من روائع الحكم: المقال الثامن

الاستحياء من الربِّ جلا وعلا

1- استح من ربِّك أن تقابله في صلاتك وفي عباداتك بقلبٍ غائبٍ وجسمٍ حاضرٍ, فإذا كنت تسحتي أن تقابل بمثل ذلك بمخلوقٍ ضعيفٍ ولو كان ملكاً فكيف لا تستحي بخالق السموات والأرضين؟

2- استحي من ربِّك أن  تذكره بهيئةٍ لا ينبغي أن تقابل بمثلها مخلوقاً , فاستحي من ربِّك الكريم واستأنس به ولا تتوحش بمناجاته أبداً بل تلذذ بها عسى الله أن يرحمك بها,  قال أبو عبد الله الإمام أحمد: " إنِّي لأستحي من ربِّي أن أذكره متكأً "

3- استح من ربِّك أن تقابله بالمعاصي ونعمه التترى  تتنزل عليك ليلاً ونهاراً وهو يكلأك في منامك ويقظتك، قيل للجنيد ما الحياء فقال: "حال يولد من بين رؤية الآلاء، ورؤية التقصير. " كأنه يقول رحمه الله : أن ترى نعم الله عليك ثم ترى تقصيرك في أداء شكر هذه النعم فيتولد من ذلك ما يسمى حياءاً، ففي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

4- استح من ربِّك في السر والعلن فإنه  سبحانه يراقبك في كل مكانٍ فلا تجعله أهون الناظرين إليك, فإن كنت لا تفعل  سيِّئة أمام الناس فالله سبحانه أولى أن تستحي منه وهو يراقبك وينظر إليك قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء:1] وقال تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [ الأحزاب: 52]  فهذه المراقبة  في هذه الآية ألا ترى إنها موجًّهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسالم وهو سيد الخلق معصوم فكيف بنا نحن الضعفاء.

قال أبو جعفر رحمه الله: " وقوله {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} يقول: وكان الله على كل شيء؛ ما أحل لك، وحرم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظا لا يعزب عنه علم شيء من ذلك، ولا يئوده حفظ ذلك كله. أنظر ( تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 304) ).

5- استح من ربِّك فلا تتجرد من ثيابك ولو في الخلوة فالله أولى وأحق أن يُستحى من عباده، فكيف بالله بالذين يتعرَّون في الأسواق أمام الناس ولا يستحون لا  في السر ولا في الجهر كما لا يستحيون لا من الخالق ولا من خلقه؟! فكما هو معلوم الإنسان إذا تعرى من الإيمان فسيتعرى من الحياء ففي الحديث : «الحياءُ و الإيمانُ قُرِنا جميعًا ، فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخَر» (أخرجه الحاكم)

قال الشاعر:

وإذا خلوت بريبة في ظلمة ** والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل ** لها إن الذي خلق الظلام يراني

6- استح من ربِّك أن تقابله غداً في يوم القيامة بوجهٍ قبيحٍ غير وجهك الجميل الذي تظهره للناس في هذه الدنيا فإن في ذلك فضيحة عظيمة أمام الله وأمام الخلائق، «لكل غادرٍ لواءٌ يومُ القيامةِ يُرفعُ له بقدرِ غدرِهِ . ألا ولا غادرَ أعظمَ غَدْرا من أميرُ عامةٍ» (صحيح مسلم).

7- استح من ربِّك فكم يسترك وأنت ظالم لنفسك وتتجرأ بالذنوب وتغتر بحلمه منك في كل مرة ثم – سبحان الله - لا تزال لا تسحي منه ! كفاك مراوغة أكثر من ذلك توقف – يا أخي –  وتب إلى الله واستحي من ربِّك  وارجع من غيِّك إلى رشدك

8- استح من ربِّك فإن ربَّك حييٌّ كريم ستير يستحي اذا رفعت إليه يديك أن يردَّها إليك صفراً, فلذلك لا تصرف وجهك إلى مخلوقٍ ضعيفٍ قتورٍ لتسأله ,  وكان الإمام أحمد رحمه الله يدعوا : " اللهم كما كففت وجهي عن السجود لغيرك فكفف وجهي عن المسألة لغيرك " .أو كلمة نحوها.

فكيف بالله بمن يُبالغون في ذلك ويشركون بالله العظيم أو يتَّخذون من دون  الله وسطاء يتوسلون بهم إلى الله ويطيعونهم  طاعة مطلقة وهو يقول لنا في كتابه العزيز: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[ غافر: 60 ]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[ البقرة: 86]  وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}[ الأعراف: 55 ]   {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [ الأعراف: 205]

قلت:
أتستعجل في العاجلة وأنت ** لست الذي يجد فيها ما يشاء
أتستبطأ بالباقية فكيف وأنت ** لست ذاهب إليها متى تشاء
أتستحلم للمشاق لتحظى من  ** ربك الكريم الجنان العلياء
أتستحمل للمكاره فهيهات  **  أن تظفر بلذات بدون عناء
أتستتر من الفتن والذنوب  **    لكيلا تفتضح بدون خفاء
أتستحي أخي لتبقي شريفا  **  والخير باق ما بقي الحياء

والله أعلم.
----------------------------
الفقير إلى عفو ربِّه
عبد الفتاح آدم المقدشي