خطباء عرفة خلال قرن!

أحمد بن عبد المحسن العساف

بينما اعتلى منبر عرفة منذ عام 1377حتى عام 1398 الشّيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشّيخ طبقًا لما روي لي

  • التصنيفات: التاريخ والقصص -

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


بحثت فيما مضى عن خطباء جامع نمرة خلال العهد السّعودي، ثمّ كتبت مقالة حظيت بانتشار مناسب، وربّما استفاد من معلوماتها عدد من المواقع والحسابات، مع أنّي ذكرت بأنّ بعض ما ورد فيها ظنّي ليس عليه دليل قطعي عندي، والمسؤوليّة تقع على من نقل معلوماتها المحتمَلة جازمًا بها.

ولذا عدت للبحث والسّؤال من جديد، ونبشت في أعداد صحيفتي أم القرى، وصوت الحجاز المحفوظة في موقع دارة الملك عبدالعزيز، ومركز المحفوظات الوطني، فاستبان لي وجود إضافات مهمّة؛ شرعت على إثرها في كتابة هذا المقال، علمًا أنّي لم أستطع الاطّلاع على أعداد بعض السّنوات، وقد تكون محتجبة أو مفقودة أو مخفيّة.

والغريب أنّ محرري هذه الصّحف كتبوا عن كلّ صغيرة وكبيرة في الحج، بيد أنّهم نادرًا ما تطرّقوا لخطبة عرفة، وحين يُسرد مسير الموكب الرّسمي للملك أو لأمير الحج، تعاد الكلمات والجمل ذاتها سنويًا دونما تجديد، ويغفِل المحرّر ذكر اسم خطيب الموسم؛ فضاع علينا خبر يقيني من جرّاء هذا الصّنيع المنافي للمهنيّة.

ومن نفيس ما وقعت عليه هذه المرّة، وهو إضافة غير مسبوقة فيما أعلم، أنّه في سنة 1343 تقدّم الشّيخ محمّد بن عبدالّلطيف بن عبدالرّحمن بن حسن بن محمّد بن عبدالوهّاب لمنبر نمرة في يوم عرفة، وخطب في المصلين بعد إذن السّلطان عبدالعزيز كما ذكرت صحيفة أم القرى في عددها رقم (28) الصّادر يوم الجمعة الثّامن عشر من شهر ذي الحجة عام 1343.
والشّيخ محمّد هو جدّ سماحة المفتي الحالي، وله تاريخ علمي وثقافي واجتماعي كبير، يتلّخص في علومه التي نشرها، ومكتبته الضّخمة التي جمعها، وبيته المفتوح للأضياف وطلاب الحاجات إلى أن توفي عام 1367، عن عمر يكاد أن يلامس قرنًا من الزّمان، وسيرته عطرة حقيقة بالنّشر، والاقتداء.

وفي عام 1344 خطب الشّيخ عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن محمّد بن عبدالوهّاب، وظلّ خطيبًا حتى عام 1369 أي لمدة ربع قرن، وهذه المعلومة ظنيّة تحتاج لتوثيق، فلم أعثر على خبر يؤكدها إلّا عن موسم حج عام 1351 كما في العدد رقم (52) من صحيفة صوت الحجاز الصّادر في 15 من شهر ذي الحجة عام 1351، وجميع الرّوايات الشّفهيّة تشير إليه خلال المدّة المذكورة، حيث كان حينها رئيس القضاة بالحجاز، إلى أن توفي عام 1378 عن واحد وتسعين عامًا، وله مواقف مشهودة في الصّدع بالحق.

وفي موسم حج عام 1370 خطب في الموسم الشّيخ محمّد بن عبدالله بن حسن آل الشّيخ حسبما ورد في صحيفة أم القرى ضمن عددها رقم (1379) الصّادر في ١٧ من شهر ذي الحجّة عام1370، وهذه المعلومة غير متداولة قبل هذه المقالة فيما أعتقد. وخلال الأعوام من 1371-1376 لم يتبين معي اسم خطيب عرفة، والظّنّ ينحصر غالبًا بين الشّيخ عبدالله بن حسن ونجله الشّيخ عبدالعزيز.

بينما اعتلى منبر عرفة منذ عام 1377حتى عام 1398 الشّيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشّيخ طبقًا لما روي لي، وأشارت إلى ذلك بعض المصادر دون تحديد السّنوات، ولم يتمكن الشّيخ من إلقاء الخطبة عام 1399، بسبب سفره للعلاج، حيث صعد لمنبر نمرة في تلك السّنة الشّيخ صالح بن محمّد الّلحيدان، وهذه الخطبة محفوظة في موقع اليوتيوب؛ وربّما تكون أوّل خطبة متاحة على هذا الموقع من خطب جامع نمرة في يوم عرفة، مع أنّ البّث التّلفزيوني المباشر لمناسك يوم عرفة بدأ منذ عام 1394 كما جاء في عدد صحيفة أم القرى رقم ( 2557) وتاريخ 20 من شهر ذي الحجّة عام 1394، بينما بدأ تسجيل الموسم تلفزيونيًا من عام 1391 طبقًا لما ورد في سيرة د.عبدالرّحمن الشّبيلي المنشورة أخيرًا.

ثمّ عاد الشّيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن إلى إلقاء خطبة عرفة عامي 1400، و1401، واعتذر عنها إلى أن توفي عام 1410 عن أربعة وسبعين عامًا، علمًا أنّه في عام 1381 تولّى الشّيخ عبدالعزيز الخطابة في المسجد الحرام، وجامع نمرة، وكان وزيرًا للمعارف أيضًا، وفي عام 1396 كان رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وخطيبًا لعرفة.

وسمعت أنّه بعد اعتذاره رشّح لصديقه الملك فهد بديلًا عنه، وهو خلفه الشّيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشّيخ، حفيد أوّل خطيب لجامع نمرة في العهد السّعودي، وقضى الشّيخ عبدالعزيز على المنبر أطول فترة متواصلة فيما يبدو لي، حيث خطب منذ موسم حج عام 1402 حتى موسم حج عام 1436، وكانت أوّل سنتين بتكليف مؤقت، ثمّ صار التّكليف دائمًا، وجمع إمامة مسجد نمرة مع منصب مفتي عام المملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة الإفتاء، إلى أن أعتذر عن الخطابة لأسباب صحيّة.

وفي عام 1437 صعد إلى منبر عرفة الشّيخ د. عبدالرّحمن بن عبدالعزيز السّديس إمام الحرم المكي، ورئيس شؤون الحرمين، وفي عام 1438 خطب في مسجد نمرة الشّيخ د. سعد بن ناصر الشّثري عضو هيئة كبار العلماء، وعاد المنبر عام 1439 إلى أسرة آل الشّيخ، حيث صعد عليه إمام وخطيب المسجد النّبوي الشّريف، الشّيخ د. حسين بن عبدالعزيز بن حسن بن عبدالعزيز بن حسين بن حمد بن حسين آل الشّيخ.

وبناء على ما سبق، يكون عدد خطباء مسجد نمرة خلال العهد السّعودي منذ عام 1343 حتى عام 1439 تسعة خطباء، ستّة منهم ينتمون إلى أسرة آل الشّيخ، خطبوا خلال ثلاثة وتسعين عامًا، وننتظر مع المنتظرين إلى شهر ذي الحجّة القادم عام 1440؛ لنرى من سيكون خطيب الموسم على منبر نمرة في يوم عرفة، وهل يضاف إمام جديد إلى القائمة، أو يستمر الشّيخ حسين، والله يبلغناه على خير في ديننا ودنيانا.

وأيًا يكن، فالمأمول أن تكون خطبة يوم عرفة على هدي خطبة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وخطب خلفائه الرّاشدين، ومن تلاهم من الصّحابة والتّابعين وخيرة الأمّة، التي تتميز بكونها علميّة مرتبطة بالكتاب، والسّنة، وإرث علماء الإسلام، متباعدة عمّا يجرح قداسة المكان، وجلال الموقف، وضخامة المشهد، فالتّجربة تعلّمنا أنّ انحراف الخطبة عن هذا المسار يصرف النّاس عنها إلى نقدها ورفض محتواها؛ وهذا ما لا يرتضيه من يرجو الله، وينشد الخير والمصلحة الشّرعيّة.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض