الحج والعمرة رحلة إيمانية (2-2)

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : أثر الخطايا فيه وهو السواد أبلغ في باب العبرة والعظة, ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر, فتأثيرها في القلوب أعظم, فوجب لذلك أن تجتنب

  • التصنيفات: ملفات الحج وعيد الأضحي -


الاشتياق إلى الجنة   

المسلم يشتاق إلى الجنة, وكيف لا يشتاق لها وفيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, فيها النعيم الدائم الذي لا يزول ولا يحول, والحاج والمعتمر عندما يري الحجر الأسود يتذكر الجنة, فالحجر الأسود من الجنة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحجر الأسود من الجنة ) [أخرجه الإمام أحمد, وصححه العلامة الألباني] فتشتاق نفسه إلى الجنة ونعيمها, ويدفعه هذا الشوق أن يحدث نفسه أن يبذل ما يستطيع لينال رضا الله وليفوز بالجنة.

استشعار خطورة الذنوب وتأثيرها العظيم والكبير على العبد

عندما يري الحاج و المعتمر الحجر الأسود, فإنه يستشعر خطورة الذنوب فقد أثرت في الحجر فتأثيرها أعظم وأكبر على الإنسان,  فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( « نزل الحجر الأسود من الجنة, وهُو أشد بياضاً من اللبن, فسودته خطايا بني آدم )» [أخرجه الترمذي, وقال حديث حسن صحيح] قال الحافظ ابن حجر : قال المحب الطبري رحمهما الله : في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة, فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : أثر الخطايا فيه وهو السواد أبلغ في باب العبرة والعظة, ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر, فتأثيرها في القلوب أعظم, فوجب لذلك أن تجتنب

عند ذاك يعزم الحاج والمعتمر على ترك الذنوب كي يسلم من آثارها وتبعاتها, فالذنوب أمراض فتاكة, لا شفاء منها إلا باجتنابها,  ومتى كان صادقاً في ذلك أعانه الله الجواد الكريم الرحيم.

معرفة أن التوكل  يعني صدق الاعتماد على الله مع بذل الأسباب.

إذا سعي الحاج والمعتمر بين الصفا والمروة, تذكر حال أمنا هاجر عندما قالت لأبينا إبراهيم عليهما السلام :  يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي, ليس فيه أنيس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مراراً, وجعل لا يلتفت إليها, فقالت: آلله أمرك بذلك ؟ قال : نعم, قالت : إذن لا يضيعنا, فقولها عليها السلام : إذن لا يضيعنا, يدل على توكلها على الله جل جلاله, ومع توكلها على الله بذلت الأسباب للبحث عن الطعام والشراب بالسعي بين الصفا والمروة, فحقيقة التوكل : هو صدق الاعتماد على الله مع بذل الأسباب, مع عدم الاعتماد على الأسباب وحدها.

عدم اليأس مهما أصاب الإنسان من مصائب وخطوب

قال الله عز وجل: { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون }  [يوسف:87] فاليأس ليس من سجايا المسلمين, والحاج والمعتمر عندما يسعي بين الصفا والمروة, يتذكر حال أمنا هاجر هي وطفلها الصغير عليهما السلام في ذلك المكان الموحش وقد نفذ الماء والتمر الذي كان معهما, ومع هذا لم تيأس أمنا هاجر  من رحمة الله, وصبرت حتى فرج الله كربتها, ونبع ماء زمزم عندها, وهكذا المسلم في جميع ما يُصيبه من مصائب كروب عليه أن يصبر, وأن يحتسب الأجر, وأن لا ييأس.

الدعاء بصدق وتضرع وتذلل

عندما يسعي الحاج والمعتمر بين الصفا والمروة, يتذكر حال أمنا هاجر هي وطفلها الصغير عليهما السلام في ذلك المكان الموحش وقد نفذ الماء والتمر الذي كان معهما, فدعت الله بتضرع أن يفرج كربتها, قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : فلم يزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة وجلة مضطربة فقيرة إلى الله عز وجل, حتى كشف الله كربتها, وآنس غربتها, وفرج شدتها, وأنبع لها زمزم...فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره, وحاجته إلى الله في هداية قلبه, وصلاح حاله وغفران ذنبه, وأن يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب, وأن يهديه الصراط المستقيم, وأن يثبته عليه إلى مماته, وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما بفعل بهاجر عليها السلام.

فإذا تذكر الحاج والمعتمر حالها وكيف أجاب الله دعائها, أكثر من الدعاء بتضرع وتذلل لله, فلا يري – كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله- إلا متملقاً لربه, خاضعاً له, ذليلاً مستعطفاً له, يسأله عطفه ورحمته

ويعزم الحاج والمعتمر على مجاهدة نفسه بعد عودته لوطنه, بأن يكون الدعاء بوجل وتضرع ديدنه في جميع أحواله, وليس في وقت الشدة فقط, فمن رام أن يستجيب له في الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء والصحة, ويوطن نفسه أن يحرص على الدعاء في الأوقات والأحوال والأماكن التي ورد أنها مظنة الإجابة.

تذكر يوم القيامة وما فيه من أهوال وكروب والعمل على النجاة منها

إذا وصل الحاج إلى عرفه, ورأى الأعداد الغفيرة من الحجيج, وهم مع كثرة عددهم لا يمثلون أي نسبة للخلق منذ أن خلق الله الخليقة وحتى قيام الساعة, تذكر يوم القيامة, قال الإمام ابن قدامه رحمه الله : وأما الوقوف بعرفة, فاذكر بما ترى من ازدحام الخلق, وارتفاع أصواتهم, واختلاف لغاتهم موقف القيامة.

قال العلامة ابن القيم رحمة الله في الميمية :

فلله ذاك   الموقفُ الأعـظمُ الذي        كموقف يوم العرضِ بل ذاك أعظم

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمة الله : أي : أن موقف عرفة كموقف يوم العرض, بل ذاك – أي موقف يوم العرض – أعظم, ولا شك أنه أعظم, لأنه يجمع الأولين والآخرين, والمؤمنين والكافرين, والآدميين وغير الآدميين, أما هذا فلا يجمع إلا من حج فقط, وهم طائفة قليلة بالنسبة لموقف العرض, لكنه في الحقيقة مشهد مصغر لمشهد العرض....فإذا شاهدت الناس في هذا الدفع فكأنما تتذكر يوم القيامة, ولاسيما عند الانصراف, وأنت تشاهد هؤلاء الناس كأنهم جراد منتشر, كالفراش المبثوث - كما قال الله عز وجل – إذا شاهدتهم – سبحان الله العظيم – تخنقك العبرة, فلا تستطيع أن تملك نفسك حتى تبكى تجاه هؤلاء القوم, فكيف بالموقف العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة, ومع ذلك الموقف يفر المرء من أخيه, وأمه وأبيه, وصاحبته وبنيه, كذلك أيضاً يفرّ من فصيلته التي تؤويه, قبيلته التي كان يأوي إليها في الدنيا يفر منها يوم القيامة.

وإذا تذكر الحاج ذلك اليوم عزم على ملازمة التقوى بعمل  الطاعات واجتناب المعاصي ليكون ذلك سبباً  في نجاته من أهوال وكروب يوم القيامة, وما فيه من أمور عظام, قال الله جل جلاله : {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كُل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}  [الحج1-2] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : قال تعالى:   {إن زلزلة الساعة شيء عظيم }  أي أمر عظيم, وخطب جليل, وطارق مفظع, وحادث هائل, وكائن عجيب, وقوله:   {تذهل كل مرضعة عما أرضعت}  [أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها, والتي هي أشفق الناس عليه, تندهش عنه في حال إرضاعها له...وقوله :   {وتضع كُل ذات حملٍ حملها} [ أي قبل تمامه لشدة الهول,   {وترى الناس سكارى }  أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى {وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد

الاقتداء بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام

إذا غربت شمس يوم عرفة دفع الحاج إلى مزدلفة بسكينة ووقار, فبات بها, ونام ليلتها اقتداءً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم, مستشعراً أن ذلك سنة ينبغي العمل بها, هاجراً لما يفعل الكثيرون من الحديث وعدم النوم طول الليل أو أغلبه.

وفي فعل السنة خير كثير, ويعزم الحاج على مجاهدة نفسه بعد الحج على الإتيان بالسنة في جميع أقواله وأفعاله, سائلاً الله أن يعينه ويوفقه لذلك

مخالفة المشركين وعدم التشبه بهم 

مشابهة المسلم للمشركين لها أثر خطير على عقيدة المسلم وأخلاقه وسلوكه, قال علية الصلاة والسلام : ( «من تشبه بقومٍ فهو منهم» ) [أخرجه أبو داود]  قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهذا الحديث أقلّ أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم, وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم, وقد ألف رحمه الله كتابه النافع العظيم " اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " لبيان هذه المسألة, قال رحمه الله : المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال, وقال : أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهراً, بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين.

والحاج عندما يبقي في عرفة إلى أن تغرب الشمس, ولا يدفع من مزدلفة إلى منى, حتى تشرق الشمس, يستشعر أنه يفعل ذلك اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم, ومخالفةً للمشركين الذين كانوا لا يفعلون هذا, قال طاووس رحمه الله : كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس, ومن مزدلفة بعد أن تطلع الشمس, ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير, فأخَّر الله هذه, وقدَّم هذه.

والحاج إذا خالف المشركين في هاذين الأمرين, عزم على أن يجاهد نفسه بعد الحج على عدم مشابهتهم, في جميع أقواله وأفعاله, والله يعينه ويوفقه متى ما كان صادقاً.

كثرة ذكر الله عز وجل

المناسك شرعت من أجل ذكر الله عز وجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إنما جُعِلَ الطواف بالبيت, وبين السعي بين الصفا والمروة, ورمي الجمار لإقامة ذكر الله » ) [أخرجه أبو داود, والترمذي وقال : حديث حسن صحيح] فالحاج والمعتمر منذ أن يبدأ مناسكه ولسانه يلهج بذكر الله, ثناءً على الله, ودعاءً له, واستغفاراً, وفي أيام التشريق يكثر الحاج من ذكر الله عز وجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( « أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ) [أخرجه مسلم] قال عز وجل :   {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكراً}  [البقرة:200] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : يأمر تعالى بذكره والإكثار منها بعد قضاء المناسك وفراغها.  

وهذا مما يجعل الحاج والمعتمر يعزم أن يكون لسانه بعد عودته لوطنه, رطباً من ذكر الله, سائلاً الله الإعانة : ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )

مجاهدة النفس في غض بصره عن النظر إلى ما حرم الله

الحاج والمعتمر ينبغي له أن يجاهد نفسه في غض بصره عن رؤية النساء السافرات الكاشفات الوجوه, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : اعلم أن غض البصر عن الحرام واجب, ولكم جلب إطلاقه من آفة خصوصاً في زمن الإحرام, وكشف النساء لوجههن, فينبغي لمن يتقى الله أن يزجر هواه في مثل ذلك المقام تعظيماً, وقد فسد خلق كثير بإطلاق أبصارهم هنالك.

والحاج والمعتمر عندما يغضَّ بصره عن رؤية النساء السافرات, وهو يؤدي المناسك, يعزم على مجاهدة نفسه في غض بصره عن رؤية ما حرم الله في جميع الأماكن, وجميع وسائل الاتصال والتواصل, والقنوات الفضائية, والشبكة العالمية (الانترنت).

فإن هو فعل هذا فقد امتثل لقوله تعالى :   {قُل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون.وقُل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فُرُوجهن}  [النور/30] ثم أنه حفظ عينيه من الزنا, فالعين تزني وزناها النظر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( «كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة...العينان زناهما النظر » ) ونال فوائد غض البصر التي ذكرها أهل العلم ومنها : حلاوة الإيمان ولذته ونور القلب وفراسته وقوة القلب وشجاعته.

إن من وفق لاستشعار تلك الرحلة الإيمانية عاد من حجه وعمرته بأجر كبير, وثواب عظيم, ونال لذة العبادة وحلاوتها, وزكت نفسه, وصلح قلبه, ووجد انشراحاً في صدره, وسيجد تغيراً في حاله نحو الأفضل.

وفي الختام فمما ينبغي التنبيه له وخصوصاً في زماننا هذا, أن الحج ليس نزهة دنيوية, يقول العلامة محمد بن صالح  العثيمين رحمه الله : يجب علينا...أن لا نتخذ من الحج نزهةً لا نُريد منه إلا أن نُرفه أنفسنا ويجلس بعضنا إلى بعض بالمزح والضحك وإضاعة الوقت, لأن الحج عبادة, حتى إن الله تعالى سماه نذراً وسماه فرضاً, فقال تبارك وتعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق} [البقرة:197] وقال : {ثم ليقضوا تفثهم وليُوفوا نُذُورهُم}  [الحج:29] فهو عبادة جليلة ليس نزهة.

هذا وأسال الله الكريم من فضله وجوده وكرمه لي ولجميع إخواني المسلمين.

                                      كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