الموسيقى.. حين تكون عقيدة فكرية!

فهد بن صالح العجلان

تجاوزت الموسيقى والمعازف وضعها الطبيعي كما ينظر إليها عموم الناس، فأصبحت المثال السامي الذي يعكس الاخلاق والسمو والاعتدال والسعادة وكل شيء جميل، وفي  غيابه تكمن الشرور والتشوهات!

  • التصنيفات: التصنيف العام - الواقع المعاصر - قضايا إسلامية معاصرة -
الموسيقى.. حين تكون عقيدة فكرية!

كان صوت الموسيقى مرتفعاً، طلب منه أحدهم –بلطف- أن يوقف الصوت، وذكر له بأدب أن في هذا طاعة الله ورسوله، انفجر صاحبنا وانطلق في حديث غاضب:

ليس من حقك أن تطلب مني هذا، الموسيقى شيء طبيعي، الموسيقى هي صوت الحياة، لا يمكن أن نخنق حياتنا في هذا التفكير المتشدد المنغلق،  ثم طلب منه بغلظة أن يغادر المكان إن لم يرغب!

صاحبنا هذا يعبر عن موقف فئةٍ من الشباب والفتيات، لا ينظرون إلى الموسيقى والمعازف تلك النظرة الطبيعية التي يراها أكثر من يستمع إليها، فأكثر الناس حين يستمعون للموسيقى فإنها في وعيهم أداة طرب ومتعة، ولذة سماع، وأسلوب تسلية وترويح عن النفس يقضون به أوقاتهم، وقد يدركون مع هذا حكمها الشرعي، أو يتأولون أنها مباحة، لكنها على كل حال تبقى منحصرة في هذه الحدود.

الذي حصل، أن هذه القضية تحولت إلى (عقيدة فكرية) عند فئة من الناس، فأصبح لهذه القضية رمزية خاصة، وأسدل عليها ميزات فريدة:

فالموسيقى تهذب الأخلاق، وتقوم السلوك، وتصحح الفكر، فهي علاج أخلاقي ضروري لأي مجتمع، فهي ليست مجرد متعة أو من الحاجات التحسينية التكميلية،  بل هي أساس في الحياة تقوم عليها ضرورة تهذيب الأخلاق والقيم والسلوك.

وبدون الموسيقى فإن المجتمع سيقع في تشوهات فكرية، وستغرقه موجة انحرافات أخلاقية وسلوكية، ومن هذا المنطلق أصبحت الموسيقى أداة تفسير لعدد من الجرائم والانحرافات التي تقع في المجتمع، فسبب ظهورها في المجتمعات هو غياب الموسيقى، ومن أبرز الظواهر المنحرفة هو التطرف، فلم يكن للتطرف أن ينشأ في بيئة صحية تسودها الموسيقى.

تجاوز الأمر هذا الحد حتى أصبحت الموسيقى عند بعضهم:  هي فطرة إنسانية مما فطر الله الناس عليها، فمن يحرمها فهو معادٍ لفطرة الله، ومصادم للطبيعة.

وحتى تدرك عمق هذه العقيدة الفكرية:  لك أن تتخيل أن بعض الناس كان يعارض تدريس القرآن في الفصول الدراسية بدعوى عدم الحاجة إلى ذلك،  في نفس الوقت كان متحمساً بشراسة إلى ضرورة تدريس الموسيقى في المدارس!

ولم يرتض بعضهم هذه الضرورة لتدريس الموسيقى في المدارس، فليس هذا بضرورة عنده، لكن تبقى الضرورة عنده في تقبل الموسيقى والتعايش معها من أجل تحقيق السمو الأخلاقي!

وهكذا، تجاوزت الموسيقى والمعازف وضعها الطبيعي كما ينظر إليها عموم الناس، فأصبحت المثال السامي الذي يعكس الاخلاق والسمو والاعتدال والسعادة وكل شيء جميل، وفي  غيابه تكمن الشرور والتشوهات!

أثرت هذه العقيدة المضمرة في التعامل مع أي قضية تشتبك مع الموسيقى، فلا يتعامل صاحب هذه العقيدة معها بشكل طبيعي:

فلم يكن ثم أي سبب يستدعي أن ينفجر صاحبنا  غاضباً حين نوصح بلطف، فما أيسر أن إن لم يكن لديه دافع إيماني أن يستجيب لذلك من باب واجب الأدب والخلق، أو بدافع المراعاة والمسايسة كما هو حال أكثر الناس، لكن العقيدة الفكرية جعلت الامر مختلفاً، وجاء معها الحديث عن صوت الحياة وكارثة التشدد، والفظاظة في التعامل.

هذه العقيدة تفرض مواقف محتقنة، وتصرفات مأزومة لا تستدعيها حب الموسيقى ولا الرغبة في الاستمتاع بها، فتجد صاحب العقيدة يحرص على إحضار الموسيقى في كل مكان وبمناسبة وبدون مناسبة، ويتعامل بفجاجة امام النصح واللطف.

يقول بعض الناس ممن توظفهم بعض القنوات في الفتيا: إن الموسيقى مباحة، ويذكرون أقوال بعض أهل العلم الذين يفتون في ذلك، ثم يتحدثون وفق العقيدة الفكرية عن دور الموسيقى الأخلاقي في تهذيب السلوك وتقويم الأخلاق.

ليس لهذا الخلاف الفقهي أي علاقة بهذه العقيدة الفكرية، لأن من أفتى بجواز الموسيقى فهو يراها مجرد أمر مباح، ولا يمكن أن يأتي في أذهانهم مثل هذه العقيدة الفكرية.

لماذا؟

لأنهم يعرفون أن جماهير أهل العلم كانوا يحرمون الموسيقى،  وأنها كانت ممنوعة في أسواقهم ونواديهم، وأنه لم يكن لها حضور في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه،  ولم تكن الحياة متطبعة معها في في أزهى عصور المسلمين تربية وأخلاقاً وسلوكاً، فلو كانت الموسيقى بهذه المثابة من السمو الاخلاقي والضرورة التربوية فلازمه أن المسلمين كانوا يعادون الاخلاق ويصادمون الفطرة وينابذون الطبيعة!

فالثناء على الموسيقى بهذه الطريقة هو مثل من يقول: إن صلاة الجماعة في المسجد مضيعة للوقت، مشتتة للذهن، مجلبة للهم، ويظن أنه على مذهب من لا يوجب صلاة الجماعة في المسجد من الفقهاء!

 كيف تحولت الموسيقى إلى عقيدة فكرية؟

لن تحتاج لكثير عناء في البحث عن تفسير معقول هذه الظاهرة، فلم يكن هذا إلا بسبب المناكفة لمن يمتنع عن الموسيقى طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأصبح قبول الموسيقى يعبر عن موقف رمزي يتجاوز مجرد الاستماع إليه، ويتجاوز مجرد القول بإباحتها، فالقضية ليست منطلقة من تقدير حقيقي للمعازف، ولا من قراءة موضوعية لها، ولا من حاجة مجتمعية معينة، وإنما هي نتيجة خصومة فكرية نتج منها هذا الموقف العقدي الذي أعطى هذه القضية رمزية خاصة، فحماسته لا تعبر في الحقيقة عن المعازف وأهميتها وإنما تعبر عن الخصومة التي يحملها.

 ولهذا:

فلو أصبح القول بالإباحة هو الشائع، ولم يعد للموسيقى ذلك التحفظ الظاهر،  بل أصبحت من المباحات الشائعة، فإن الموقف العقدي سيتبخر، وسيقال حينئذٍ:

الموسيقى شيء طبيعي ومجرد سماع يحصل للإنسان والحيوان والجماد ولا يتميز الانسان بمجرده ولا ينتفع به، إنما المهم هو..

ثم تأتي العقيدة الفكرية لتسدل ثوبها على شيء جديد!

فنصيحتي لكل مسلمٍ ومسلمة: إن لم يتركها هذا السماع طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصيانة للدين وإبراء للذمة، فليكن فطناً لا يتسلل إليه شيء من عدوى هذه العقيدة الفكرية من حيث لا يشعر.

 

ولأني أعرف أن ثم اعتراضين سيتكرران في التعليقات، فلعلي استبقهما بإجابة مختصرة:

 الأول:

ما دمت تعرف أن سبب تحول الموسيقى إلى عقيدة هو الموقف الرافض لها، فلماذا  لا تقطع عنهم هذه الذريعة حتى ينتهي هذا التحفز والمبالغة.

وهذا الاعتراض ينطلق من حسابات إدارية للمشهد الفقهي، وكأن أمر تحديد الحلال والحرام رهن أمزجتنا ووفق خياراتنا، فما دام أن هذا قد يسبب ضررا هنا فلماذا لا نتخلص منه؟ هذا ينفع في حسابات إدارية أو مالية، لكنه غير قابل للعمل مع الأحكام الشرعية.

 الثاني:

أن ما ذكر من عقيدة فكرية عند المتحمسين للموسيقى يقابله عقيدة فكرية عند القائلين بالتحريم؟

والفرق ظاهر، فمن يرى أن الموسيقى محرمة لا بد أن يتعامل معها كما يتعامل مع أي محرم، فهذا هو الموقف الأصلي مع أي محرم وليس عقيدة طارئة أو تحاملاً جاء من الخارج، بخلاف من يرى أنها مباحة فليس في هذا ما يستدعي أن يسدل عليه كل هذه الفضائل والمواقف إلا الخصومة وما أثمرته من  عقيدة فكرية.

نعم، قد يتجاوز بعض المحرمين الحد الشرعي فيتجاوز حد الاعتدال في هذا الموضوع، فيكون الغلط متعلقاً بهذه الزيادة.