سربرنيتشا والقلب المجروح

ملفات متنوعة

أدهشتنى فاطمة كعادتها بمكالمة هاتفية من مصر وأنا فى لندن، تذكّرنى
بمرور خمسة عشر سنة على مأساة سربرينتشا.. وأنها تتوقع منى مقالة تكشف
عما استجد من وقائع فى هذه القضية المفتوحة التى لا تزال تجذب اهتمام
العالم..

  • التصنيفات: التاريخ الإسلامي -


أدهشتنى فاطمة كعادتها بمكالمة هاتفية من مصر وأنا فى لندن، تذكّرنى بمرور خمسة عشر سنة على مأساة سربرينتشا.. وأنها تتوقع منى مقالة تكشف عما استجد من وقائع فى هذه القضية المفتوحة التى لا تزال تجذب اهتمام العالم.. ولكن جاءت مكالمة فاطمة وأنا أمر بعمليات جراحية طغت آلامها على كل مشاغلى.. فقلت لها معتذرا: لعلى لا أستطيع هذا العام أن أكتب عن سربرنيتشا مكتفيا بما كتبته عنها العام الماضى.. ولكن فاطمة باهتمامها غير العادي ضربت على أوتار مشاعر مطمورة فى الأعماق.. فاستيقظت وأخذت تتصاعد حتى لم يعد هناك من بُدٍّ إلا أن أكتب عن سربرينتشا.. ولكننى فى تلك الفترة لم أتمكّن من إتمام المقالة فى حينها، حتى أطل علينا شهر أكتوبر بذكرياته عن الراحل العزيز على عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة الأسبق وقائد نضالها التاريخى ضد العدوان الصربي.. لقد فارقنا بيجوفيتش فى يوم 19 أكتوبر 1997 ونحن إذ نكتب عن سربرينتشا إنما نؤكد له أننا لم ننسى البوسنة ولا يمكن أن ننسى ذكرى المفكر الإسلامي العظيم عزت بيجوفيتش...


من يعرف فاطمة وهى من أفضل قُرّائى لا يستطيع إلا أن يلبى طلبها...! إنها تفكر بطرقة تلقائية بريئة لم تطمسها تعقيدات الحياة أو تحجب طلاقتها.. ولعلها ترى الأمور فى بعض جوانبها بمنظارأكثر صفاء مماهو متاح للكبار..

لقد بدأت فاطمة تقرأ كتبى ومقالاتى وهى لا تزال تلميذة فى المدرسة الإعدادية، وتناقشنى على الهاتف فى قضايا كنت أظن أنها أكبر من سنّها وقدراتها، فإذا بها فاهمة مستوعبة .. و لقد أصبح لزاما علىّ الآن أن أصارحها بما أخفيته عنها طول الوقت، حتى أجنبها الغرور بالنفس: إننى أتوقع لها مستقبلا متميزا فى عالم الفكر والثقافة والريادة .. وأرجو لها أن تكون نموذجا يُحتذى للفتاة المسلمة الواعية والمرأة الرائدة المسلمة فى مستقبل الأيام إن شاء الله..


* نعم يافاطمة .. مأساة سربرنيتشا ليست مأساة خاصة بالبوسنويين وحدهم ولا بأهالى الضحايا من الثكالى الذين لا تزال جراحهم مفتوحة.. وتتجد آلامهم كل عام وهم بعد لم يتعرفوا على جثث ذويهم وأحبّائهم، ليصلّوا عليهم ويواروهم الثرى وفقا لمراسيم شريعتهم الاسلامية .. إنها فى الحقيقة مأساة الأمة المسلمة بأسرها .. هذه لأمة التى قُدِّر عليها فى هذه المرحلة من تاريخها أن تشهد واحدة من أكبر انتكاساتها وهزائمها أمام أعتى وأشرس أعدائها فى الخارج.. وأخس أعدائها فى الداخل.. تكاثـرت الأكلة على قصعتها من كل حدب وصوب...! ولولا طغيان أراذلها على مقدّراتها لما كان حالها من الضعف والهوان على هذا النحو الذى نراه اليوم سائدا فى أرجائها..


والآن إليك بعض هذه الحقائق التى ترسم لنا الصورة الكلية للواقع الأليم:

أولا: لو قُُُـدّر لك أن تنظرإلى الكرة الأرضية من مركبة فضائية لرأيت شعوب الدنيا فى حالة من الاستقرار النسبيّ إلا الشعوب المسلمة، فهى إما خاضعة لاضطرابات ومجازر يومية على أيدى القوات الأجنبية، أو بعض المليشيات الغبية كما فى الصومال ودارفور وغيرهما.. وإما خاضعة لسلطات بوليسية مستبدة تسيمها الخسف ولآ تعبأ برغبة شعوبها فى العدالة والحياة الحرة الكريمة.. وتلك مأساةعجيبة تستحق الكثير من التأمّل والتفكير...!


ثانيا: فى ذكرى مذبحة سربرنيتشا التى وافقت يوم 15 يولية الماضى ذهب لحضورها عدد من رؤساء الدول الأوربية لمواساة ذوى الضحايا.. وإعلان مساندتهم لهم فى الوصول إلى بعض حقوقهم ، فى محاكمات عادلة للمجرمين، تشفى صدورهم المحترقة .. ولكننا لم نرى فى الحاضرين من هذا العالم المسلم الفسيح رئيسا واحدا، سوى رجب الطيب أوردوجان ..وتسأل: لماذا تخلف الرءساء المسلمون عن مشهد البوسنة تماما...؟! والإجابة بسيطة وهى أن البوسنة المسلمة فى وضعها المأساوي ليست جزءا من اهتمامات هؤلاء الرؤساء.. والسبب الآخر وهو الأهم: أن سادتهم فى أمريكا والغرب عموما يصدّون المسلمين عن الاتصال بالبوسنة على أى وجه.. لتظل تحت رحمتهم، خاضعة لمخططاتهم فى تصفية الوجود الإسلامي تدريجيا .. بوسائلهم المدروسة دون تدخل من المسلمين..

إنهم يفعلون ذلك فى كوسوفا أيضا .. ونحن حتى هذه اللحظة تمتنع حكوماتنا عن الاعتراف باستقلالها حتى بعد أن اعترفت بها الأمم المتحدة..وبذلك نتخلى عن دولة مسلمة لتبقى لقمة سائغة تهضمها أمريكا والفاتكان على مهل...!


ثالثا: قائد القوات الصربية الجنرال راتكو ملاديتش المسئول الأكبر والمباشر عن تدمير سربرنيتشا ومجازرها التاريخية لا يزال [بعد خمسة عشر عاما] طليقا إلى هذه اللحظة.. وكأنه اختفى فى كوكب آخر غير الأرض..!!

وكانت محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة قد وجهت إليه تهمة ارتكاب جرائم إبادة.. لمسؤوليته عن مذبحة "سربرنيتشا" التي راح ضحيتها أكثر من ثمانمائة رجل وصبي مسلم، وحصار "سراييفو" الذي دام 43 شهرًا وراح ضحيته آلاف الأطفال قتلوا فى مدارسهم وملاعبهم ووُجدت بعض أشلائهم ملتصقة على أسوار هذه اللاعب، كما قتل آلاف آخرون من النساء والشيوخ صُوّبت إليهم رشاشات الصرب وبنادق قناصاتهم لاصطيادهم وهم مصطفّون فى طوابير الخبز والمياه، أو سائرون فى شوارع سراييفو..

ورغم وجود ما يسمى بقوات حفظ السلام الأوربية (EUFOR) وتغلغل أدواتها وأذرعها البوليسية والاستخباراتيه فى كل ركن بالمنطقة، إلا أنها لم تُلْقِِ القبض عليه، ولا على غيره من قيادات مجرمى الحرب، أمثال ميلوسفيتش ورادوفان كراجيتش( فهؤلاء سلّمتهم حكومة صربيا ضمن صفقة معينة مع أمريكا)، ولكن قوات [يوفــور] لم تفعل لأنها لم ترغب ولم تقصد أبدا تقديمهم إلى المحاكمة، بنص شهادة ريتشارد هولبروك الدبلماسى الأمريكى الذى كان مسئولا عن مفاوضات دايتون للسلام، وذلك فى كتاب له بعنوان: (لإنهاء حرب) To End a War .. قال: "إن الدول الأوربية لا تريد تسليم أولئك المجرمين للعدالة لأنها هى التى شجّعتهم أصلا، ثم تواطأت معهم فى عدوانهم على مسلمى البوسنة..."..!!


