وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا

أبو الهيثم محمد درويش

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

  • التصنيفات: التفسير -

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} :

بين سبحانه بأبلغ بيان أنواع الوحي وطرقه عندما طالب المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكلمهم الله, فأوضح سبحانه أنه يوحي للمختارين المصطفين من خلقه إما بالوحي المباشر في قلب الرسول أو الكلام من وراء حجاب كما حدث مع موسى عليه السلام أو عن طريق الرسول الملكي كجبريل عليه السلام , وجميع الرسل لا يتكلمون إلا بإذنه و لا يجري على ألسنتهم إلا كلامه وأمره سبحانه , فليس لهم من الأمر من شيء , وهذا ما حدث مع محمد صلى الله عليه وسلم إذ أرسله ربه بالنور المبين الهادي للبشرية من ظلمات الجهل و الشرك والضلال, فالوحي يحمل إلى الخلق طريق الهداية وصراط الله المستقيم.

قال تعالى:

   {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ }   [الشورى 51-53]

قال السعدي في تفسيره :

لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: { { لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } } من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه.

إما أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ وَحْيًا بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها.

{ {أَوْ} } يكلمه منه شفاها، لكن { {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن.

{ { أَوْ } } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، فـ { {يُرْسِلَ رَسُولًا } } كجبريل أو غيره من الملائكة.

{ {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ} } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { { إِنَّهُ } } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع.

{ {وَكَذَلِكَ } } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير.

وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { { مَا كُنْتَ تَدْرِي} } أي: قبل نزوله عليك { {مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } } أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { {جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم.

{ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } } أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر الصراط المستقيم فقال: { {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} }

أي: الصراط الذي نصبه الله لعباده، وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته، { {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } } أي: ترجع جميع أمور الخير والشر، فيجازي كُلًّا بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن