كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر

أبو الهيثم محمد درويش

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)

  • التصنيفات: التفسير -

{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ} :

دوائر المنافقين عبر التاريخ لا تتبدل وسنن الله فيبهم لا تتغير , ظن منافقوا قريش أن لهم الغلبة واستكبروا وأصروا على العصيان وافتخروا بما آتاهم الله من مال وولد وهم لا يدركون أن الجميع في دار امتحان, فلما أصروا على الوقوع في غضب الله حل عليهم الغضب وذاقوا العذاب الأليم , فالله يمهل ولا يهمل سبحانه.

ومثل المنافق كمثل الشيطان يؤز الكفار على الكفر ويفرح بمعصية العصاة ويشجع عليها, ثم يفر من أوليائه وقت الحاجة ويتبرأ منهم ومن معاصيهم ومن كفرهم,ويوم القيامة موعدهم جميعاً النار سواء الشيطان أو أشباهه من المنافقين أو من تبعوهم جميعاً واجتمعوا معهم على الكفر والإصرار عليه والاستكبار عن كلمات الله والعداء له ولكلماته وأولياءه.

قال تعالى:

{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) } [الحشر]

قال السعدي في تفسيره:

{ {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا } } وهم كفار قريش الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: { { لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ  وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} }  الآية.

فغرتهم أنفسهم، وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا "بدرا" بفخرهم وخيلائهم، ظانين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين أمانيهم.

فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { {وَلَهُمْ} } في الآخرة عذاب النار.

ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ } } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل له الشقاء، لم ينفعه الشيطان، الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و { {قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } } أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير.

{ { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا } } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه { {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} } كما قال تعالى: { {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} } { {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} } الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم.

واللوم كل اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على طاعته، عاص على بصيرة لا عذر له.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن