همسات للتفاعل مع القرآن

ليكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال لك وقدوة وأسوة، فقد كانوا أسرع الناس تركا لما نهاهم الله عنه..

  • التصنيفات: القرآن وعلومه -

لعل من أخطر ما يعانيه مسلمو هذا العصر هو ضعف تفاعلهم مع كتاب ربهم ودستور حياتهم، ذلك التفاعل الذي ينتقل بالمسلمين من حال إلى حال، والذي يقتضي أولا تلاوته وعدم هجره، إذ كيف يمكن الوصول إلى مرحلة التفاعل مع القرآن الكريم وفي المسلمين من لا يواظب على تلاوته أصلا؟!

 

إن المرحلة التالية والأهم التي تلي المواظبة على تلاوة القرآن الكريم وعدم هجره تكمن في فهمه والتفاعل مع أوامره ونواهيه، من خلال المبادرة لتنفيذ ما فيه من أوامر، واجتناب ما تضمنه من نواه وزواجر، وهو تماما ما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

 

ومن أجل الوصول إلى مرحلة التفاعل مع كلام الله تعالى لا بد أن نشعر بأهمية القرآن وعظمته أولا، ومن ثم إدراك مخاطبته لكل واحد منا أمرا ونهيا وإخبارا، فخطاب القرآن المتكرر للمؤمنين تارة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}[التوبة: 23] وللناس تارة أخرى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}[يونس: 23] يشير بوضوح إلى أن المخاطب هو أنت أيها المسلم.

 

ولكي نتعرف على الطريق الموصلة إلى هذه الغاية العظيمة التفاعل مع القرآن التي إن تحققت قلبت موازين حياة ملايين المسلمين، وغيرت الكثير من الأفكار والمفاهيم في عقولهم، وجعلتهم أقرب إلى الله تعالى بمشاعرهم، وأسعد الناس في هذه الدنيا حقيقة لا وهما.. لا بد من مطالعة حال السلف الصالح مع القرآن الكريم، و الرجوع إلى نماذج تفاعل الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) مع كتاب ربهم، و مسارعتهم (رضي الله عنهم) إلى الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ففيها من الدروس ما ينبغي أن يُتوقف عندها، ومن العبر ما لا ينبغي أن تفوت.. إن من يدقق في حال الصحابة مع القرآن الكريم، يمكنه أن يستخلص الكثير من الوسائل المعينة على التفاعل الإيجابي مع كتاب الله تعالى، أردت أن أهمس بها في أذن كل مسلم.. أهمها:

 

1- اليقين بأن القرآن نزل للتطبيق لا للتلاوة فحسب:

جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة / 284]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة / 285]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل الله عز و جل{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال نعم) {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال نعم) {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال نعم) [البقرة / 286]. (صحيح مسلم 1/115 برقم 199).

 

إن أول ما يلفت النظر في الحديث هو: يقين الصحابة وإدراكهم جيدا أن كل آية تنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين هي للتطبيق لا للتلاوة وابتغاء الثواب فحسب كما يظن الكثير من مسلمي عصرنا الحاضر، ومن هنا يمكن فهم استشعار بعض الصحابة بثقل تطبيق الأمر في هذه الآية، فجاؤوا يشكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن زادهم تأديبا وتعليما بالتسليم والطاعة المطلقة لأمر الله تعالى، فوق ما هم عليه من تسليم وطاعة، وعند ذلك فقط أي عند التسليم والانقياد التام لأمر الله تعالى ونهيه نزل التخفيف من الله تعالى.. ومن هنا يمكن استنتاج أولى خطوات التفاعل مع القرآن الكريم، والمتمثلة بإدراك المسلم حين يتلوه بأن ما فيه من أوامر ونواه هي للعمل والتنفيذ.

 

2- سارع في تنفيذ ما يحثك عليه القرآن:

فقد كان الصحابة الكرام، يسارعون لتطبيق الأمر القرآني مهما عظم وثقل على النفس تطبيقه، حتى لو تعلق ذلك الأمر بالمال الذي يثقل على النفس إنفاقه عادة، فالإنسان متعلق بماله، حريص عليه ومحب له وشحيح في إنفاقه، فكيف إذا كان الأمر لا يتعلق بإنفاق المال فحسب، بل بإنفاق أحب أنواع المال إلى الإنسان، والذي يحتفظ به لنفسه عادة؟!

 

جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «لما نزلت{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران: 92]. جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله يقول الله تبارك وتعالى في كتابه {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}وإن أحب أموالي إلي بيرحاء قال وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخلها ويستظل بها ويشرب من مائها فهي إلى الله عز و جل وإلى رسوله صلى الله عليه و سلم، أرجو بره وذخره فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم (بخ يا أبا طلحة ذلك مال رابح، قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين) فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه. (صحيح البخاري 3/104 برقم 2607).

 

إن أمثال هذه الاستجابة والتفاعل من الصحابة الكرام لما يحثهم عليه القرآن الكريم أثناء تلاوته هي ما نحتاج إليه في زماننا، فمن خلال تلك الاستجابة يمكن رؤية أثر تلاوة القرآن على المسلمين في حياتهم ومعاشهم، وبدونها يبقى القرآن الكريم حبيس الفائدة الفردية المتمثلة بأجر تلاوته مع فضل ذلك إن وجد ولا يتعداه إلى الأثر الحياتي المقصود.

 

3-   لا تتأخر في اجتناب ما نهاك عنه القرآن:

وليكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال لك وقدوة وأسوة، فقد كانوا أسرع الناس تركا لما نهاهم الله عنه، ولعل خير مثال على ذلك: نزول تحريم الخمر، ذلك المشروب الذي اعتاد عليه العرب في الجاهلية، بل كان العرب لا يشربون الخمر فحسب، بل يحبونها ويعشقونها حتى قالوا في الخمر شعرا وقصائد، وحتى جعلوا من الخمر مؤنة لا تنفذ أو تفقد من أي بيت في صيف أو شتاء، فهي أهم من الطعام والشراب والكساء، ولعل شدة تعلق النفوس بالخمر كان سببا في التدرج في تحريمه تخفيفا على الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين.

 

لقد كان الخمر ملازما للنفوس والقلوب، ولا يتخيل أحد من العرب الاستغناء عنه يوما أو ليله، بله أن يستغن عنه العمر كله، ولكن قوة الإيمان في نفوس الصحابة الكرام، جعلت من هذا المشروب المحبوب، رخيصا مبتذلا مهانا أمام امتثال نهي الله تعالى عنه واجتنابه.

 

جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:«كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها (البخاري 5/2117 برقم 5260)، وفي رواية: (فجرت أي الخمر في سكك المدينة) سنن البيهقي 8/ 286، فلم ينتظر الصحابة لحظة واحدة بعد سماع التحريم، حتى امتثلوا وحولوا الأمر الإلهي إلى فعل وتطبيق، حتى ولو كان في ذلك ترك شراب لطالما اعتادوا عليه وأداموا شربه».

 

والأعجب من ذلك أن الصحابة لم يكتفوا بإهراق الخمر التي في بيوتهم، والتي دفعوا ثمنها من أموالهم، بل إن بعض الصحابة الكرام، كان يتاجر بالخمر، وقد جاء للتو من الشام بتجارة كبيرة من الخمر، فيها أمواله ورزقه وتجارته، ولم يكن يعلم أن الخمر قد حرمت، فماذا فعل؟؟!

 

عن كيسان رضي الله عنه: «أنه كان يتجر بالخمر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إني قد جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا كيسان إنها قد حرمت بعدك) قال: أفنبيعها يا رسول الله؟؟  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها قد حرمت وحرم ثمنها)، فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهرقها» (رواه أحمد والطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 4/103 برقم 6401).

 

لقد كان السلف الصالح يقرؤون القرآن بنية الالتزام والتنفيذ، فيشعر كل واحد منهم أن هذا القرآن نزل عليه هو، وأنه المخاطب في كل آية من آياته، وكل كلمة من كلماته، فأصبحوا بطريقتهم هذه قرآنا يمشي على الأرض، يراهم الناس فيرون الإسلام.

 

ولا يقولن قائل: إنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!! وأنى لأمثالنا أن يصل إلى ما وصلوا إليه، ويكون ذلك مبررا لترك الاقتداء والتأسي بهم، بل الواجب أن نجعل الاقتداء والتأسي هدفنا وغايتنا، مسترشدين بقول الشاعر:

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح

الكاتب: -د. عامر الهوشان