّد!! فعفا عنه – عليه الصلاة والسلام – فأثر ذلك الموقف في روعَته على ذلك الأعرابي مع غلظَته وفظاظَته. فنطق الشهادتين وأسلم لله رب العالمين.

 

يا مادحاً تبَّعاً أو سيف ذي يزن *** دعهم وخل بني شَدَّاد في إرم

دعْ عنك كسْرى ومن حازوا جوائزَه *** وكل أصْيد أو ما قيل في هَرِم

واكتُب على مفرِق التَّاريخ رائعة *** من القَريضِ فدتك النَّفس من قدم

وامدَح بها أحمَد في كل قافيَة *** واملأ بها في قَوافي الشِّعْر من حِكم

 

بقلم/  نايف بن محمد اليحيى.