رابعا: عندما ألّح النائب العام لمحكمة جرائم الحرب اليوغسلافية على المسئولين عن قوات [يوفــور] للإسراع فى القبض على هؤلاء المجرمين المطلوبين، وتسليمهم للمحاكمة وُوجه بحقيقة أغرب من الخيال ...! فقد صرّح له قائد القُوّات أنه ليس من صلاحياته البحث عن أماكن وجود هؤلاء الناس وإحضارهم، ولكنه هو وأفراد قواته مسئولون فقط عن القبض علي أى واحد منهم حسب قوله: "إذا صادفناه فى الطريق يمر أمامنا أثناء تأدية واجباتنا اليومية، وفيما عدا هذا لا سلطان لنا عليهم..!" ثار قاضى المحكمة المذهول غاضبا، وأقدم على خطوة غير مسبوقة فى إطار تقاليد الوظائف الدولية من هذا المستوى الرفيع، إذ قدّم استقالة مسبّبة إلى الأمم المتحدة وأعلن عنها فى الصحافة والإعلام العالميين.. كان من ضمن ما قاله القاضى الشجاع: " إننى لشديد العجب أن تكون هذه وظيفة جنرال بريطاني أو أن يقتنع هو بمنطقها.. ثم تساءل: هل يمكن أن يحدث هذا فى بريطانيا ..؟! أن يجلس رجال الشرطة ينتظرون القتلة والمجرمين المطلوب القبض عليهم حتى يخرجوأ من بيوتهم فلا يٌُقبض عليهم إلا إذا صادفهم رجال الشرطة فى الطريق...؟! " يقول الرجل:" لو أن هذا حدث فى بريطانيا لتحولت الدولة إلى فوضى عارمة ولأصبحت مثار سخرية العالم...!"

هذا القاضى الشجاع يستحق التنويه به وتحيته خصوصا لو عرفنا سيرته وإنجازاته...


* إنه "ريتشارد جولدستون" قاضى ورجل قانون من جنوب إفريقي، ذو أصل يهودي (!!) من مواليد 26 أكتوبر 1938، متزوج، وله بنتان وخمسة أحفاد، تخرّج من الجامعة فى جوهانسبرج عام 1962.. وقد شغل منصب قاضي المحكمة الدستورية لجنوب إفريقيا من 1994 حتى 2003، وهي الفترة التي تمت خلالها كتابة الدستور الجديد والانتقال من مرحلة التمييز العنصري إلى الديموقراطية.. كتب (على مدى 25 عاما) العديد من المقالات المتعلقة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ، كما عمل خارج بلاده من 1994 حتى 1996 مدعياً عاماً للمحكمة الدولية التي كُلِّفت بالتحقيق في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة ، ومن سنة 1999 حتى 2001 شغل منصب رئيس لجنة التحقيق الدولية في كوسوفو، ثم عينه الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان للإشراف على التحقيق في قضية فساد مرتبط ببرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، ثم اختير رئيسا للجنة التحقيق فى آثار الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.. فهو صاحب تقرير جولدستون الشهير الذى أثار ضجة إعلامية عند صدوره، لأنه يدين الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فى غزة، ولكن من نكد الطالع أن عباس (متواطئا مع إسرائيل) ما زال يحاول تمييع هذا التقرير، ويعمل [ويا للعار] على إرجاء تفعيله فى المجتمع الدوليّ...!


خامسا: فى يوم الأربعاء 7يوليو سنة 2010 نشرت الصحف اليونانية فى أثينا خبرا عن اتهام صحفى يوناني اسمه (تاكيس ميتشاس) لا لجرائم ارتكبها ولكن بسبب اتهامه هو لمتطوعين يونانين بالمشاركة في مذبحة سربرنيتشا .. و كان من المفروض أنه سيمثل أمام المحكمة يوم 20 أيلول(سبتمبر) 2010.. لقد مر هذا التاريخ الآن ولم تعلق عليه الصحافة العالمية بكلمة واحدة ، ولن تعلق، لأن القضية من بدايتها مجرد تلفيق فى تلفيق.. ضد الصحفى الذى نطق بالحقيقة وكشف عن الدور الخسيس لليونان فى مساعدة الصرب الأرثوذكس فى مذابحهم ضد المسلمين..


* فمن هو الشخص الذى يقف وراء هذه القضية ...؟! إنه: (سْتافروس فيتاليس) وهو من قدامى المحاربين اليونانيين في الحرب البوسنية .. رفعها ضد الصحفى الشريف ميتشاس على خلفية كتاب ألّفه هذا الأخير تحت عنوان:" التحالف غير المقدس: اليونان وصربيا ميلوسوفيتش".. ومن المعروف أن المنظمة اليونانية القومية المتطرفة والمعروفة باسم "الجبهة المقدونية اليونانية" هي التي تحمّلت رسوم رفع القضية حيث يشغل فيتاليس هذا منصب الناطق باسمها..


* يشير ميتشاس في كتابه إلى ما يسميه الدعم القوي من جانب الدولة اليونانية للرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، و تورط اليونان في الحرب البوسنوية وخاصة في حصار سربرنيتشا.. وقال إن المليشيات اليونانية شبه العسكرية قد رفعت العلم اليوناني في سربرنيتشا عقب سقوط المدينة فى أيدى الجنود الصرب بقيادة الجنرال ملاديتش ..


* وقد اعترف القومي المتطرّف فيتاليس بأنه كان أحد المتطوعين اليونانيين الكثيرين الذين شاركوا في الحرب البوسنوية وأنه رفع هذه القضية بسبب وصف الصحفي المتطوعين اليونانيين بأنهم" ميليشيات شبه عسكرية شاركت في عمليات القتل في سربرنيتشا".. ويؤكد فيتاليس أن المتطوعين اليونانيين قد نالوا الدعم الكامل من زعماء سياسيين يونانيين بارزين.. وأنهم كانوا موجودين هناك لمساعدة المواطنين فقط.. ولكنه يعترف ببجاحة ويناقض نفسه فيقول: أن المتطوعين اليونانيين قد حاربوا بجانب الجيش الصربي تحت قيادة القائد العسكري راتكو ملاديتش.. وأن هذا إنما يعبّر عن تقاليد العلاقات الحميمة الداعمة من جانب اليونان لصربيا المسيحية الأرثوذكسية...! كما يؤكد فيتاليس على أن المتطوعين اليونانيين كانوا موجودين في سربرنيتشا وقت وقوع المذبحة.. ولكنه يغمض عينيه عن تفاصيل النشاطات الإجرامية التى ارتكبتها قوات ملاديتش وعن دور اليونانيين فيها.


* أما من ناحيتى فأنا أعرف كثيرا من تفاصيل التعاون العسكرى والاقتصادى والتجارى بين اليونان وبين صربيا خلال الحرب على البوسنة .. ومنها إمداد صربيا بالبترول العربي فى الوقت الذى كان هناك حصار مفروض على يوغسلافيا كلها من المجتمع الدولي.. كسرته ليبيا لأن موقف قيادتها حينذاك كان مع صربيا ضد البوسنة.. حيث صرّح الزعيم وقتها أن مسلمى البوسنة ليس لهم حق فى الانفصال عن يوغسلافيا.. ولم يعلق بكلمة استنكار واحدة على حرب التطهير العرقى للمسلمين من جانب الصرب... أكثر من هذا أن أستاذا بجامعة الفاتح أصدر كتابين يدافع فيهما عن الصرب أحدهما بعنوان: "الصرب المفترى عليهم"...!! وقد كشفت فى مقالة لى عن حقيقة هذا الكتاب وأثبتّ مصدره وأصله الصربيّ، وأن كل جهد السيد المؤلف هو أن يوقّع عليه فقط باسمه ثم يقبض الثمن... هكذا يتمّ تزييف الحقائق فى عالمنا العربي والإسلامي .. ويتم تزييف وعْي الجماهير وتشويش أفكار الأجيال الجديدة بالذات، حتى يسهل قيادتها بعيدا عن هويّتها وانتماءاتها الصحيحة...


** أرجو أن أكون بهذه المقالة قد ألقيت بعض الضوء على شأن إسلامي وإنساني يُراد طمس معالمه وطيّه فى ذوايا النسيان.. إن البوسنة وكوسوفا يتعرضان لعملية واسعة لاستلاب هويّتهما الاسلامية.. واغتيال وجودهما كدولتين مسلمتين فى قلب أوربا، ليس بالحرب وسفك الدماء كما فعل الصرب وفشلوا.. ولكن فى هذه المرّة بالعزل والتنصير وتجفيف المنابع الإسلامية...!


11-10-2010 م
 

المصدر: محمد يوسف عدس - موقع المسلم