الفرص التي لا تعوض : (2-2)

محمد بن إبراهيم النعيم

وإذا انتقلنا إلى أحاديث نبوية أخرى كي نبحث فيها عن فرص الخير التي لا تعوض سنرى أن هناك كماً من الأحاديث تدعونا إلى العمل بها قبل فوات الأوان.

  • التصنيفات: دعوة المسلمين -

إن وجودك في هذه الحياة أعظم فرصة لجمع الحسنات وللرقي في الجنة إلى أعلى الدرجات، فاغتنام حياتك قبل موتك يكون بالمبادرة إلى التوبة قبل حلول الأجل، قبل أن تغرغر فيُلَفُ الساقُ بالساق، فقد قال   صلى الله عليه وسلم  ( «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرر» )([1]).

 فإن اغتنام فرصة الحياة قبل الممات هو أن تغتنم وقتك لا تضيعه في لهو فضلا عن معصية، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، وكم من مؤمل غدا لا يدركه، وقد صح عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني بعمل صالح فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة.

 فكل دقيقة من حياتك هي فرصة لن تعوض لأنه لا يمكن إرجاعها أو تدراكها، فأمس الذي مرَّ عن قربه يعجز أهل الزمان من رده.

كما أنها فرصة إلى المبادرة إلى التوبة قبل ظهور بعض علامات الساعة الكبرى. فقد روى أبو هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال: « «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ» »([2]) .

 "فاغتنم حياتك قبل موتك" إنها خير كلمة جامعة في استغلال الوقت.

إن تفاوت أعمار البشر من أسرار الله في خلقه، فترى هذا يموت في الصغر وآخر في الكبر، والكل يعطى فرصته في الحياة ليرى الله كيف يعمل العاملون.

الكل منا يقول ويعترف بأن الموت لا مفر منه، وطريق الكل سيسير فيه، وكأس الكل سيشربه، وغير ذلك من كلمات تخرج أحيانا جافة من اللسان وليس من القلب، ولكن لو توقفنا عندها لوجدنا مرارتها على اللسان والقلب.

المشكلة أن البعض يتصور أن الكل سيموت إلا هو، فتراه يسوف التوبة ويؤجل التزامه واستقامته، فمتى سنجعل الموت عبرة لنا لنغتنم حياتنا قبل موتنا؟

وإذا انتقلنا إلى أحاديث نبوية أخرى كي نبحث فيها عن فرص الخير التي لا تعوض سنرى أن هناك كماً من الأحاديث تدعونا إلى العمل بها قبل فوات الأوان.

فمن الفرص التي لا تعوض وهي الفرصة السادسة: أن تستغل وجود والديك على قيد الحياة لتبرهما.

إن أعظم الفرص لك لكي تدخل الجنة أن تلزم والديك وتَبرَهما فهما بابان لك إلى أبواب الجنة، قال   صلى الله عليه وسلم  : « رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ». قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قال « « مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ »([3]). وقال في حديث آخر «الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ» » ([4]).

 فيا حسرة من مات والداه ولم يبرهما؛ حيث فوت فرصة عظيمة لا يمكن بأي حال أن يعوضها؛ لكي ينال رضاهما ويدخل بسببهما الجنة. فإن رضى الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخطهما.

أما الفرصة السابعة فهي أن تتبع السيئة الحسنة.

 إنها فرصة عظيمة بأن تتوب من الذنب مباشرة قبل أن يسجل عليك، نعم قبل أن يسجل عليك فيسوّد صحيفتك، فعن أبي أمامة  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال: « «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ وَاحِدَةً» »([5]) ، لذلك لا نعجب إذا علمنا أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  وهو الرحيم بنا قد وجهنا إلى ذلك بقوله « «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» »([6]).

فتأمل رحمة الله بك كيف يعطيك هذه الفرصة بأن يجعل الملك ينتظر ست ساعات لعله ينتظر منك توبة أو استغفارا.

 وتأمل أيضا شفقة النبي   صلى الله عليه وسلم  وهو ينصحك بقوله ( «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» )، وكلمة أتبع تفيد المبادرة وعدم التواني؛ لذلك بادر إلى التوبة وإلا ملئت صحيفتك سيئات، فرأيتها يوم القيامة عليك حسرات.

الفرصة الثامنة أن تحظى بالشهادة.

 وهي ليست شهادة الماجستير ولا الدكتوراه ولا شهادة خبرة، وإنما فرصة الشهادة في سبيل الله، فإنه من المعلوم أن كل من حقق معنى الشهادتين سيدخل الجنة برحمة الله؛ ولكن من منا يستطيع أن ينال درجة الشهادة في سبيل الله وهي أعلى الدرجات بعد منزلة النبوة والصديقية، فإنه لا توجد لك فرصة سانحة لتحقق هذا الحلم إلا بالجهاد في سبيل الله، وإن لم تستطع ذلك أو حال بينك وبينه حائل فلا حل لك سوى أن تسأل الله الشهادة في سبيل الله بصدق، ومن فعل ذلك وصدق مع الله فإن الله سيصدقه، فقد وعد رسول الله   صلى الله عليه وسلم  من كانت هذه نيته ورغبته أن يرزقه منازل الشهداء في الجنة ولو مات على فراشه فقد روى سهل بن حنيف  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال: « «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» »([7]).

فلا تدع الفرصة تفوتك، ومن لم يفعل ذلك فإنه قد يموت على شعبة من النفاق والعياذ بالله.

فقد روى أبو هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال: « «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» »([8]).

الفرصة التاسعة أن تبادر إلى التحلل ممن ظلمته قبل أن تسلب منك حسناتك يوم القيامة، فعن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال: « «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» »([9]).

الفرصة العاشرة والأخيرة أن نبادر إلى إنكار المنكر قبل نزول العذاب.

 فقد روى الإمام أحمد والترمذي فعن حذيفة بن اليمان  رضي الله عنه  أن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  قال « «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» »([10]).

 إن المنكرات لتنتشر في أسواق المسلمين ومنتدياتهم وبيوتهم ومجالسهم وإعلامهم انتشار النار في الهشيم، وإن التبرج في أوساط النساء المسلمات بات مألوفا فقل الحياء والغيرة، وإنها لفرصة لنا لإنكار هذه المنكرات قبل أن يستفحل الأمر فينزل العذاب ثم إذا دعونا الله عز وجل ليكشف عنا ما حل بنا فلن يستجيب لنا! هكذا قال لنا الرءوف الرحيم   صلى الله عليه وسلم  .

ختاما:

فكم واحد منا لا يزال يعض على أصابع الندم كلما تذكر كيف فاتته فرصة من فرص الحياة لا يمكن تكرارها ولا تعويضها، وقليل من الناس من يفعل ذلك في أمور الآخرة إما لجهله بالثواب الذي فاته أو لغفلته بالعقاب الذي ينتظره.

 إن ما يجب أن نعرفه، أن كل طاعة تعرض عليك فتفوتها إنما هي فرصة لا يمكن تعويضها؛ لأن الأيام ليست متكررة، وإنما كل يوم هو خلق جديد وإذا مضى فإنه لا يعود إلى يوم القيامة، فإذا ضيعت يومك في غير طاعة وفيما لا ينفع فإنما ضيعت عليك فرصة الطاعات التي مرت في هذا اليوم.

فهل أديت شكر مفاصلك بالأمس؟

فقد قال   صلى الله عليه وسلم  : « «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» »([11]).

وهكذا فإن هناك كثيرا من الفرص التي إذا فاتت لا يمكن تعويضها، وكل عمل صالح يفوت منك لا يمكن تعويضه، وكل دقيقة تمر عليك في غير طاعة قد كانت لك فرصة من الله لا يمكن تعويضها أو تداركها؛ لذلك البدار البدار إلى استغلال الأوقات، وتدارك باقي الأعمار.

 جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

([1])  رواه الترمذي (3537)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3143).

([2]) رواه الإمام مسلم (158).

([3])  رواه مسلم (2551).

([4])  رواه الترمذي (1900).

([5])  رواه الطبراني (7756)، والبيهقي في شعب الإيمان (5/391، رقم 7051)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2097).

([6])  رواه الترمذي (1987)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (97).

([7])  رواه مسلم (1909).

([8])  رواه مسلم (1910).

([9])  رواه البخاري (6534).

([10])  رواه الإمام أحمد (23327)، والترمذي (2169)،وصححه الألباني في صحيح الجامع (7070).

([11]) رواه مسلم (720).